الثلاثـاء 24 رجـب 1426 هـ 30 اغسطس 2005 العدد 9772
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المغرب: المدرسة المرينية تستعيد إشعاعها الحضاري بعد إعادة ترميمها

بنيت في القرن 14 وتعد عمارتها الأكثر رونقا رغم صغر مساحتها

الرباط: عمر عبد السلام
اكتملت اخيرا، عمليات ترميم «المدرسة المرينية»، المعلمة التاريخية بمدينة سلا المجاورة للعاصمة المغربية الرباط، واستغرقت عمليات الصيانة والترميم نحو خمس سنوات بدأت في مطلع سنة 2000، بتكلفة بلغت خمسة ملايين درهم مغربي (الدولار يعادل 8.5درهم) وعالجت تآكل سقفوها وأبوابها، وأعمدتها الحجرية والخشبية وزخارفها المنقوشة بالجبس والفسيفساء، واحترمت عمليات الترميم المقاييس والمعايير المتعارف عليها في نمط العمارة المغربية الإسلامية التقليدية.

رممت عدة مرات

* عرفت المدرسة التي بناها السلطان ابو الحسن المريني في القرن الربع عشر ما بين سنوات (1331 ـ 1342) عدة عمليات إصلاح. وقال محمد العلوي، المهندس المعماري بمفتشية المباني والمواقع التاريخية المغربية، والذي اشرف على عمليات الترميم لـ «الشرق الأوسط» إن المدرسة شهدت عدة عمليات صيانة بدأت مع مطلع القرن العشرين في عهد الحماية الفرنسية، ومن بينها عملية ترميم جرت سنة 1946. وقد عرفت هذه العملية إدخال دعامات وكابلات حديدية ثبتت بالاسمنت المسلح لدعم الجدران والأسقف، وعرفت ترميما آخر عند رجوع الملك الراحل محمد الخامس من المنفى في أواخر الخمسينات.

مركز للعلوم الشرعية والطبيعية

* وكانت المهندسة للا جليلة القادري (توفيت أخيرا) وهي من الرائدات المغربيات في ميدان صيانة المآثر التاريخية، قد أجرت دراسة وتشخيصا لوضعية المدرسة في الفترة ما بين سنوات 1993و 1998، وعلى ضوئها تم تنفيذ مشروع الترميم الأخير ليس بقصد صيانة هيكلها فحسب، بل أيضا لإعادة دورها الإشعاعي والحضاري والثقافي حيث ان المصادر التاريخية أكدت أن المدرسة لم تكن تدرس فيها فقط أصول الفقه، بل أيضا الآداب واللغة والفلسفة والطب والحرف والصناعات، وكان أعيان بعض المدن مثل فاس ومراكش والأندلس يشدون الرحال إليها. ومن أشهر علمائها في الطب، أحمد بن عاشر الاندلسي، وكان طبيبا مختصا في علم النفس، وكان الشاعر أحمد بن الحفيد أول عميد للمدرسة. وأول من درس العربية بها هو علي الأنصاري المعروف بالغرناطي، وقد بلغ عدد أساتذتها في فترة من الفترات 100 معلم، وذُكر أنه لما زارها لسان الدين بن الخطيب كان عدد أدبائها وشعرائها قد فاق المائة. وكانت في القرن الخامس عشر تعد في مصاف مدارس مثل الأزهر في مصر والقيروان في تونس وابن يوسف في مراكش. ولكن المدرسة بعد سنة 1914 أصبحت مخصصة لتعليم القرآن، وتركت بقية العلوم بها بسبب مجاورتها للمسجد الأعظم الواسع الأرجاء وضيق مساحة المدرسة، وأضيفت أحباسها (اوقافها) الى الأوقاف العامة، وظهور ما عرف بالتعليم العصري.

روعة المعمار

* وبالرغم من صغر مساحة المدرسة بالمقارنة مع مدارس عتيقة أخرى في فاس ومراكش، حيث لم تتجاوز 180مترا مربعا، لكنها تعد تحفة معمارية والأكثر بهاء وشكلا مقارنة بمثيلاتها من المدارس التاريخية، فقد أودع فيها الصانع المغربي بديع مهارته في فن العمارة والنقش، وقد شق بها المرينيون أخدودا على طول السور لإيصال الماء إليها وللمساجد والمناطق المجاورة لها، وأكثر ما يلفت اليها الأنظار اليوم، تلك أبيات الأشعار المنحوتة والمنقوشة على حيطانها وسواريها وأعمدتها وأروقتها، فقد ورد في مخطوط عنوانه (الإتحاف الوجيز) لمؤلفه القاضي أحمد بن الحفيد، أن عدد الأبيات التي خطت في أنحاء المدرسة بلغت 64 بيتا.

وتتكون المدرسة من صحن كبير تتخلله أقواس ويفضي الصحن إلى قاعة رئيسة كبيرة في الطابق الأرضي، وكانت تؤدى فيها الصلاة وتلقى فيها الدروس للطلاب، وتتوسط الصحن نافورة كبيرة تضفي على المكان جمالا، وفي الجانب الأيمن المدخل توجد سلالم تقود إلى الطابق العلوي حيث توجد نحو 40 غرفة كان يستخدمها الطلاب كحجرات سكن. وبعد انتهاء عمليات الترميم، تمت تغطية الصحن بسقف متحرك آليا للحفاظ على الصحن وتسرب مياه الأمطار إلى داخل البناية. وأدخلت بها إنارة عصرية لإبراز معالمها ونقوشها الداخلية لجذب الزوار والسياح إليها .

وتخطط وزارة الثقافة المغربية لإعادة الاعتبار الإشعاعي والحضاري الذي كانت تعرف به المدرسة، حيث سيكون لها دور ثقافي وسياحي، ومن المقرر لها أن تحتضن معارض الفنون والندوات والمحاضرات، وسيتمكن السياح الأجانب عند زيارتهم لهذه المعلمة التاريخية رؤية نموذج مثالي وحي لنمط العمارة المغربية الأندلسية التي شيدت في المغرب عبر حقب وسنوات طويلة .

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال