الخميـس 27 صفـر 1426 هـ 7 ابريل 2005 العدد 9627
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

العمارة في العصر الأموي الحلقة الأهم في مسار العمارة العربية ـ الإسلامية

لندن: «الشرق الأوسط»
يصدر قريباً عن دار المدى بدمشق كتاب «العمارة في العصر الاموي: الإنجاز والتأويل»، للدكتور خالد السلطاني، مدرس العمارة في الأكاديمية الملكية الدنماركية للفنون. هنا مقتطفات من المقدمة:

لقد لمست، في أثناء تدريسي لـ«العمارة الاسلامية» على مدى نيف وربع قرن من السنين، في إحدى أشهر المدارس المعمارية وأقدمها بمنطقتنا، اهتماماً جدياً، وتوقاً أصيلاً للإحاطة بهذا المنجز المعماري، من أعداد كثيرة من الطلاب، الذين بدأنا معهم، ولهم في تنظيم وتأسيس دراسة العمارة العربية ـ الاسلامية، موضوعاً أساسياً من مقررات برامج التأهيل الثقافي والمهني للمعمار ـ الخريج من تلك المدرسة; الذين قدر عددهم بالآلاف، وأضحوا، الآن، معماريين مرموقين في بلدهم، أو في بلدان أخرى كثيرة استقروا فيها. بيد أن هذا لم يمنع مسعاهم وحرصهم للمزيد من الاطلاع الواسع، والمعرفة التفصيلية، والإلمام العميق لذلك المنجز المعماري الهام، المتعدد الجوانب. كما يستدل من النقاشات والحوارات الواسعة الجارية معهم أثناء حضورهم أو مشاركتهم في الأنشطة العلمية ـ الاكاديمية والمهنية او عند اختيارهم العمارة العربية ـ الاسلامية موضوعاً لدراساتهم العليا. وكان همي، واهتمامي في الدرجة الاولى منصباً على إزالة، أو في الأقل، اختزال الفجوة الزمنية التي تفصل المنجز المعماري المتحقق، والهمّ المهني الآني، والنظر الى ذلك المنجز، ليس كونه فعاليّة لتحديد أبعاد، أو اختيار فضاءات، أو تجميع عناصر، وإنما محاولة لتقصي واكتشاف الفكر الكامن وراء استخدام تلك الأبعاد، وترتيب تلك الفضاءات ومبادئ تجميع تلك العناصر، وعدم النظر الى ذلك المسعى كونه ظاهرة معزولة، ومفصولة عن سياق بيئتها ومعارفها، وإنما تدرك حدثاً ثقافياً حضارياً مرتهناً ارتهاناً عميقاً بالانجازات المتحققة في الأجناس الابداعية الأخرى. لقد تصدى للكتابة عن العمارة العربيةـ الاسلامية كثيرون، منهم التاريخي، ومنهم الآثاري، فضلاً عن نقاد الفن، والمهتمين بالتراث وعلماء اللغة والدين، وقليل من المعماريين، وجاءت طروحاتهم، وتحليلاتهم، وفقاً لنوعية ثقافاتهم، واسقاطاتها على المنجز المعماري، والكثير من هذه الدراسات، بل الأعم الغالب، منها اهتمت بالمقاربات الوصفية ـ التصويرية والتسجيلية لذلك المنجز. ولئن كان أمراً منطقياً، أن تكون الدراسات الوصفية والتسجيلية هي الغالبة سابقاً، إبان مرحلة تأسيس مفهوم «العمارة الاسلامية»، ذلك المفهوم الذي كان غائباً، ومُغيَّباً عن الاهتمامات العلمية والأكاديمية، فإن بقاء ذلك الأمر شائعاً وسائداً في فضاء الخطاب الذي يتناول تلك العمارة، يبدو حالة غير مقبولة، وغير مفهومة الآن. واذ قدر لبعض الدراسات ان تجاوزت في معطياتها، تلك الحالة فانها تظل تراوح في إطار تقييماتها، وفقاً لمعايير فترة انجاز الحدث، الأمر الذي يسهم في إبقاء المنجز المعماري غارقاً في قدمه، ويجعل من طبيعة الممارسة المهنية الراهنة وجهاً من أوجه التغريب الثقافي وحالة من حالات التعويم الانتمائي. لا نزعم أن محاولتنا في الكتابة عن العمارة العربية الاسلامية، أن تكون البديل المثالي لتلك الطروحات التي بينّا قصورها، لكننا نطمح أن يكون نصّنا شاملاً اجابات لتساؤلات، نؤمن بأن المسار التطوري للعمارة العربية ـ الاسلامية قد أثارها وطرحها أمام جميع العاملين والمهتمين بتلك العمارة، تطبيقاً، وتنظيراً. وتنبغي الاشارة لها، بأن مستوى نوعية الدراسات التي ننزع لها وننشدها لنا، ولغيرنا، ما كان لها أن تكون أمراً وارداً وواقعياً، لولا الجهد الكبير، والمسعى الصادق، النبيل الذي بذله الآخرون: عرب وأجانب في رصد، وتسجيل، ومسح، ووصف وتنقيب ودراسة تلك الآثار المهمة والنماذج الرائعة للممارسة البنائية الواسعة، المتعددة المضامين. وإذ قدر لنا أن نسهم، ولو اسهامة متواضعة في كشف أهمية المنجز العربي ـ الاسلامي، وتأشير قيمته، وطروحاته، وتحديد سماته وتأكيد أصالته، فإننا نزعم بأننا قد أدينا، ما كنا نتوق اليه، وحسبنا أننا بذلنا لذلك جهداً حقيقياً ومسعى مخلصاً، ويبقى لكل مجتهد نصيب، كما يقال. لقد توخينا أن يكون الكلام عن العمارة في العصر الاموي ـ وهي إحدى الحلقات المهمة، بل الأهم في المسار التطوري للعمارة العربية ـ الاسلامية، إذ اقترنت بمرحلة التأسيس، أن يكون ذلك الكلام شاملاً حدثين اثنين، نزعم بأنهما أساسيان، وهما: الإنجاز; والتأويل. فمهمة العمارة، أية عمارة، تكمن في قيمة انجازاتها، وما حققته، من مبان وانشاءات، وما يتضمنه ذلك الانجاز، من إمكانيات التأويل والتفسير. ولهذا طمحت مفردات البناء المحتوياتي لهذه الدراسة أن يعكس، بصدق، تلك المقاصد والغايات، مبتدئة بأهمية الفضاء المعماري الذي في بيئته توافرت أسباب ظهور هذه العمارة التي هي جزء لا يتجزأ من خصوصية تلك البيئة ; البيئة بمعناها الفيزياوي ـ الجغرافي، ومعناها الاستدلالي ـ الثقافي. لقد تم تقسيم فصول الدراسة، طبقاً للعناوين التي تتوخـى الدراسة إثارة مواضيعها، فتم التطرق الى الانجازات المعمارية والتخطيطيـة إبان قيام الحكم الأموي، ولا سيما عمارة المساجد الجامعة، وعمارة القصور الريفية، كأنشطة رئيسية في الممارسة المعمارية لتلك الفترة فضلاً عن تناول «بناء المدن» أو «تمصيرها» إذا استعرنا المصطلح القديم. وكرسنـا فصلاً للنشاط المعماري الخاص بأمثلة كثيرة من مباني المساجد الجامعة التي شيدت طيلة فترة تأسيس الدولة وواقعة في مناطق وأقاليم مختلفة، مع أمثلة لمباني القصور المشيدة خارج مراكز التجمعات السكانية نشاطاً مميزاً، لا تزال آثاره ونماذجه الضخمة منتشرة في البوادي وخارج المدن وتثير عمارة هذه المباني كثيراً من الأسئلة التي يحسن الاجابة عنها.

في تعاطينا مع مفردات النشاط المعماري المحدد في الدراسة، اتبعنا منهجاً واضحاً، وذلك بتأشير موقع المبنى المدروس وتحديد الفترة الزمنية لتاريخه، وبانيه، والحوادث التي تعرض لها، ومكوناته الأساسية، وعناصره التصميمية، ثم تناولنا امتيازه المعماري، وطبيعة النسيج والتكوين والعناصر التزيينية، وكذلك المعالجات البيئية والمناخية له. ثم خصوصية الامتياز الانشائي ونوعية المواد والأساليب الانشائية المستعملة فيه. وأفردنا فصلاً من الدراسة لإشكالية التأثير والتفاعل في الناتج المعماري بالعصر الأموي، وهي إشكالية تعددت الآراء فيها، بتعدد المنطلقات والتوجهات، وباتت في فترة ما وسيلة عند بعض الباحثين للتقليل من شأن إنجازات العمارة العربية ـ الاسلامية على وجه العموم، وإنجازات العمارة في العصر الاموي على وجه الخصوص، وحاولنا في هذا الفصل تأشير أهمية التأثير والتفاعل بين الحضارات سلوكية مألوفة، بل مطلوبة لجهة تعجيل فعالية تلقيح الافكار، والإفادة من منجزات الآخر، وتطويعها، وتوظيفها في تحقيق المنجز المعماري للفترة التي نتكلم عنها. وأخيراً، تناولت الدراسة المشهد المعماري في العصر الأموي وإشكاليات التأويل، انطلاقاً من أصالة المنجز، الذي تم في تطبيقات بنائية واسعة. ونزعم بأن موضوع هذا الفصل وطروحاته يمكن أن تكون ذات نهايات مفتوحة، بمقدورها أن تستوعب إضافات تأويلية أخرى لم تذكرها الدراسة، ونعول في هذا المجال على مهتمي العمارة الاسلامية ومحبيها في تكريس هذا الجانب التحليلي وتوسيعه. لقد سعت الدراسة إلى أن تكون منطلقاتها واضحة ومباشرة في تناول الحدث المدروس. من دون مداخلات وإقحامات لا لزوم لها، كما اعتمدنا في دراستنا للمنجز المعماري، على نتائج بحوث مختلفة ذات نفس علمي عميق، قام بها علماء عديدون من مختلف البلدان، كانت دراساتهم وإجراءات تنقيباتهم وأعمال رسومهم ومخططاتهم، جزءاً أساسياً اعتمد في إتمام هذه الدراسة. كما حاولنـا توظيف أدوات المناهج النقديـة الحديثـة وآلياتها لإضاءة «النص» المعماري المبني; وهي محاولة نزعم أنها جديدة، وغير مسبوقة في أدبيات التعاطي مع موضوع العمارة العربية ـ الاسلامية; كما أفدنا كثيراً من مداخلات وكتابات المعماريين الحداثيين، وأدبيات نصوصهم التنظيرية لفهم، وإدراك منجزنا المعماري. وينبغي التذكير بأن النشاط المعماري في العصر الاموي كان واسعاً، ومتشعباً، الأمر الذي لا يمكن تناول دراسته بالكامل، وتغطيته منشأً وراء منشأ. ( وبالمناسبة، فإن الدراسة لم تضع لنفسها هدف تسجيل ومسح جميع المباني والمنشآت التي شهدها الفضاء المعماري في تلك الحقبة، بل وليست مهمتها أن تكون سجلاً تاريخياً); ولكننا نعتقد بأن النماذج التي درست، وتم التعاطي معها، هي نماذج تعطي تصوراً كاملاً لأهمية الأحداث المعمارية التي شهدها العصر الأموي; هذا; على الرغم من قناعتنا، بأنه كان بالمقدور منح اهتمام اضافي لإنجازات معمارية ذات وظائف أخرى كعمارة مباني (دور الامارة)، تلك المباني التي نحسب أنها تمثل أهمية كبيرة في النشاط المعماري بالعصر الاموي، سواء عدت كونها انجازات معمارية لذاتها، أم لجهة تأثيرها في الصياغات المعمارية لأبنية عديدة، تمّ ظهورها في حقب زمنية لاحقة.

العمارة في العصر الأموي: الإنجاز والتأويل» المؤلف: د. خالد السلطاني الناشر: دار المدى، دمشق

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال