الاثنيـن 19 شعبـان 1425 هـ 4 اكتوبر 2004 العدد 9442
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مكة المكرمة شيعت شاعرها محمد حسن فقي عن 93 عاما بعد موعد متواصل مع الموت

الدمام: ميرزا الخويلدي

بعد الثمانين خبت جذوتي

وآدني السقم وطاب الرحيل!

بعد الثمانين أبت صبوتي

إلا انحساراً عن جبيني الاثيل!

بعد أكثر من تسعين عاماً، قضاها أديب الحجاز ونابغة الوطن السعودي، متنقلاً بين القوافي والكلمات، وراحلاً زاده الصبر والأناة بين الفجائع والأحزان، يحمل نعش الكلمة على حبال التشاؤم حد اليأس، وينظر الى الكون من حوله بعيني ابي العلاء المعري، ناسجاً على منواله نغماً تتناسق فيه عواطف الشاعر المرهفة برؤية الفيلسوف، ووجدان المتصوف واحتجاج الثائر. رحل ظهر أول من أمس في منزله بجدة غرب السعودية الشاعر محمد حسن فقي عن 93 عاماً.

وحسبما كان يتمنى ويوصي، فقد أديت صلاة الميت على روحه في المسجد الحرام بعد صلاة الفجر من يوم أمس الأحد، ووري الثرى في مقابر المعلا بمكة المكرمة.

ولد الراحل الشاعر محمد حسن فقي في 17/6/1332هـ (13 مايو (أيار) 1914) في مكة المكرمة، ونشأ يتيماً حيث توفيت والدته وهو رضيع وكان عمره لم يتجاوز سبعة أشهر، وشاء الله أن يفقد والده أيضاً ولما يشب ويكبر، حيث توفي ابوه وعمره 16 عاماً، وكان عليه ان يعاصر الحياة ليعمل الى جانب تحصيله الدراسي، وأن يصبح مسؤولاً منذ بواكيره الأولى عن عائلة مكونة من اخواته البنات (لم يكن له إخوان ذكور).

* عاش في مكة المكرمة وتعلم في مدرسة الفلاح، ثم انتقل مع اسرته الى جدة حيث درس بمدرسة الفلاح أيضاً، ثم عاد مرة اخرى الى مكة المكرمة واكمل دراسته هناك. وبعد تخرجه من المدرسة عهد إليه وهو في سن مبكرة تدريس الطلبة في المدرسة وكان بعضهم يفوقه عمراً، وكان يدرسهم الخط العربي والجغرافيا والأدب. وحاول وهو الفتى اليافع أن يوسع مداركه فانفتح على اعمال الادباء الكبار كطه حسين وعباس العقاد والمازني واحمد امين والرافعي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا ابوماضي وغيرهم.

عرف الراحل محمد حسن فقي الأدب والشعر وهو صغير، وكان أول ديوان ألفه «قدر ورجل»، كما نظم الرباعيات، وكتب «نظرات وافكار في المجتمع والحياة» و«هذه هي مصر»، و«الفلك يدور»، و«ترجمة حياة»، و«مذكرات رمضانية»، و«فيلسوف»، بالاضافة الى المجموعة الشعرية الكاملة التي صدرت في 7 اجزاء، وكذلك مئات المقالات والدراسات الادبية التي نشرها في الصحافة المحلية والعربية.

وكان الشاعر الراحل يمقت الغربة، ويشعر بحنين الى موطنه، ولذلك حينما عينه الملك فيصل سفيراً للمملكة لدى اندونيسيا وحضر مع الملك المؤتمر الاسلامي في باندونغ عام 1955، وكان معنياً أيضاً بتنظيم مؤتمر دول عدم الانحياز الذي كان ابرز قادته الملك فيصل واحمد سوكارنو وتيتو وعبد الناصر. لكن قبل إكمال عامين، حسب رواية ولده السفير فؤاد فقي، طلب من الملك فيصل أن ينتقل الى المملكة، حيث كان مسؤولاً عن أسرة في امس الحاجة الى وجوده.

ولدى عودته للمملكة كلفه الملك فيصل بتأسيس ديوان المراقبة العامة وظل في الديوان حتى استقال لأسباب صحية. وتولى رئاسة مجلس ادارة البنك الزراعي. ويعتبر الراحل محمد حسن فقي اول مدير عام لمؤسسة البلاد الصحافية. وعينه الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ وزير التعليم العالي السابق مستشارا لـ«المجلة العربية».

* الموت في حياة محمد حسن فقي

* كل من قرأ أعمال الشاعر الراحل محمد حسن فقي يشعر أنه يقرأ لأديب امتزج شعره بالفلسفة، وطبعت أعماله مسحة من الحزن والتشاؤم، ولم تكن تلك النزعة مجرد ترف في المشاعر بالنسبة لشاعر طالما تنعم بالمناصب العليا، ولكنها كانت انعكاسا لحالة من الحزن ظلت تلازمه منذ كان طفلاً. وكانت اشعار وكتابات محمد حسن فقي تعبر عن نزعة فلسفية، كما كانت أعماله تصطبغ برؤية عرفانية، وهو القائل:

انا وحدي في اعتزالي ذائق

لذة الروح ابتعاداً واحتواء

وكانت اشعاره كما المقالات التي كان يكتبها تقطر حسرة وتشاؤماً وحزناً، واذا كانت الحياة بأبعادها المختلفة قد غرست انيابها في حياته وعاملته بضراوة، فإنها أيضاً لم تبخل عليه بنعيمها، ولكنه ظل متشائماً يحاول ان يعيش في عالم من العرفان وفق رؤية فلسفية نحو الروح والانسان، ولم يكن متكلفاً في أشعاره ومقالاته، حيث كانت تحتوي على رؤية تمازج بين الشعر والفلسفة.

والذي يقرأ سيرة الشاعر المكي يجد أنه كان على موعد متواصل مع الموت، ففي مراحل الطفولة ولما يكمل شهره السابع فقد أمه، ليتنقل بين ايدي الحاضنات. ثم وفي بواكير المراهقة فقد والده، الذي طالما ظل يمتدحه حتى بعد أن شاخ وكبر، وظل يعتبره المثال الأكبر في حياته، وصاحب الفضل في تعريفه بالأدب والادباء.

لقد امتزجت حياته بالمعاناة منذ كان طفلاً، وظل يعاصر الحياة كاداً على اخواته الصغيرات متسنماً المسؤولية مبكراً، وحين كبر وتزوج ابتلي بفقد اولاده.

لقد عبر الشاعر الراحل عن مرحلة اليتم التي عصفت بطفولته قائلاً:

كليل عشت بلا حب ولا امل

كالقفر عاش بلا ماء ولا شجر!!

انا اليتيم!! وما تحصى عشيرته

لكنني بينهم عود بلا وتر

يكاد يحسبني من ليس يعرفني

من التبلد تمثالاًَ من الحجر!!

المال والمجد اوهاق لمرتقب

وليس فوق اديم الارض من وطر!!

قد اغتربت بداري غير مؤتنس

بها وأمسيت من اهلي على حذر!!

اهيم على وجهي فما أنا منتم

الى الروضتين مثل الآمنين ولا القفر!!

ويسلمني خوفي الى السهر تارةً

واخرى الى النوم المفزع بالشر!!

ويقول:

حيرتني نفسي فما اعرف

ما تحتويه من اسرار!!

الرشد تميل ام لضلال

ولنفع تميلُ ام لضرار؟!!

من صباي الغرير كنت اعاني

قلقاً من شذوذها وعثاري!!

* محمد حسن فقي (سيرة ذاتية)

ـ ولد في مكة المكرمة 1332هـ

ـ درس في مدرسة الفلاح بجدة عام 1338هـ

ـ عمل بمدارس الفلاح أستاذاً بعد تخرجه منها

ـ رأس تحرير جريدة «صوت الحجاز» فترة من الزمن، ثم انتقل إلى العمل بوزارة المالية حتى أصبح مديراً عاماً لها، ثم صدر أمر بتعيينه سفيراً للمملكة لدى إندونيسيا وقد مكث فيها فترة من الزمن ليعود إلى المملكة نائباً لرئيس ديوان المراقبة حين تأسس وبقي فيه إلى أن استقال من العمل الحكومي. انتخب كأول مدير عام لمؤسسة البلاد الصحافية، وقد رشح كآخر عمل له ولا زال مستشاراً لـ«المجلة العربية».

* من أعماله

ـ المجموعة الشعرية الكاملة في 7 مجلدات كبيرة 1404هـ ـ 1405هـ

ـ «ترجمة حياة» في جزءين

ـ «مطالعات وأفكار في الكتب والحياة» في جزءين

ـ «مذكرات يومية» ـ 3 أجزاء

ـ «رمضانيات فيلسوف» 1414هـ

ـ شارك في الكتابة والنشر شعراً ونثراً في الصحافة المحلية على امتداد أربعين عاماً أو تزيد

حصل على عدد من الجوائز والأوسمة وفي مناسبات عديدة

* وظائف رسمية وغير رسمية

ـ عمل في السلك الحكومي وفي الصحافة حيث ولي الأعمال التالية:

ـ رئيس تحرير صحيفة «صوت الحجاز» في الفترة التي سافر فيها عبد الوهاب آش

ـ محرر في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، بناء على طلب الشيخ عبد الله وزير المالية والاقتصاد الوطني حينذاك، ثم ترقيته الى وظيفة رئيس ديوان التحرير بنفس الوزارة

ـ مفتش عام مساعد

ـ رئيس لديوان الواردات العامة

ـ مدير عام مكاتب وزارة المالية والاقتصاد الوطني في مدينة جدة

ـ مفتش عام وزارة المالية والاقتصاد الوطني

ـ مدير عام وزارة المالية والاقتصاد الوطني

ـ سفير للمملكة لدى إندونيسيا

ـ بأمر من الملك فيصل قام بتأسيس ديوان المراقبة العامة

ـ رئيس مجلس إدارة البنك الزراعي

ـ ويعتبر الراحل محمد حسن فقي أول مدير عام لمؤسسة البلاد الصحافية

ـ وعمل مستشاراً لمجلة «المجلة العربية»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال