السبـت 03 ذو الحجـة 1425 هـ 15 يناير 2005 العدد 9545
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحيل ليلى فوزي.. ونهاية عصر

دشنت صورة المرأة القوية في السينما المصرية

القاهرة: «الشرق الأوسط»
قبل أسابيع قليلة من وفاتها، كان آخر ظهور عام للفنانة الراحلة ليلى فوزي خلال تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، وخلال الاحتفال كانت ليلى فوزي تتألق بابتسامتها الشهيرة، وتتبادل الضحكات مع زميلتها في التكريم وصديقة عمرها الفنانة مديحة يسري.

يوم الاربعاء الماضي، ظهرت مديحة يسري خلال جنازة ليلى فوزي وهي منهارة تستند على أكتاف زملائها الفنانين الذين توافدوا لتشييع الفنانة الراحلة الى مثواها الاخير.

بدأت ليلى فوزي ومديحة يسري حياتهما الفنية في وقت واحد تقريبا هو بداية الاربعينات، ومثلت كلتاهما نموذجا جديدا للمرأة المصرية على شاشة السينما، هو المرأة القوية الارستقراطية أو البورجوازية التي تنشد المساواة بالرجل، وتثبت انها لا تقل عنه قدرا.

ولدت ليلى محمد فوزي ابراهيم عام 1923 في تركيا، وكان من الشائع أن أصولها تركية تماما، غير أنها في الكتاب الصادر عنها بمناسبة تكريمها الاخير، والذي كتبه الصحافي محمد دياب، أنكرت ذلك وأكدت ان اباها مصري، أبا عن جد، ولكن أمها تركية وذكرت أن والدها تاجر القماش الشهير تعرف على والدتها في تركيا اثناء زيارة عمل، ومن هنا كان تنقل الأسرة الدائم بين القاهرة واسطنبول. وهوت ليلى فوزي التمثيل منذ طفولتها المبكرة، ونبتت فكرة احتراف التمثيل في ذهنها بعد فوزها بلقب أجمل طالبة في مدرستها وظهور صورتها على غلاف احدى المجلات. ويعود الفضل في اكتشافها الى الريجسير قاسم وجدي الذي كان صديقا لوالدها ورغم اعتراض الأب الشديد في البداية، الا انه وافق في النهاية. وكان أول دور لليلى في فيلم «مصنع الزوجات» عام 1941، من إخراج نيازي مصطفى، وظهر اسمها على العناوين «ليلى رضا»، وأدت فيه دور طالبة في مدرسة وزميلة لبطلتي الفيلم كوكا وأمال زايد، أما مدرسهم فكان محمود ذو الفقار. وهكذا بدأت رحلة ليلى فوزي في السينما، وسرعان ما انهالت عليها العروض خاصة بعد ظهورها في فيلم «ممنوع الحب» مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، ويبدو أن هذا الإقبال على ليلى فوزي ومديحة يسري التي ظهرت بعد ليلى بعام واحد مرجعه رغبة صانعي السينما في تغيير الوجوه القديمة الأكبر سنا مثل بهيجة حافظ وعقيلة راتب وأمينة رزق وفاطمة رشدي واستبدالها بوجوه شابة تعبر عن التغييرات الكبيرة التي يشهدها المجتمع، وقد ساهم في إطلاق هذه النجومية الانتعاشة الكبيرة التي شهدتها صناعة السينما عقب الحرب العالمية الثانية.

قدمت ليلى فوزي خلال مشوارها حوالي 85 فيلما، ولكن محمد دياب في كتابه «جميلة الجميلات» لا يعثر سوى على سبعين منها، ومن بينها فيلمان غير مصريين هما «ابن كليوباترا»، وهو انتاج إيطالي مصري مشترك (اخراج فرناندو بالدي 1965)، و«الملائكة» للمخرج التونسي رضا الباهي 1984، وهو آخر افلامها، وكان شائعا ان اخر فيلم لها هو «وادي الذكريات» للمخرج هنري بركات عام 1981، كما شاركت ليلى فوزي في سنواتها الأخيرة في عدد كبير من المسلسلات التلفزيونية مثل «الحرملك» و«علي الزيبق» و«هوانم غاردن سيتي» آخر اعمالها الفنية.

ومن بين هذه الافلام والمسلسلات، استطاعت ليلى فوزي ان تصنع صورتها كنجمة في قلوب الملايين من مشاهدي السينما من مختلف الاجيال. هذه الصورة تتسم بالجمال المفرط وبالشر المرتبط بالمرأة الجميلة عادة، لكن على عكس هند رستم أو تحية كاريوكا مثلا، فإن جمال ليلى فوزي الشرير يتسم بالغموض ولمسة من الارستقراطية والرقي حتى في مشاهد الإغراء.

ومن اشهر أدوار ليلى فوزي على الإطلاق دورها في فيلم «الناصر صلاح الدين»، للمخرج يوسف شاهين (1963)، الذي لعبت فيه دور الاميرة الصليبية فريجينيا التي تتآمر للإيقاع بين صلاح الدين وريتشارد قلب الاسد، وتسعى الى تحقيق طموحها بالتربع على عرش القدس، وكان دورها في هذا الفيلم وراء اطلاق لقب «جميلة الجميلات» عليها، وهو اللقب الذي ظل مرتبطا بها حتى وفاتها.

اشتهرت ليلى فوزي بدور المرأة الغاوية ـ التي تسقط الرجال في شباكها ـ والمرأة الاجنبية الجاسوسة في عدد من الافلام منها «بورسعيد» (اخراج عز الدين ذو الفقار 1957)، و«من اجل امرأة» (اخراج كمال الشيخ 1959) المقتبس عن الفيلم الاميركي «تأمين مزدوج»، و«الدخيل» (اخراج نور الدمرداش 1967)، و«ضربة شمس» (اخراج محمد خان 1980)، الذي جسدت فيه شخصية امرأة شريرة غامضة لا تنطق بكلمة واحدة طوال الفيلم! تزوجت ليلى فوزي، كما هو معروف، ثلاث مرات من المطرب عزيز عثمان والنجم أنور وجدي والإذاعي جلال معوض، ولكن قصة حبها الكبرى كانت مع انور وجدي، ومن المعروف انه تقدم اليها في بداية حياتها، ولكن اباها رفض وبعد طلاقها من عزيز عثمان وطلاق انور وجدي من ليلى مراد، استطاع الاثنان تتويج حبهما بالزواج، ولكن بعد اربعة اشهر فقط، مرض أنور وجدي وتوفي. والطريف ان ليلى فوزي حاولت تخليد قصة الحب هذه في فيلم بعنوان «طريق الدموع» (اخراج حلمي حليم 1961)، وذلك بعد سنوات من الاعتزال حزنا على انور وجدي. ولعبت ليلى فوزي في هذا الفيلم شخصيتها الحقيقية في الحياة وقصة حبها لأنور وجدي الذي جسد دوره الفنان كمال الشناوي، ويعد هذا من أول افلام السيرة الذاتية في السينما العربية! منذ السبعينات، تخصصت ليلى فوزي في دور آخر قدمته في معظم افلامها واعمالها التلفزيونية، وهو دور الأم الارستقراطية الاصل القاسية القلب، والتي ترفض غالبا زواج ابنها من امرأة من طبقة اجتماعية أدنى! والحقيقة ان ليلى فوزي كانت تتمتع بشخصية طيبة القلب ومتواضعة بعيدة كل البعد عن صورتها على الشاشة، والشيء الوحيد المشترك كان جمالها المنير على الشاشة وفي الواقع.

وبرحيلها تطوي السينما المصرية صفحة من انصع صفحاتها، ولكن ستبقى أعمالها كصور دائمة الحياة قادمة من عصر ذهبي، يزيدها الزمن تألقا ولمعانا دائمين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال