الاحـد 28 ربيـع الاول 1426 هـ 8 مايو 2005 العدد 9658
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

عزّت القمحاوي : لا نكتب إلا بما نملك من صفاقة

كتابة الموت في «غرفة ترى النيل»

د. شيرين أبو النجا

هل من السهل الكتابة عن الموت؟ هل من الصعب الكتابة عن الموت؟ «لا هذا ولا ذاك»، وهي صيغة بورجوازية معتمدة على ليبرالية متطرفة تحاول أن تساوي بين طرفي المعادلة ثم ترفضها برمتها. ربما يكون السؤال المطروح خاطئا من الأساس، السؤال الأكثر منطقية والأكثر فهما يجب أن يكون «هل من الممكن كتابة الموت؟» والتأكيد على الإمكانية من عدمها هنا هو من الأهمية بمكان، فالموت هو المجهول، الذي نتمكن فقط من مشاهدة (مع احساس بالعجز) بداياته، وعند نقطة ما تظلم الشاشة تماما ليبدأ الخيال في القيادة. في «غرفة ترى النيل» (دار ميريت للنشر بالقاهرة، 2004)، كتب عزت القمحاوي ـ الروائي المصري ـ الموت بدقة ورهافة ونبل من ذهب إلى الشاطئ الآخر ثم عاد ليروي، دقة ونبل من شاهد عبر البصيرة مثل تيريزياس، رهافة من أدرك «لذة الألم» فمزج الحياة والموت في لحظة تتجاوز حدود الجسد وتنسحب على ماضي حياتي، وهو ماض مستعاد، في ظل موت يشي بنهاية جسد وبداية روح.

عيسى ورفعت، كلاهما يموت بطريقته، وكلاهما يبتدع طرقا جديدة للتحرر من الألم ولوضع بدايات جديدة. يعاني عيسى من السرطان المنتشر في جسده بكثافة، وبهذا الشعور تبدأ الرواية (أم تنتهي؟)، احتضار الجسد وسمو الروح، ولكن «ليس في الإدراك أي نبل. وقد عشت مدركا لكل شيء من دون أن أفعل شيئا. والآن، وحتى وأنا أعرف أني أموت لا أستطيع أن أستل سكيناً وأغمدها في موضع الألم فأخرسه إلى الأبد. هذه مسخرة!» (ص 7). هذا هو عيسى كما يقدم نفسه، شخص لم يرد شيئا، أراد فقط أن يصحح الأشياء (كما كانت مهنته)، شخصية تعلق على أعتى الكوارث بـ«هذه مسخرة» أو «عظمة» أو «مملكة». في غرفة ترى النيل في مستشفى استثماري يعيش عيسى آخر أيامه «مملكة». واستخدام فعل «يعيش» هنا مقصود، ففي أقصى لحظات تمرد جسده يتمكن عيسى من استشعار الدفء الإنساني الحميمي مع سوسن الممرضة. أما رفعت فهو الصديق الذي لازم عيسى في الغرفة ليكتب ألمه وليستعيد حياة أخرى لصديقه، هو رفعت الذي منحه موت عيسى، حياة تموج بالإنسانية وكأنه يبدأ من جديد.

يبقى عيسى ورفعت في غرفة ترى النيل، ولا يمكن فتح باب شرفتها، وبذلك تبقى هذه الشرفة هي الحاجز بين الحقيقي (كل ما هو داخل الغرفة) والزائف (كل ما هو خارجها)، لتتشكل بذلك مفارقة المكان. فالغرفة الضيقة المحدودة بجدران تنفتح على الماضي والأحلام من ناحية، وعلى فساد المكان وشخوصه بشكل مطلق من ناحية أخرى: فساد رئيس التحرير الذي أسماه عيسى أبا جهل، فساد مدير المستشفى الاستثماري، فساد الأطباء الذين تحولوا إلى آلات مبرمجة تستهين بالموت، تمّلك، وغيرة روز زوجة عيسى، وهو ما ينبئ بفساد السند الأخير للإنسان. يخلق عالم الرواية توازنه أيضا عبر الانفتاح الإيجابي حتى لو كان موغلاً في الماضي، حيث تنفتح ذاكرة رفعت على تاريخ نضالي يصم الدولة بالقهر والقمع، وتنفتح في الوقت نفسه ذاكرة عيسى على سميرة التي أحبها. عبر كل هذا الانفتاح (السلبي والإيجابي) تتحول الغرفة إلى عالم متكامل يضم بين جنباته القدرة على إعادة الكتابة والمساءلة الفردية والجمعية لكل أشكال الفساد.

هي «غرفة ترى النيل» تبدو لأول وهلة وكأنها بلا آفاق أو احتمالات مستقبلية، كأنها غرفة لما مضى. لكن أشكال الحياة التي تولدها الغرفة وساكنيها تؤكد قدرة الموت على ممارسة الحياة، بشكل قوي مناهض لكل أشكال الفساد التي هي تجليات مختلفة لموت سيئ السمعة. فعيسى الذي يحتضر يمنح رفعت القدرة على استعادة ماضي بأكمله، وعلى فهم معنى الإدراك، وعلى تحقيق مزيد من السمو والارتقاء الإنساني. بمعنى آخر، منح احتضار عيسى لرفعت القدرة على التحقق في لحن صداقة تتجاوز كل المفاهيم الحياتية الدارجة. كما منح احتضار عيسى لسوسن الممرضة القدرة على أن تمارس فرديتها الحقة بدون أى ازدواجية، فقد كان الاحتضار الأكيد مبررا قويا للاستغناء عن كل الأقنعة. أعاد هذا الاحتضار أيضاً، وبشكل مأساوي مفارق، الحياة لضمير الطبيب الذي كان قد سقط فريسة القسوة الرأسمالية التي تحول المرضى إلى قطع أثاث. وأخيرا، كان هذا الاحتضار، بمثابة إعادة بعث لسميرة التي تنتهي الرواية بها وهي «مذهولة عن كل شيء. وجهها لصق وجهي. نظرتها متجمدة على عيني الزجاجتين» (ص 128) بذلك أصبح احتضار عيسى مبررا لتوليد عدة حيوات تفتح على مستقبل ينفيه الموت بداهة.

لم يغفل عزت القمحاوي في التفاوض مع الموت أن يفتح أفقا في الحاضر لنضال رفعت الماضي الذي حضر بكثافة عبر الذاكرة المستعادة للفترة التي قضاها رفعت في السجن، يتواصل الماضي النضالي بالحاضر عبر إماطة اللثام عن إحدى أشكال تواطؤ الدولة مع فساد المستثمرين، وهو ما حدث بجزيرة الدهب التي طرد أهلها لحساب رؤوس الأموال. وهنا يوظف القمحاوي أسلوب التوثيق الصحافي بالقدر الملائم تماما والمبرر دراميا، إذ انه مأخوذ من الصحف التي يطالعها رفعت أثناء وجوده في الغرفة التي ترى النيل. وبذلك يستمد نضال رفعت استمرارية في حاضر الحدث الروائي ليتراجع الموت بوصفه نهاية إلى الخلفية.

يتغلغل في الرواية خيط من الأمل، لدى كل من عيسى ورفعت في امكانية الشفاء، وهو ما يدفع عيسى إلى مراجعة حياته بأكملها، كاشفا عن هشاشة العلاقة، أو بالأحرى انعدامها، بينه وبين روز زوجته، مبرئا ساحتها في نفس الوقت عبر سرد ظروف حياتها. تدفع هذه المراجعة المبنية على خيط من الأمل عيسى إلى وضع ما يشبه سيناريو لما سيفعله ويقوم به بعد شفائه، وبذلك تنتفي المقولة التي بدأ بها عيسى الرواية «عشت مدركا لكل شيء من دون أن أفعل شيئا» ـ فهذه المراجعة في حد ذاتها هى فعل ايجابي حتى لو لم يمهلها الجسد امكانية التحقق في الواقع. يظل خيط الأمل متأرجحا بين التمدد والانكماش ـ «بروفة على خروج الروح» (ص 100) كما يقول عيسى ـ حتى يتكثف هذا التأرجح في المشهد الأخير، «تدمع عينا صديقي الذي يقول شيئا لا أسمعه لأن الهواء حملني بعيدا فآلمني الخيط بقدر ما خشيت انقطاعه» (ص 127) حتى يصل إلى «الخيط لم يعد يؤلمني ولم أعد أخشى انقطاعه» (ص 128). وكأن الخيط ينقطع عندما تتولد الحياة من رحم الموت. يعبر عزت القمحاوي في «غرفة ترى النيل» عن هواجسه ككاتب متخذا من تيار الوعى لدى رفعت صوتا مقنعا ليؤكد أننا «لا نكتب إلا بما نملك من صفاقة» دفعت هذه الهواجس القمحاوي/رفعت إلى محاولة الصعب والمؤلم، محاولة كتابة الموت الذي لا نعرفه إلا بقدر ما نمتلك من الحياة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال