الجمعـة 25 صفـر 1425 هـ 16 ابريل 2004 العدد 9271
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ظاهرة «الفيلم الإسلامي» في السعودية.. السينما بطريقة أخرى!

فهد الاسطاء

في السنوات الثلاث الأخيرة تنامت في المجتمع السعودي وفي أوساطه الاعلامية تحديدا ظاهرة درامية جديدة اصطلح على تسميتها في ما بعد بــ«الفيلم الاسلامي».

وأصبحت «المكتبات المرئية الاسلامية» تقدم هذه الاعمال الدرامية على أشرطة فيديو، بعد ان كانت هذه الاعمال قد عرضت بطريقة يمكن اعتبارها الشكل الاقرب للسينما السعودية، إذ يتم عرض «الفيلم الاسلامي» غالبا وسط تجمع كبير ومنتظم لا يخفي تأثره وهو يشاهد الفيلم على شاشة كبيرة عن طريق (آلة العرض: البروجكتر) وكثيرا ما يعقب ذلك التفاف حول المخرج والممثلين للحديث والنقاش عن الفيلم وطرح الاراء والانطباعات حوله. لقد كانت رغم عفويتها اشبه بمؤتمرات صحافية تقام بعد عروض الافلام كما هو الحال في المهرجانات السينمائية.

والحق أن هذه الظاهرة كانت نتاجا طبيعيا ومنتظرا لمفهوم فكري آيديولوجي محدد يقدم نظرته تجاه العديد من القضايا المعاصرة والحيوية، ومنها القضايا الفنية والاعلامية بتنوعاتها. وجاء «الفيلم الاسلامي» كمرحلة فنية ضمن عدة مراحل سابقة. فقبل ثلاثة عقود بدأ العالم العربي والاسلامي عامة يعيش ما يسمى بـ«الصحوة الاسلامية» التي كانت تقدم طروحاتها الخاصة ورؤاها المبنية على فهم معين لمضامين النص الديني، كما تعلن، رغم تباين هذه المفاهيم ما بين قطر عربي وآخر.

وعلى المستوى السعودي اعتمدت «الصحوة» آلياتها وأدبياتها الخاصة التي كان من أهمها في مجال الفن والاعلام ما يسمى بـ«البديل الاسلامي» في مواجهة المنجز الفني والاعلامي الآخر الذي ترفضه. كانت البداية، دراميا، من خلال الشريط السمعي عبر مقاطع تمثيلية مختزلة تؤكد مجموعة من الافكار الوعظية قبل الوصول المهم الى مرحلة «الشريط المرئي» الذي لم يبدأ فنيا، وانما كان طرحا لعدد من المحاضرات والمناظرات والمواد التعليمية والتوجيهية قبل ان تتسع مساحة الدراما من خلال الحفلات المتضمنة مقاطع تمثيلية قصيرة (اسكتشات)، وصولا الى مسرحيات طويلة كان لحفلات جامعة الملك سعود الدور الاكبر فيها، وكانت تعبر غالبا عن رؤية فكرية او سياسية تتزامن مع الواقع وتتفاعل مع الاحداث حسب توجه القائمين عليها. وهي،في الحقيقة، تحمل ثقلا فنيا جيدا مقارنة بقصر التجربة، كما في مسرحيات مثل «مقامة الجرذان، النخلة، الغابة، ملح الأرض»، وغيرها. وربما يعود هذا النجاح لكون العمل المسرحي هو اول الفنون الدرامية المنتشرة على مستوى العالم العربي بأجمعه. وهو ذو حضور كبير على مستوى الدراما السعودية بجانب الاستفادة من القدرات المسرحية المقدمة من اوساط اكثر تجربة على مستوى الاخراج والكتابة. المرحلة الثانية جاءت مع بداية التسعينات من خلال افلام «الرسوم المتحركة» الموجهة للاطفال، وكانت ذات اتجاهين:

الأول: وهو انتاج أصلي لفيلم الرسوم المتحركة من خلال النص والاخراج وهو غالبا مكلف وغير مضمون العوائد. ولعل أول ما ظهر في هذا الاتجاه تلك الافلام التي تعنى بالجانب التاريخي وإعادة حكايا سير الأعلام وقصص القرآن والانبياء وغيرها، مثل «جزيرة النور، رحلة الخلود، رحلة سلام، محمد الفاتح» وهو الأشهر تقريبا، حيث رافقت نزوله حملة دعائية وطرح بعض الاكسسوارات المتعلقة بالفيلم، الا أن العوائد لم تكن مشجعة للمواصلة في هذا الاتجاه، رغم الانتاجات اليسيرة اللاحقة من قبل بعض الشركات، بغض النظر عن مستوى جودة الرسوم وقدرتها على المنافسة وضعف النص والاخراج الفني. الثاني: هو القيام «بدبلجة» الافلام والمسلسلات الرسومية من جديد وإعادة صياغة حواراتها بما يتفق مع النظرة الاسلامية للشركة المنتجة أو بمعنى أوسع مع الرؤية العامة للفكر الديني الصحوي.

وإذا كان هناك نوع من شراء حقوق بعض هذه الافلام لدبلجتها من جديد فان هناك الكثير من التجاوز لهذا الامر والاستغلال لمجموعة من الافلام والمسلسلات الكرتونية الشرق آسيوية خاصة، لعل اشهرها الفيلم الذي نال شهرة عالية ومكاسب مادية كبيرة «نارا الصغيرة والطائرات المغيرة»، إذ حولت القصة لتكون عن «مأساة البوسنة»، بينما كانت في الاصل فيلما عن مأساة فتي ياباني واخته الصغيرة في الحرب العالمية الثانية للمخرج الياباني الشهير ايساو تاكاهاتا: باسم Grave of the Fireflies قبر اليراعات، وهو ضمن قائمة افضل أفلام الرسوم العالمية. والان تحفل المكتبة المرئية الاسلامية بالعديد من هذه الافلام والمسلسلات الرسومية التي اعيدت دبلجتها، ومنها المسلسلات الشهيرة التي عرفها الطفل العربي من قبل، مثل السندباد والليث الابيض وفلونة والبطل فارس وسالي وسنان وغيرها. أما القفزة الاخيرة والمرحلة الحالية ـ مع استمرارية الانتاج في المراحل السابقة ـ فهي التوجه الى انتاج افلام درامية روائية تحتوي على عناصر الفيلم المعروفة وهي ما اصطلحنا سابقا على تسميته بـ«الفيلم الاسلامي».

وبالرغم من انه كانت هناك تجارب سابقة ومتفرقة لصناعة فيلم مثل العمل الكوميدي «نقابة اللصوص» الذي يمثل مجموعة لمشاهد من قصص تراثية طريفة، اضافة الى بعض المشاهد القصيرة التي كانت توضع كمقدمات لبعض الحفلات والمهرجانات، الا ان البداية الفعلية لظاهرة «الفيلم الاسلامي» يمكننا اعتبارها في السنوات الثلاث الأخيرة حينما قدم المخرج الشاب عبد الله المديفر فيلم «اليتيم عماد» تزامنا مع افلام اخرى قليلة مثل «الفتي أحمد» من اخراج عبد الله النجاشي والمأخوذ عن قصص الفتي أحمد في مجلة «سنان» الموجهة للاطفال، على طريقة أفلام الكوميك.

وما يجعل هذه الفترة هي البداية الحقيقية لمرحلة «الفيلم الاسلامي» هو تتالي الاعمال وتتابعها خلال فترة ليست بالطويلة كان منها «الحقد البيض» للمديفر ايضا و«بداية النهاية» و«سامحني يا أبي» لمحمد اليحيى و«الصندوق الأسود» للمخرج المسرحي صبحي يوسف و«خيشان وشينان» لخالد المريشد و«حلم الكاراتيه» لعلي الشاطر و«مبدعون ولكن» لسليمان الغنيم و«وصايا فارس» لصالح العريض و«جنون المخطوطة» لعبد الواحد المشيقح و«رحلة المتاعب»، الذي يصور حاليا خارج السعودية بالاستعانةبقدرات لها خبرتها وتجربتها الفنية. وما زال هناك العديد من الأفلام التي يتم الآن الاعداد لها او تم الانتهاء من تصويرها وتنتظر نزولها للاسواق، بالرغم من أن عجلة الانتاج اصبحت تدور ببطء أكثر بسبب ضعف السوق الشرائية وقرصنة الأفلام، مما لا يعطي مردودا جيدا لتكلفة الفيلم، كما ذكر ذلك مشتاق حسين مدير انتاج احدى الشركات.

وعند مشاهدة هذه الأعمال لاستظهار القيمة الفنية فيها سينكشف العديد من السمات التي تؤكد موضوعية مصطلح «الفيلم الإسلامي». فهي تتبنى طابعا خاصا وقيودا معينة، مثل عدم وجود الموسيقى او العنصر النسائي او التحفظ في موضوع الفيلم وحواراته، وهو ما يعتبر مشكلة محورية على المستوى الفني، الا ان هذا لا يمنع من الحكم على هذه الاعمال داخل اطارها الخاص وشروطها التي افترضها اصحابها، كما هو الأمر في السينما الايرانية التي تفرض قيودا صعبة تحجم من مستوى الابداع الممكن، الا ان الحكم الفني عليها لا بد أن يستحضر هذه الوضعية، ويبحث عن تلك القيمة الفنية وسط هذه القيود، وهذا ما لم يمنعها من الحضور الكبير والجوائز العديدة التي استحقتها في عدد من المحافل السينمائية العالمية.

لذا فإن الكثير من هذه الأعمال الدرامية «الأفلام الاسلامية» تفترض هدفا معينا تسعى اليه من خلال هذا الفيلم «الدعوة والموعظة»، وهو أمر مفهوم في ظل معرفتنا بأدبيات الاعمال الاسلامية التي تتبنى مبدأ «الفن للدعوة» متجاوزة المبدأ الشهير والأقرب للتذوق الفني «الفن للفن».

وانطلاقا من مبدأ «الفن للدعوة» أو «الفن البديل» كان لا بد ان يـتأثر وبشكل ملحوظ الجانب الفني بالمقابل، فالثغرات الفنية الأهم في هذه الأعمال تتجاوز الجانب الفكري . ومن أبرز سمات «الفيلم الإسلامي»:

ـ اغلب موضوعات هذه الافلام تكرر نفسها وتفتقد للفكرة الخلاقة والتجديد وتبحث في سردها دائما عن الهدف الأول «الدعوة والموعظة». فموضوعات مثل المخدرات والعقوق والتوجيهات التربوية المباشرة وتصحيح السلوكيات الفردية هي ما يغلب على أفكار الفيلم الاسلامي. على ان الموضوعات البسيطة ليست مشكلة بحد ذاتها متى ما عرضت بطريقة اكثر فنية واقوى في المعالجة، والسينما الايرانية ذاتها تميزت بهذا الاتجاه وحققت نجاحات عالمية بأفلام ذات افكار عفوية وبسيطة مثل «اطفال الجنة، صبغة الله، الدائرة، البالون الابيض» وغيرها.

ـ استنادا الى السمة السابقة فان اكبر المشاكل الفنية لهذه الافلام يأتي من كونها مباشرة في الطرح وتتناول القضايا بشكل مبسط جدا وخطابي يجعلها تفتقد حرارة الحوار واثارة المشاهد والاداء المسرحي الظاهر على الممثلين الذين جاءوا غالبا من خلفية مسرحيات المراكز الصيفية والنشاطات المدرسية وغيرها.

ـ هناك مستوى جيد من الناحية التقنية في الصوت والصورة يعكس الجهد والتكلفة المبذولة خلف هذه الاعمال تتراوح تكلفة العمل ما بين 60 ـ 100 الف ريال (16 ـ 27 ألف دولار).

ـ المحاور الاساسية للعمل الفني تبدو مهملة بعض الشيء، فالسيناريو يأتي بشكل تقليدي في السرد ولا يتعمق في رسم الشخصيات وبنائها والحوارات متحفظة وخطابية ومثالية وتؤدى احيانا بطريقة تعليمية مباشرة.

ـ المونتاج غائب تماما في عمل هذه الافلام فهو ليس اكثر من ترتيب المشاهد والانتقال بينها بطريقة آلية لا تعكس فكرا فنيا.

ـ كبديل عن الموسيقى التصويرية، تعمد هذه الاعمال الى استخدام الاناشيد الاسلامية والآهات، وينجح هذا الامر أحيانا الا انه في كثير من الاحيان يأتي ليشرح المشهد ويعلق عليه او يواصل مهمة الوعظ والتوجيه.

ـ المحور الأهم في العملية الدرامية هو الاخراج، ويحسب لمخرجي هذه الاعمال كل هذا الجهد في تقديم اعمالهم وطرح رؤاهم وفق تصوراتهم الخاصة، الا انه على المستوى الفني ضعيف، لا يظهر جانبا فنيا في طرح الموضوع او عمقا في المعالجة، بل جهدا في محاولة السيطرة على الاداء واختيار اماكن التصوير واقناع المشاهد بمستوى الماكياج والازياء والديكور.

وبالنظر الى كل هذه السمات السابقة وما تحمله من نقد لمثل هذه التجربة فانه، ومن اجل تحقيق اكبر قدر من النجاح الفني، لا بد أن يعمد القائمون عليها، منتجين ومخرجين، الى الاستفادة الكبيرة من التجارب الفنية السابقة والاطلاع على روائع ما قدمته السينما العالمية والسينما الايرانية تحديدا، التي تعتبر الانموذج الاقرب لمتطلبات «الفيلم الاسلامي»، والعمل على تطوير الذات سواء على مستوى الاخراج او كتابة النص من خلال التفاعل مع المؤسسات الفنية والدورات التدريبية التي تتيح مثل هذه الفرص في انحاء العالم العربي.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال