الاربعـاء 15 رمضـان 1426 هـ 19 اكتوبر 2005 العدد 9822
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الروائي محسن خالد يصادر ورقياً ويحجب إنترنتياً في السودان

من هو صاحب الوصاية على ما يقرأه الناس؟

الخرطوم: شذى مصطفى

نالت مجموعة قصصية للروائي السوداني المقيم في أبوظبي محسن خالد بعنوان «كلب السجّان» استحسانا كبيرا من قبل النقاد، وبشر الأديب الشاب بمستقبل باهر لأسلوبه الأدبي المتميز ولغته التعبيرية البارعة، إلا أن روايتيه الجديدتين بعنوان «إحداثيات الإنسان» و«الحياة السرية للأشياء» الصادرتين عن «دار الساقي»، أثارتا جدلا واسعا، فقد تم حظر دخولهما السودان، من قبل هيئة تحكيم أقامها المجلس القومي للصحافة والمطبوعات. ثم كان قرار من وزير الثقافة، حظرت بموجبه كل أعماله على الإنترنت مؤخرا..

جاء الحظر الأول للروايتين بنسختهما الورقية، من لجنة تحكيم تضم كاتبين صحافيين معروفين أولهما اسحق أحمد فضل الله الذى كتب فى تقريره عن إحدى الروايتين: «نستطيع ابتداء أن نشير إلى أن هذه الرواية تتميز بكل ما تتميز به الخمر الجيدة، فهي تثير الطرب والدوار والدهشة والسكر والقيء وسخط المولى عز وجل» ويضيف «والجنس الذي تعتبره الرواية موطناً وتجوس فيه هو بطبيعته نار لا توضع على أي عمل أدبي إلا واشتعل، لكن الأدب الحقيقي هو استخدام للنيران البارعة للوصول إلى هدف وراء ذلك وليس مجرد الاحتراق»!

ونرى أن إسحق دار وعاد بنا الى المربع الأول! فبعد إيراد سخط المولى عز وجل نجده يبرر استخدام النيران «أدبيا» للوصول الى هدف ما. أما المحكم الثاني الكاتب الصحافي يس علي يس فكان تعليقه أن «الكاتب يتمتع بقدرة جيدة على التعامل مع اللغة، ولكن تناول موضوعات الجنس والعلاقة بالمرأة فيها تناول أجرأ مما ألفه القارئ السوداني والمجتمع السوداني عموما».

يجيب الكاتب محسن خالد في لقاء له مع «الشرق الأوسط» قائلا: «أليس هذا هو نفسه المزاج الذي كتب في مداه الطيّب صالح؟». ولذا فالسؤال الذي يطرحه الأديب هو: من يحق له المنع والوصاية على القارئ؟ وكيف يمكن قياس تلك التابوهات المتأرجحة؟ فأشهر رواية سودانية للطيب صالح «موسم الهجرة الى الشمال» بها فقرات جريئة للغاية كعلاقات بطلها مع نساء لندن، وأيضا مشهد «بت مجذوب»، المرأة الريفية العجوز التي تجلس فى حلقات الرجال وتناقش معهم بجرأة أمورا حساسة، فهل للأدباء الكبار امتيازاتهم الخاصة، أم ان الصدى والقبول الدوليين يجعلان التعامل مع التابوهات أكثر مرونة؟! كما أن المكتبات العامة في البلاد تحفل بكتب وروايات عربية وأجنبية شتى جريئة التناول، فلماذا لم يتم حظرها بدعوى تناقضها مع المجتمع السوداني؟! وهل لهذا الخوف مبرراته؟ أي هل للروايات والقصص التأثير العميق على أفكار ومعتقدات وسلوكيات قرائها كالكتب المتخصصة والمؤدلجة؟ أوليس الحظر يساعد فى شهرة العمل الأدبي ويستدعي الفضول، كما حصل لكتابي «آيات شيطانية» و«وليمة أعشاب البحر» وغيرهما؟

هذا ما جاء فى احتجاج الكثيرين على تلك المصادرة. ويقول وليد عبد الله، وهو مدير مركز ثقافي لـ«الشرق الأوسط»: «أنا لم أقرأ أيا من الروايتين حتى الآن، فقط أسمع عن الجدل الدائر بشأنهما. وأنا كمواطن وكمثقف من حقي الاطلاع عليهما، وإبداء رأيي دون وصاية من أحد، كما أن ما قيل حول إساءتهما الى مجتمعنا، فهذا غير صحيح. فكتب التاريخ السوداني القديم تحدثت عن زواج رجلين بغرب السودان في القرن قبل الماضي، وعن عمليات الإخصاء للخدم العاملين في البيوت إبان الفترة التركية. فكل أدب يحكي ما يدور في المجتمع بدون ترقيع أو تجميل، ولتكن مقارعة الحجة بالحجة. وسيذهب الزبد ويبقى النافع. كما أن الحظر في زمن تتعدد فيه وسائل الاتصالات أشبه بمحاربة طواحين الهواء».

ويبدو أن طواحين الهواء باتت بحاجة الى حرّاس، فعندما بدأ الروائي محسن خالد مؤخرا بإنزال روايته الجديدة «تيموليلت» على شكل حلقات متسلسلة على موقع نقاشات بشبكة الإنترنت، يتحدث فيها بطلها ـ وهو المؤلف نفسه ـ عن علاقات عديدة، طالب صحافي من خلال مقال تحريضي قوي وجهه لوزير الإعلام ـ السابق ـ بأن يتم حظر الرواية لأنها تسيء الى المجتمع، بل عدها أسوأ رواية فى تاريخ الأدب السوداني. وكانت الدهشة كبيرة أن وزير الاتصالات، قام وفي زمن وجيز بحظر الرواية على الموقع، في سابقة تعد الأولى بالسودان وأرسل بيانا باسمه للموقع جاء فيه:

«عندما حجبنا ذلك الموقع الذي ضم كتابات المدعو محسن خالد فإننا لم نفعل إلا حرصاً على عقيدة وأخلاق أهلنا وأرجو ألا يتهمنا أحد بالوصاية لأن ديننا يأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ويورد فى بيانه عدة نصوص جاءت في رواية محسن خالد تبرر قيامه بالحظر.

وإثر الحظر الحكومي قامت حملة توقيعات تشجب قرار الوزير تحت شعار «رفضا لكل أشكال الوصاية، والقمع، والإقصاء...تضامنا مع الأدباء المبدعين أينما كانوا...من أجل فضاء إبداعي حر وحرية مسؤولة». ووجدت هذه الحملة التأييد الكبير من رواد الموقع، فعلق أحدهم «ان القيم الاسلامية أقوى من أن تهددها رواية على الانترنت، وقارئ هذه الشبكة مثقف ولديه إلمام كامل بكل شيء، ولا يحتاج الى وصاية من أحد، ويجب أن يترك للناس الخيار وعدم فرض الأشياء عليهم».

تعليق آخر يقول «إن الوزير يتحكم في ثقافتنا ويدلنا على موارد الخير والشر، وينتقي لنا البضاعة الفكرية التي تناسب أذواقنا، وكأن كل أبناء السودان لم يبلغوا الحلم أو ينالوا حظا من تعليم». أما الناقد عيسي الحلو فقال «إن القيمة الاساسية لرواية (تيموليلت) تكمن في انها رواية استطاعت أن تخترق الشكل الروائي المستقر والمعهود. فهي متن إبداعي لا يتخذ من أية رواية سابقة مرجعية يستند عليها في الكتابة».. ولكن في المقابل كانت هناك آراء كثيرة موافقة لقرار الحظر الوزاري!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال