الاحـد 15 جمـادى الاولـى 1425 هـ 4 يوليو 2004 العدد 9350
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تاريخ مقاهي المثقفين بين السياسة والأدب

محمد عبد الواحد يرصد حرائق الكلام في مقاهي وسط القاهرة

القاهرة: محمد أبو زيد
يرتبط ذكر القاهرة عند الكثيرين بذكر مقاهيها، وترتبط هذه المقاهي بالشخصيات التي صنعتها ومنحتها الشهرة، فلا يذكر مقهى الفيشاوي بدون ذكر نجيب محفوظ، ولا يذكر مقهى متاتيا من دون ذكر جمال الدين الافغاني، ومقهى اللواء دائما يتبعه ذكر الشيخ عبد العزيز البشري وحافظ ابراهيم وابراهيم عبد القادر المازني وغيرهم.

ويرصد محمد عبد الواحد في كتابة «حرائق الكلام في مقاهي القاهرة» والصادر أخيرا عن دار أطلس للنشر ملامح أهم مقاهي القاهرة والتي من الممكن اعتبارها من معالم القاهرة التاريخية ـ نظرا لاندثار بعضها بناء، وبقاؤها سيرة ـ والسياحية والثقافية.

ولا تذكر المقاهي من دون ذكر النرجيلة التي يرجعها الكاتب الى لفظ نارجيل وهو الاسم الذي يطلق على ثمر جوز الهند وترجمته الحرفية هي «الجوزة» وهو الاسم الذي تعرف به النرجيلة الشعبية في مصر لأنها كانت مكونة فعلا من ثمرة جوز هند مفرغة وتثقب مرتين ثقب يوضع فوقه الحجر، وثقب تنفذ من خلاله أنبوبة خشبية يتم من خلالها استنشاق الدخان الذي يمر خلال الماء الموضوع في الجوزة المصرية، التي لم تتغير ملامحها حتى أوائل القرن العشرين وعندما ارتفعت اسعار ثمار الجوز استبدل به كوز صفيح فارغ أو زجاجي وهذا أبسط الأشكال الشعبية للنرجيلة ويدخن بواسطته المعسل وهو الدخان الممزوج بالعسل.

وأشهر مقهى في القاهرة لتدخين النرجيلة الآن ـ كما يقول محمد عبد الواحد ـ هو مقهى الندوة الثقافية في ميدان باب اللوق، والذي يؤمه عدد كبير من الكتاب والفنانين من هواة تدخين النرجيلة، وحتي منتصف القرن الماضي كانت هناك أماكن متعددة مشهورة لتدخين النرجيلة أهمها مقهى الأوبرا والذي كان يعرف في الثلاثينيات والاريعينيات باسم كازينو بديعة نسبة لصاحبته بديعة مصابني، وكان لكل زبون «لي» خاص به مكتوب فوقه اسمه، لا يدخن به شخص آخر، وكان الحجر يقدم محفوفا بالزهور، وفي الماء توضع ثمرات من الكرز.

ويبدأ عبد الواحد تجواله في مقاهي القاهرة بمقهى الحرية الذي انشئ عام 1936 عندما كان لاسم الحرية شجن خاص ملون بدماء شهداء واصوات ملايين الرجال والشيوخ والنساء هتفوا طويلا له، والذي أنشأه يوسف افندي في ميدان باب اللوق، وقد حقق المقهى خسائر فادحة في بداية افتتاحه، نظرا لابتعاده عن العمران وحركة الناس في الشارع، واستمر الحال هكذا حتى عام 1942 مع الحرب العالمية الثانية حيث ازداد وجود القوات الانجليزية وجنودها في مصر وكان يفضلونه لعدم ارتفاع اسعاره وجودة مشروباته، ومن ثم عرف الباشوات والبكوات ورجال الشرطة والجيش والفن طريقهم لمقهى الحرية.

ويضيف عبد الواحد ان المقهى الى الآن لم تتغير ملامحه كثيرا باستثناء اختفاء صالتين للعب البلياردو في بداية السبعينيات حيث لم يقبل عليهما أحد وحل مكانهما كراسي وطاولات لتزداد مساحتهما داخل المقهى الذي لم يعد فيه ركن خاص سوى البار الفقير المحاط بحائط زجاجي الآن، واختفت أيضا الحوائط التي كانت تفصل أماكن الرجال عن النساء، وأشهر رواد المقهى الفنان زكريا أحمد والدكتور محمود الحنفي والدرملي باشا والضباط الاحرار خاصة أنور السادات، ورشدي أباظة وأحمد رمزي وعبد الرحيم الزرقاني وزكريا الحجاوي والشيخ أحمد حسن الباقوري وحسن الامام والفنان شكري سرحان.

مقهى ايزافيتش كما يشير عبد الواحد التقى على مقاعده القليلة مثقفو الاربعينيات الحالمون بالعدل والحرية، وفيه كتبت قصائد وتوهجت قصص حب ودارت معارك فكرية وأدبية وسياسية ورواده كانوا سيد خميس والابنودي وابراهيم فتحي وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وسيد حجاب وبهاء طاهر ومحمود يس.

ويرصد الكتاب أهم مراحل ايزافيتش، حركة اعتصام الطلبة عام 1971 التي طالبت بمحاكمة المسؤولين عن النكسة، تولي السادات المسؤولية من دون حسم للحرب، وكتب فيه أمل دنقل قصيدته «الكعكة الحجرية» وفيها: «أيها الواقفون على حافة المذبحة، أشهروا الأسلحة، سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحة» وفترة النضج والازدهار لهذا المقهى كانت من عام 1957 وحتى 1974 تقريبا وهي الفترة التي شهدت ميلاد كثير من الادباء والفنانين، من جيل سابق مثل حسن سليمان ولويس عوض الذي أهدى كتابه «بلوتو لاند» الى «الفتيات الضاربات على الآلة الكاتبة، والى آكلات الساندوتشات من ايزافيتش» لكن المؤسف ان المقهى الذي شهد ميلاد جيل من النقاد والادباء والسياسيين في مصر، وكان شاهدا على فترة من أهم فترات مصر تحول الآن الى معرض لبيع السيارات.

ينتقل الكاتب الى مقهى متاتيا والذي ارتبط باسم جمال الدين الافغاني، ويصفه بانه كان يوزع السعوط بيمناه والثورة بيسراه ولا يتوقف عن تدخين الشيشة طوال اليوم، والمقهى شهد ثورة 1919 ورواده الدائمون هم عبد الله النديم وسعد زغلول ومحمود سامي البارودي ويعتبر متاتيا الأشهر على الاطلاق تاريخيا بين مقاهي القاهرة لارتباطه باسماء صنعت تاريخ مصر والوطن العربي وكان يحتل مكانا بارزا في وسط القاهرة أسفل عمارة شاهقة أنيقة بين ميداني العتبة والموسكي.

أما مقهى الندوة الثقافية والذي يتكون من صالتين في الخارج والداخل بينهما ساحة قصيرة وكل مقاعده وطاولاته مصنوعة من الخشب ومطلية منذ افتتاحه عام 1962 بلون بني محروق فيشير عبد الواحد الى ان هذا المقهى والذي يقع في ميدان الفلكي كان ملتقى للأدب والمثقفين وهو ما دفع أصحابه الى تسميته بهذا الاسم، وأهم ملامحه «القرآن الكريم» الذي لا ينقطع طوال الوقت ترحما من أصحابه على روح والدهم وبعثا للطمأنية بين الزبائن الذين تعلموا الصمت وهو ما يغلب على المكان طوال الوقت حيث لا يوجد أثر للطاولة أو الدومينو والعصر الذهبي للمقهى كان في الستينيات حيث كان ملتقى لنجيب محفوظ وجمال الغيطاني ووحيد فريد وفاروق عبد القادر ويوسف القعيد وتوفيق صالح وأحمد زكي وجورج البهجوري وسمير غانم ويحيى العلمي وغيرهم.

ويقول عبد الواحد انه في نفس الشارع الذي توجد به الندوة الثقافية كان يوجد خلال تلك السنوات مبنى الاتحاد الاشتراكي وكان اعضاؤه دائمي الحوار بصوت عال يصل في معظم الاحيان الى حد الشجار، وكثيرا ما كان بعض الحاضرين يتدخل لفض الاشتباك الذي كن يدور حول وسائل تطبيق المفاهيم الاشتراكية على مصر، ولم يطل النقاش حولها طويلا، فقد جاءت السبعينيات واختفى مبنى الاتحاد الاشتراكي واقيم فيه الآن فرع لأحد البنوك الاستثمارية، ومن يومها بدأ يقل حضور الكثير من الزبائن القدامى وان لم ينقطع. ينتقل محمد عبد الواحد في كتابه بين العديد من المقاهي مثل مقهى ركس ومقهى بعرة وسطوحي وأم كلثوم وولي النعم ودار الكتب وعبد الله والفيشاوي الذي يصفه بأنه انتقل من الشاي الأخضر الى الدولار الأخضر، أما ريش والذي يعود الى عام 1863 فيعتبره عبد الواحد شاهدا على احداث هامة في سياسة مصر وثقافتها وفنها وتاريخها.

ويبين الكتاب انه كان لريش حديقة واسعة تمتد الى ميدان سليمان باشا «مكان العمارات الموجودة في الميدان حاليا» وقد أقيم على أرض الأمير محمد علي توفيق قبل أن ينتقل الى قصره الجديد في المنيل، ووثائق المقهى اغلبها بالفرنسية، وأشهرها مكاتبات متبادلة بين ميشيل بولليتس وحكمدارية البوليس حول التصريح للمقهى باوركسترا موسيقية، كما كان المقهى مكان تجمع الطبقة الوسطى التي بدأت في الظهور في ذلك الحين وكانت خطب الثورة بل وبعض التحركات السياسية تنشأ فيه كما كان مكانا لتفريخ العديد من المشروعات الأدبية والفكرية فقد ولدت فيه فكرة مجلة «الكاتب المصري» التي تولى رئاستها طه حسين ومجلة «الثقافة الجديدة» لرمسيس يونان وجاليري 68 لكتاب الستينيات، وابتداء من عام 1963 كان نجيب محفوظ يعقد ندوة اسبوعية صباح كل يوم جمعة بهذا المقهى كما كان يعقد للجيل الجديد في ذلك الحين مثل صلاح جاهين والابنودي وأحمد رمزي وكمال الملاخ وشهد المقهى ميلاد ثورة 1919 وماكينة طبع المنشورات موجودة به وعلى ريش أيضا قرر الجهاز السري للثورة في 1 ديسمبر (كانون الاول) عام 1919 اغتيال أحد أعدائها وهو صاحب الدولة يوسف وهبة باشا وتستمر فعالية المقهى حتى عام 1990حيث قرر أصحابه اغلاقه استعدادا لتجديده ليعود بعد ذلك بين حياة تتجمل وتتشوه في آن واحد.

* حرائق الكلام في مقاهي القاهرة

* المؤلف: محمد عبد الواحد

* الناشر: دار أطلس ـ 2004

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال