الاحـد 06 ربيـع الثانـى 1426 هـ 15 مايو 2005 العدد 9665
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

أول عيد للكتاب العربي ولد منذ 65 سنة في ذكرى وفاة ثيرفانتس

«دون كيشوت» أثارت المشاعر الدينية في المغرب إبان أربعينات القرن الماضي

ابراهيم الخطيب

يمكن اعتبار هذه المقالة محاولة للتأريخ للكيفية التي استـُـقبل بها ثيرفانتس وكتابه في تطوان إبان أربعينات القرن الماضي. من المؤكد أن ثيرفانتس لم يزر تطوان، بل من المحتمل أنه لم يسمع عنها شيئا خاصة وأنها لم تشيد على شكلها الحالي إلا في القرن الخامس عشر الميلادي. لكن الكتاب لا يزورون المدن فقط بصورة عملية، بل إن زياراتهم الرمزية لها ربما كانت أبلغ أثرا، حيث يكونون هم وأعمالهم محل اهتمام ونقاش. بيد أنه لا بد من الإشارة إلى سياق ذلك: فبمجرد انطلاق حركة «الانتفاضة القومية » التي تزعمها فرانكو، وبالضبط في سنة 1937، تمت إعادة هيكلة المجال الثقافي في منطقة الحماية عن طريق إحداث بنيات جديدة وإقرار سياسة ثقافية تعتمد مفهوم «التكامل بين الثقافتين المغربية والإسـبـانية» وهو التحليل الذي يعبر، على الصعيد الثقافي، عن «سياسة التهدئة الجديدة» التي قررت حكومة فرانكو العسكرية تطبيقها إبان الحرب الأهلية في شمال المغرب باعتباره عمقا استراتيجيا للحركة الانقلابية. في هذا الإطار صدر ظهير خليفي مؤرخ في 24 فبراير 1940 يتم بموجبه إحداث «يوم الكتاب العربي»، على أن يتم الاحتفال به في نفس تاريخ الاحتفال بالعيد القومي للكتاب الاسباني (أي يوم 23 أبريل) وهو العيد الذي كان الاحتفال به مقصورا على المدارس الاسبانية.

لم تخف سلطات الحماية حينئذ اندهاشها لردود الفعل التي أحدثها صدور ذلك الظهير: فقد عبر مثقفو عاصمة منطقة الحماية حيناً عن تحفظهم إزاء اختيار تلك المناسبة عيدا للكتاب، حيث «طفق من يهمهم الأمر ينتقدون عدة انتقادات في تسمية اليوم، وفي مناسبته». كانوا يعرفون (أو لعلهم سمعوا فقط) أن ثيرفانتس وجّه، على لسان فارسه النبيل وشخصيات أخرى، نقدا بذيئا للإسلام والمؤرخين المسلمين، متهما هؤلاء خاصة بالتدليس والكذب، فضلا عن نعتهم بأنهم «كلاب». لابد من الإشارة هنا إلى أن أولئك المثقفين لم يكونوا يفرقون، كما نفعل اليوم تحت تأثير نظرية السرد، بين المؤلف والسارد، ولا بين التخييل والواقع، بل كانوا يعتقدون أن خطاب الشخصية الرئيسية أو غيرها في رواية «دون كيشوت» لا يمكن أن يكون إلا خطاب المؤلف نفسه.

مواقف متعارضة

هكذا إذن جرى نقاش على صفحات بعض الجرائد والمجلات التي كانت تصدر بتطوان، وفي المحافل، حول شرعية أو لا شرعية اختيار ذكرى وفاة كاتب أجنبي «معاد للإسلام» مناسبة للاحتفال بعيد الكتاب في بلد لا ينتمي أصلا إلى ثقافة ذلك الكاتب. كانت أرضية هذا النقاش دينية، ووطنية، مثلما كانت قومية، وإن كانت الحدود الفاصلة بين هذه المستويات غير واضحة . لقد كان بعض الوطنيين المحافظين يعتقدون أن أنسب يوم للاحتفال بالكتاب لدى المغاربة «المتشبثين بعقيدتهم» هو السادس والعشرون من رمضان، يوم بدء نزول القرآن على النبي. في حين رأى البعض الآخر من ذوي النزوع القومي أن تاريخ ميلاد أبي الطيب المتنبي، وهو شاعر عربي كبير، يمكن أن يكون موعدا مناسبا لذلك.

هل ظل هذا الجدال محتدما إلى أوائل خمسينات القرن الماضي؟ يبدو الأمر كذلك: فبمناسبة الاحتفال بعيد الكتاب سنة 1952، ألقى السيد خيمينيث كاباييرو، بمبنى نيابة التربية والثقافة بتطوان محاضرة بعنوان «ثيرفانتس والمغرب» أبرز فيها «إمكانية أن تكون رواية «دون كيشوت» من وضع مؤلف مغربي ربما كان اسمه السيد أحمد (أو حامد) بن النخلي «وهو الشخصية الخيالية التي نسب إليها ثيرفانتس، منذ الفصل التاسع، أحداث روايته».

ليس من السهل اليوم معرفة الهدف الحقيقي من وراء هذه المحاضرة التي كانت مبرمجة ضمن أنشطة عيد الكتاب. لكن من المحتمل أن إشكال عزوف المغاربة عن الاحتفال بهذا العيد يوم 23 أبريل (نيسان) كان ما يزال ماثلا رغم مرور أكثر من عشر سنوات على صدور الظهير المحدث له، وأن المحاضر حاول الإيحاء بأن المغاربة حين يحتفلون بهذا العيد فإنما يحتفلون، في الواقع، بذكرى كاتب إسبـاني فعلا، بيد أن شهرته قامت، حسب تعبير الصحيفة المذكورة، «على أكتاف مغربي نابغة».

لكن ما سيثير انتباهنا الآن هو تدخل العالم الاديب التهامي الوزاني في هذا النقاش: هل كان من أجل الرفع من مستواه؟ أم لوضع النقط على الحروف فقط؟

نقط على الحروف

كان التهامي الوزاني 1903 ـ 1972 معروفا في ذلك الوقت كصحافي وكاتب ورجل سياسة وصاحب جريدة أسبوعية «سياسية وثقافية» شرعت في الصدور منذ سنة 1936 هي «الريف»، كما كان معروفا بكونه واسع الأفق، شغوفا بالقراءة. هكذا نشر بالجريدة المذكورة يوم 5 مايو 1942، أي بعد مرور أقل من أسبوعين على الاحتفال بعيد الكتاب العربي الإسبـاني للمرة الأولى، مقالة بعنوان «ثيرفانتس كما يراه الأديب المغربي» أرجع فيها أمر معاداة الإسلام في رواية ثيرفانتس إلى استمرار «الخلاف بين الهلال والصليب»، ولذلك «لم يكن منتظرا منه ـ أي الكاتب ـ أن يقول في الإسلام قولا معتدلا»، خاصة و«أنه أسر وبقي في الأسر مدة طويلة، وأصيب في الحرب بآفات جسمية جعلته يتذكر دائما أن له ثأرا يجب أن يأخذه من المسلمين، ولذلك كان يقول إنه كما جاهد الإسلام بيده فكذلك سيحاربه بقلمه». كان التهامي الوزاني يلمّح من خلال ذلك إلى أن الكتاب لا يمكن أن يفروا من تاريخهم، لكن ما يبقى منهم، هو آثارهم الأدبية الدالة على نبوغهم. على أن أهم ما تكشفت عنه مقالة التهامي الوزاني هو أن كاتبها، خلافا لمعاصريه، كان يتحدث انطلاقا من إدراك إنساني عميق لنفسية ثيرفانتس الذي وصفه بكونه «لم يرتفع إلى درجة العصمة، بل إنه بشر من الناس يصيب ويخطئ، لكنه يحمي خطأه بعبقريته».

مترجم في حالة اشتغال

ليس بإمكاننا القول إن مقالة التهامي الوزاني وضعت حدا للنقاش الذي راج حول عيد الكتاب، خاصة وأن جذور هذا النقاش تتجاوز القيم الأدبية، التي أعلى من شأنها صاحب المقالة، لتغوص في الوجدان الجماعي لمخاطبيه الباحثين عن هويتهم في ظل نظام الحماية. لذا فإننا سنحاول الآن تسليط الضوء على جانب آخر من مقام ثيرفانتس الرمزي في تطوان، ويتعلق الأمر بموضوع ترجمة أثره إلى اللغة العربية.

من المؤكد أننا لن نجد في مقالة التهامي الوزاني ما يشير إلى أنه كان يعتزم ترجمة رواية «دون كيشوت» رغم إتقانه النسبي للغة الاسبانية التي دأب على تعلمها في دروس ليلية منذ سنة 1929، والتي تدل إشارة وردت في صدر مقالة له أنه كان دائب القراءة بها. لكن من المؤكد أن التهامي الوزاني كان يشتغل بالترجمة على نحو ظرفي، وأن دواعي هذا الاشتغال تراوحت بين تلبية رغبة بعض أصدقائه أو بعض المسؤولين الاسبان أو استجابة لرغبة ذاتية. هناك أيضا ما يدل على أن بعض مسؤولي الحماية الاسبانية في مندوبية التربية والثقافة بتطوان كانوا يكلفونه، بين الحين والآخر، بترجمة بعض الكتب التعليمية إلى اللغة العربية لكونها لم توضع أصلا بتلك اللغة.

من هنا، يبدو من البديهي الاستنتاج بأن إقدام التهامي الوزاني على تعريب (أومحاذاة، حسب تعبيره) رواية ثيرفانتس لم يكن قرارا مفاجئا ولا متسرعا، بل نتيجة منطقية لاختمار تجربة طيلة عقد ونصف من السنين. لكن يبقى مع ذلك من الصعب الجزم بأن المترجم كان مطلعا على محاولات الترجمة السابقة التي بذلت في أقطار عربية أخرى: ففي سنة 1898 ظهرت في الجزائر ترجمة جزئية لرواية «دون كيشوت»، وكانت عن اللغة الفرنسية، كما صدرت في القاهرة سنة 1923 عن المطبعة السلفية ترجمة موجزة لها بقلم عبد القادر رشيد. أما التهامي الوزاني فإنه لم يأنس من نفسه الجرأة على مواجهة لغة ثيرفانتس، ابنة القرن السادس عشر، إلا حوالي سنة 1947، كما لم يشرع في نشر ما تـَرجم من الرواية على صفحات جريدتي «الريف» و«بريد الصباح» (التي كان يديرها أخوه محمد الوزاني) إلا في أوائل الخمسينات، وذلك قبل أن يعمد «مكتب النشر» إلى طبع ملازم الجزء الأول في أواخر سنة 1953، وهي العملية التي ستتوقف، حسب الظن، بسبب تسارع الأحداث السياسية في المغرب إثر عزل السلطات الفرنسية الملك محمد الخامس بعد رفضه التنازل عن العرش.

انكب التهامي الوزاني على ترجمة «دون كيشوت» (التي أطلق عليها اسم «النابغة المغواردون كيخوتيه دي لا مانشا») خلال ثمانية عشر عاما تخللتها انقطاعات طالت أحيانا وقصرت أحيانا أخرى. اشتغل في بادئ الأمر على نص صادر عن الناشر Ramon Sopena، بدون تاريخ النشر: لم تكن الطبعة شعبية، بل محققة روعي فيها، حسبما لاحظ المترجم، «شدة الضبط والتحري». كما كانت تتوفر على «سلسلة صور بديعة، تبين الأمكنة الدالة على السبل التي سلكها من دون كيشوت» وهي من وضع الرسام كارلوس بـاثكيث (1869 ـ 1942). غير أن التهامي الوزاني سرعان ما تحول إلى الاشتغال على طبعة نقدية من ستة أجزاء حققها فرانثيسكورودريغيث مارين (1855 ـ 1943 )، وصدرت في مدريد بين 1916 و1917، بعد أن زوده بها أحد أصدقائه.

تجربة وجودية

لم تكن عملية الترجمة هذه أمرا عاديا في حياة المترجم، بسبب الخاصية الأدبية التي لم يكن قد تمرس عليها من قبل، وكذا بسبب إشكالات لغة «دون كيشوت» وتحولاتها الأسلوبية: يتجلى ذلك واضحا في كونه عرب الفصول الثمانية الأولى من الجزء الأول سنة 1947، ثم أعاد النظر فيها بالكامل سنة 1950، وهو ما يعتبر أمرا استثنائيا، إذ كان من عادة الكاتب ألا تكون لنصوصه مسودات، حيث ان الصياغة الأولى كانت بالنسبة له نهائية. وتبرز مقارنة بسيطة قمت بها بين صيغتي تلك الفصول حرص الرجل على تطويع نص الرواية للغة عربية رصينة، من جهة، وانهماكه، من جهة أخرى، على مغالبة الصعوبات العديدة التي كانت تعترضه أثناء ترجمة الشعر المبثوث في تضاعيف الرواية ترجمة راعى فيها قواعد العروض الخليلي، وهي العملية التي لم يكن التوفيق فيها حليفه دائما.

على أن المظهر الوجودي لأهمية هذه التجربة في حياة التهامي الوزاني إنما يتجلى في مواصلة عمله بصبر ومن دون كلل إلى حدود سنة 1966، أي ست سنوات قبل وفاته،حيث ترجم تسعة وأربعين فصلا من أصل الاثنين والخمسين التي يتألف منها الجزء الأول من رواية «دون كيشوت». وما زالت الكراريس العشر التي تحتضن نتاج هذا الجهد المضني، المثير للدهشة حقا، ترقد نسيا منسيا بين مخطوطات التهامي الوزاني العديدة التي لم تعرف بعد طريقها إلى النشر.

أول سيرة ناطقة بالعربية

بيد أن مُـقام ثيرفانتس الرمزي في تطوان لم يقف عند هذا الحد: ففي أواسط الأربعينات، وإثر مرور سنة واحدة على إحداثها في سنة 1946، كلفت منظمة اليونسكو كاتبين لبنانيين مسيحيين يحملان الجنسية الاسبانية، ويعملان مترجمين رسميين في دواليب إدارة الحماية، هما موسى عبّود ونجيب أبو ملحم، بترجمة رواية «دون كيشوت» إلى العربية، لكنهما، في ما يبدو، لم ينجزا شيئا من ذلك. وهناك من يرى أنهما عندما علما بأن التهامي الوزاني أقدم على ترجمة نفس الكتاب أو كلف بذلك (وهو ما يصعب التأكد منه حاليا) صرفا نظرهما عن الترجمة وعكفا على كتابة سيرة لثيرفانتس يمكن أن تكون مدخلا للترجمة في حالة صدورها.

لقد صدرت هذه السيرة، التي تعتبر الأولى من نوعها في اللغة العربية، تحت عنوان «ثيرفانتس: أمير الأدب الاسباني» عن مطبعة المخزن بتطوان سنة 1947، بمناسبة المئوية الرابعة لميلاد مؤلف «دون كيشوت». كانت في الواقع جزءا من مشروع طموح، تشرف عليه نيابة الأمور الوطنية بتطوان. كان الكاتبان يعتزمان إنجازه على هيئة «سلسة من المؤلفات والترجمات» الغاية من إصدارها «تلافي القطيعة بين الأدبين العربي والإسـبـاني»، بيد أن المشروع، للأسف، لم يكتب له الاستمرار، ربما بسبب توقف العمل بمطبعة المخزن سنة 1948 .

هكذا يمكننا أن نستنتج أن مقام ثيرفانتس في تطوان شكل حدثا مخصبا على جميع الأصعدة، إذ حرك سواكن الحياة الثقافية، واخترق نقاشاتها، طارحا لأول مرة على بساط الجدل، وفي وسط ثقافي محافظ، مسألة التعامل مع نص روائي ومقاربة سيرة كاتب أجنبي، يتضمن أدبه ما اعتبر حينئذ مساسا بالهوية الدينية. في هذا السياق، يمكن اعتبار إقدام التهامي الوزاني على ترجمة «دون كيشوت» محاولة تحديثية مهمة لفضاء التلقي تروم محاورة الآخر بصورة ناضجة وغير متشنجة، وذلك من خلال وضع أثره الأدبي بين أيدي القراء حتى يتبينوا بأنفسهم تنوع مراميه وطبيعة الالتباسات التي ينطوي عليها.

*ناقد أدبي ومترجم

من الاسبانية

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال