الخميـس 13 رمضـان 1425 هـ 28 اكتوبر 2004 العدد 9466
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الشيخ سيديا بابه.. منارة إصلاحية في بلاد شنقيط

السيد ولد أباه*

يمثل فكر الشيخ سيديا بابه المتوفى سنة 1924، صفحة مجهولة من الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي على الرغم من شهرة الرجل في بلاده، حيث اضطلع بدور ثقافي وسياسي واجتماعي متميز. وينحدر الشيخ سيديا بابه من أسرة دينية وعلمية مرموقة من أشهر الأسر وأكثرها تأثيرًا في تاريخ موريتانيا. فوالده هو الشاعر الأبرز الشيخ سيدي محمد وجده هو الشيخ سيديا الكبير، الذي قال في ترجمته أحمد بن الأمين في كتابه «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» الصادر في مطلع القرن المنصرم «ماذا أقول في رجل اتفق على أنه لم يظهر مثله في تلك البلاد».

وقد ارتبط مسار الشيخ سيديا بابه بمحورين أساسيين:

الاول : النزعة الإصلاحية التجديدية الخارجة عن التقاليد الشنقيطية المرتكزة على الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف الجنيدي. والثاني: قبوله الاحتلال الفرنسي للبلاد الذي وجد فيه مخرجًا من حالة الفتنة الأهلية العامة.

أما نزعته الإصلاحية فهي نمط من المزج بين السلفية التجديدية الرافضة للتقليد المذهبي والمناهضة للغلو الصوفي (على الرغم أنه نفسه أحد أهم شيوخ الطريقة القادرية في شمال وغرب إفريقيا) والإصلاحية التحديثية المنفتحة على التقدم الأوروبي وقيم المدنية الجديدة.

ففي كتابه الأهم «إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين» يحمل بشدة على الانغلاق المذهبي ويدعو لفتح باب الاجتهاد العقلاني الذي يستوحي في آن واحد دلالة النص و«أحوال الزمان»، وهي الدعوة التي أثارت جدلا واسعًا في الدوائر العلمية الشنقيطية.

ومن الواضح أن الشيخ سيديا تأثر في هذه الدعوة بأدبيات الجيل الإصلاحي الأول مثل محمد عبده والأفغاني، ولقد ثبت أنه كان قارئا مواظبًا على مجلة «العروة الوثقى» التي وجد بعض أعدادها في مكتبته التي لا تزال تحتوي اليوم على بعض من أهم نوادر المخطوطات والكتب من بينها النسخة اليتيمة من «الضروري في النحو» للفيلسوف ابن رشد التي كان كل المختصين يعتقدونها مفقودة قبل نشرها في موريتانيا منذ أربع سنوات.

كما ربطته صلات وثيقة بالعديد من العلماء الموريتانيين الذين هاجروا للمشرق في نهاية القرن التاسع عشر من أمثال العلامة محمد محمود بن التلاميذ التركزي، الذي كان نجم الصراعات العلمية والأدبية في مصر في تلك الفترة، كما يذكر لنا طه حسين وأحمد حسن الزيات، وربطته صلة بمحمد حبيب الله بن مايابا الجكني، كما كانت له صلات وثيقة بالإصلاحيين في المغرب العربي.

ولقد فاوض السلطات الاستعمارية الفرنسية الوافدة للبلاد مطلع القرن العشرين بالمنظور نفسه، فاعتبر على عكس أغلب علماء البلاد أن الاحتلال القادم الذي هو ظاهرة لا مناص منها ولا سبيل لمقاومتها باعتبار التباين الواسع في موازين القوة ليس «حربًا صليبية»، بل هو حدث تاريخي جديد قد يكون المخرج الملائم للبلاد من حالة الفتنة والصراع الفوضوي بين الأمراء والقبائل، لتوحيدها وتحديثها، فهو بذا قريب من فكر محمد عبده في مرحلته الثانية.

ترك الشيخ سيديا بابه أعمالا علمية كثيرة تتوزع بين الفقه والحديث والأصول والتاريخ، كما ترك بصماته على تاريخ موريتانيا المعاصر، وينحدر رئيس موريتانيا الأول المختار ولد داداه الذي حكم البلاد عشرين سنة من وسطه العائلي.

* كاتب وأكاديمي موريتاني

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال