السبـت 17 جمـادى الاولـى 1426 هـ 25 يونيو 2005 العدد 9706
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مذكرات الدكتور معروف الدواليبي (1) ـ الانتفاضات الشعبية أجهضت المشروع الفرنسي لتقسيم سورية إلى ثلاث دويلات

رواية : د. عبد القدوس أبو صالح ـ إعداد: د.محمد علي الهاشمي
هذه مذكرات سياسي كبير من رجالات سورية المعروفين في العالم العربي والإسلامي، هو الدكتور معروف الدواليبي، أدلى بها استجابة لرغبة بعض إخوانه. وكان البدء في تسجيلها بتاريخ 5 أبريل (نيسان) 1987، بينما كانت آخر جلسة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1993. وقد أجاب الدكتور الدواليبي في تلك الجلسات عن أسئلة محدّدة، وجَهها إليه الدكتور عبد القدوس أبو صالح عندما كان أستاذاً بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وفقاً لمخطط استوعب مراحل حياة الدواليبي منذ نشأته. ثم قام الدكتور محمد علي الهاشمي، الأستاذ بجامعة الإمام ثم كلية الآداب للبنات في الرياض سابقاً، بإعدادها وصياغتها، وتمت مراجعتها مع المحاور حتى جاءت على الشكل التالي.

وتقع المذكرات في قسمين; الأول، يشتمل على الفترة الزمنية الأولى من حياة دولة الدكتور معروف الدواليبي والتي أمضاها في بلده سورية أو مسافراً إلى ديار الغرب، وسميناها المرحلة السورية. أما القسم الثاني فيشتمل على الفترة الزمنية الثانية التي أمضاها في المملكة العربية السعودية، وهي المرحلة السعودية.

الانتفاضات الشعبية أجهضت المشروع الفرنسي لتقسيم سورية الى ثلاث دويلات.. أول قرار اتخذناه في الكتلة الوطنية كان مقاطعة المنتجات الفرنسية.. إبراهيم هنانو كان الوحيد من قادة الكتلة الوطنية الذي أفلت من الفرنسيين ولجأ الى جبل الزاوية.. جعلنا في كل حي داراً للتدريب العسكري استعداداً لمواجهة فرنسا.. المفتي قرر نقلي بضغط من فرنسا من الجامع الأموي فتقرر اغتياله. فوزي القاوقجي لعب على الحبلين وحاول بتكليف من الإنجليز الإفساد بين رشيد عالي الكيلاني والحاج أمين الحسيني

* المرحلة السورية

* أسرة الدكتور الدواليبي ونشأته في حلب

* أجاب الدكتور الدواليبي عندما سئل عن أسرته ونشأته بأنه عَلِمَ من أبيه ومن جده أن هذه الأسرة «آل الدواليبي» ينتهي نسبها إلى الصحابي اليمني فَيروز الديلمي، الذي وفد على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وروى عنه أحاديث، وامتدت حياته إلى زمن معاوية، وولاه على صنعاء، فأقام فيها حتى وفاته سنة 53هـ.

ثم تحدث عن المرحلة الابتدائية من تعلّمه، فذكر أنه كان تلميذاً في المدرسة الأتابكية في حلب، ثم انتقل منها إلى المدرسة الشرقية. أما دراسته الثانية، فقد بدأها بدخوله مدرسة الفريرات، وهي من المدارس الأجنبية الفرنسية المنشأة في سورية، فدرس فيها سنة كاملة، وانتقل بعدها إلى الثانوية الشرعية التي سميت فيما بعد «المدرسة الخسروية»، نسبة إلى الوالي العثماني خسرو باشا. وقد افتُتِح الصف الأول في هذه الثانوية في مسجد الإسماعيلية بجوار بلدية حلب، دار الحكومة القديمة.

* ننتقل الآن إلى الحديث عن الكتلة الوطنية: تأسيسها وأول رئيس لها؟ ـ كانت الكتلة الوطنية هيئة مرخصة من الحكومة في شكل حزب رسمي، مع وجود الانتداب، وكان أول رئيس لها هاشم الأتاسي قبل تسلمه رئاسة الجمهورية.

* من المعروف أن فرنسا قامت عام 1925 بتقسيم سورية إلى دويلات متعددة ولكن محاولتها هذه باءت بالإخفاق، فما سبب ذلك؟

ـ سبب الإخفاق الانتفاضات الشعبية التي قامت في سورية، وبخاصة في حلب التي فصِلت عن دمشق تحت اسم حكومة حلب، فقد انطلقت فيها مظاهرة من أكبر المظاهرات التي شهدتها سورية ومن أشدها، فكانت القاضية على مشروع الدويلات من أساسه.

* كم طال مشروع الدويلات؟

ـ لا أستطيع تحديد المدة التي استمر فيها هذا المشروع، ولكن الذي أذكره أن الإعلان عن هذا المشروع ما إن وصل إلى الأسماع حتى تفجرت المظاهرات في سورية، وبخاصة حلب، وقد اشترك في المظاهرة الكبيرة كبار العلماء والطلاب. وكان كثير من المتظاهرين يحملون السلاح، وقد قوبلت المظاهرة بالمدفعية والرصاص. واستطاع الزعيم إبراهيم هنانو أن يفلت من قبضة الفرنسيين وينسحب إلى منطقة الثورة في جبل الزاوية، وكان هو الوحيد من قادة الكتلة الوطنية الذي استطاع الإفلات. وبدأت الصحف تعلن عن تجمعات الثوّار وأخبارهم كل يوم، فأسقط في يد الفرنسيين وأخذوا يتراجعون عن مخططاتهم ومشروعهم بتقسيم سورية إلى دويلات.

* تحدثم عن الزعيم إبراهيم هنانو وعن وفاته عام 1935، وأن ممن اشتركوا في تأبينه إسعاف النشاشيبي، الزعيم الفلسطيني المجاهد، ثم عن إنشاء الحزب الوطني وما تبع ذلك من أحداث، فهل كان يسمى الحزب الوطني من أول يوم؟ ـ لقد سميناه الحزب الوطني من أول يوم، ثم حدث تحرّك في دمشق على غرار تحركنا في حلب في تجمع أطلقوا عليه اسم «القمصان الحديدية». وعندئذ وحّدنا الأسماء والتحركات ما بين دمشق وحلب تحت اسم «القمصان الحديدية». وكان بين التحركات جميعاً انسجام وتنسيق، انطلقت بقواها وفعالياتها وبالأعداد الكبيرة التي انضمت إليها مقبلة على الإعداد والتدريب وبخاصة في حلب، بشكل يقلق السلطات الفرنسية. وهكذا نشأت الحركة الوطنية في ظل مقاومة المستعمر الفرنسي.

ولما توفي الزعيم إبراهيم هنانو، حُدِّد تأبينه باليوم الأربعين من يوم وفاته، ووُجهت الدعوات إلى قادة النضال في العالم العربي في كل من بغداد ومصر والأردن وفلسطين، وكان يوماً مشهوداً، حضره الزعماء الذين جاءوا للتأبين، الذي أقيم في مدرج جامعة دمشق، وشُنّت في حفلة التأبين هذه حملات شديدة على فرنسا.

قرارات وتعليمات جديدة كل يوم

* هكذا كنا نخرج كل يوم بقرار وتعليمات جديدة، ونبلغها الشعب بعد منتصف الليل، ليكون الناس على علم بالمشروع اليومي الذي يقلق السلطة. وكنا نلقي كل يوم خطاباً في الجامع الأموي الكبير. وكانت الخطب على أشدها ناريّة مثيرة، ولا يتقدم للخطابة أكثر من واحد حتى لا يُعرَف الباقون، فإذا ما اعتقل الأول وكان هو معروف الدواليبي كما هو مقرر، يظهر الذي يليه في الترتيب، وهكذا حتى يصل التسلسل إلى الخامس عشر، وهو تسلسل لا تعرفه إلا اللجنة المنظمة. وهكذا استمرت الأحداث، في كل يوم حدث. كان بعض المسيحيين واقعين تحت تأثير السلطة الفرنسية، ولذلك كانوا بعيدين عن المشاركة في الإضرابات، ومع ذلك نظّمنا حركة مع الشباب المسيحي المتعاون معنا، وقمنا بتوزيع نشرات في جميع الكنائس باسم الشباب المسيحي تدعو الطائفة المسيحية إلى ألا تكون منفصلة عن حركة النضال. وكان المسيحيون مشتركين معنا في حلب. أما في دمشق التي فيها فارس الخوري فــقد تأخــرت مشـاركة المسيحيين في الكتلة الوطنية; ولذلك جاء توزيع النشرات في جميع الكنائس بمثابة تهديدٍ من الشباب المسيحي أقلق كهنوت الكنيسة، وحثَهم على السير في طريق قيادة النضال كما يفعل علماء المسلمين. ووجدنا بعد مدّة أنه لا بد من الانتقال من المقاطعة إلى المقاومة المسلّحة، وذلك بتهيئة وإعداد مسلّحين، فاستدعينا عدداً من المحكومين بالإعدام الفارين إلى تركيا بتهمة الاشتراك في ثورة هنانو، وجهزناهم بالأسلحة اللازمة، وابتدأنا بمهاجمة مخافر الشرطة، وكنا نهاجم مخفراً في غرب حلب مثلاً وننتزع من رجاله أسلحتهم، فتأتي السلطة الفرنسية مسرعة بقواها، حتى إذا وصلت إلى غرب حلب نكون قد هاجمنا مخفراً في شرق حلب وانتزعنا أسلحته، وبعد أيام ننتقل إلى جهات أخرى، وبذلك وجد الفرنسيون أن المدينة بدأت تنتقل من المقاطعة إلى نوع من الثورة المسلحة المنظّمة. ولما تجمّعت لدينا القوة قررنا مهاجمة السجن المركزي في خان اسطنبول، حيث زُجّ بوجوه الأحياء الشعبية فيه، وعلى رأسها زعماء الكتلة الوطنية وقياداتها، ولم يكد ينجو من قبضة الفرنسيين أحد، حتى والدي والحاج علي سيرجية والحاج محمد أبو صالح وغيرهم كثير.

* هل كانوا كلهم في سجن خان اسطنبول؟

ـ نعم، وقد سلطوا عليهم الكلاب. وقد كان السجناء في أسوأ حال لأنه من أسوأ السجون، وقد خُصِّص لأصحاب السوابق من المتصدّين للفرنسيين، وكان هناك السجن المركزي أيضاً، تُحشَد فيه مئات بل آلاف من المناضلين. وكنا نخطط لإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين. وكما أسلفت استدعينا عدداً من المحكوم عليهم بالإعدام من المشاركين في ثورة إبراهيم هنانو، واشترينا لهم الألبسة اللازمة التي يرتديها الجنود المغاربة والأسلحة اللازمة أيضاً لأن الدوريات الفرنسية كانت كلها بجنود مغاربة، ويقودها ضابط فرنسي، يمتطون جميعاً الخيول، لأن الشوارع ما كانت كلها تصلح لدخول السيارات. وكان ترتيبنا أن نقلد الفرنسيين في دورياتهم، فقد كانت دورية الفرنسيين تأتي في الصباح والمساء وفي الليل بشكل دائم. وكلما دخلت منطقة جرّت وراءها عدداً من المساجين، فقررنا أن نقلدهم في منتصف الليل، وذلك بأن يأتي الخمسة عشر من قادة الثورة، يحملون أسلحة خفيفة، ويجرّون وراءهم 200 شخص حتى يصلوا إلى باب السجن. وكانت العادة إذا وصلت هذه القافلة إلى باب السجن، يتقدمها ضابط بلباس فرنسي، يُفتَح باب السجن وكانت الخطّة في هذه اللحظة أن يشهر المناضلون أسلحتهم ويتسلموا السجن. ولم نحتج إلى تنفيذ هذه الخطة بسبب سقوط الحكومة الفرنسية الراديكالية التي كانت تقمع العمل الوطني. ومما قررناه أيضاً اغتيال عدد من الشخصيات التي عملت مع الاحتلال.

وقررنا أن نصدر كل يوم نشرات، وكانت تلك النشرات تقلق الفرنسيين، فاعتقلوا جميع أصحاب المطابع مع أنهم مضربون عن العمل، إلا مطبعة صغيرة لا تلفت النظر، هي مطبعة أخينا أحمد قنبر الذي كان يصدر جريدة «النذير»، فقد جئته وكلفته أن يصدر نشرة، فقال: «يا أخي، بعدما أُغلِقَت المطابع كلها اليوم، فإن الظنّ لن يحوم إلا حولي أنا»، فأقنعته بطريقة تبعد عنه الشبهة، وذلك بأن يطبع خمس نشرات بتواريخ مختلفة وبحروف مختلفة، لكل بضعة أيام نشرة تختلف بحروفها وتاريخها، ففعل ذلك. ولما وُزّعت النشرات كانت كل المطابع مضربة عن العمل، إلا مطبعة أحمد قنبر، إذ كان يصدر جريدة ويقوم بصفّ الحروف بنفسه، فحامت حوله الشبهة وقُبِض عليه. وأذكر أنني قمت بنقل تلك النشرات بمحفظتي المدرسية قبل القبض عليه، ووزعتها على بيوت إخواننا وأصدقائنا، وفي مقدمتهم دولة الأخ رشدي الكيخيا الذي كان في مقدمة العاملين معنا، إذ كان يلتقي بالثائرين، ويقوم بجمع الأموال اللازمة، وكان من المنظور إليهم، وبيته معرّض للاقتحام والتفتيش، ولذلك حرصنا على إيجاد مخابئ لا تلفت النظر في بيته. وبعد مهاجمة المخافر أنذر الفرنسيون المخافر بأن الوضع في البلاد يسير في طريق الثورة العامة، فاستدعوا رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي لتهدئة الأوضاع.

وفي صباح اليوم الثاني لاستدعاء هاشم الأتاسي. كنا مقرّرين اغتيال إحدى الشخصيات التي كانت تتجاوب مع القيادة الفرنسية، ولا داعي لذكر اسم تلك الشخصية، لأن له أنصارا حتى الآن، ولكي لا يُساء إلى سمعة أبنائه، رحمه الله على كل حال، وغفر لنا وله. في عصر ذلك اليوم صدر البلاغ من الجهات العليا بالاتفاق مع هاشم الأتاسي بإيقاف الإضراب، ودعوة المفوضين من قِبَل الكتلة الوطنية للذهاب إلى باريس لإعداد معاهدة قائمة على أساس الاستقلال الناجز الفوري.

* هل حدث هذا في عهد حكومة الجبهة الشعبية؟

ـ نعم، في حكومة ليون بلوم ـ الجبهة الشعبية.

* ما هي الحكومة التي أتت قبل حكومة ليون بلوم؟

ـ حكومة الراديكاليين والحزب الراديكالي الفرنسي أقوى الأحزاب الفرنسية. وقد سقطت الحكومة الفرنسية بسبب اشتعال المقاومة في سورية، واستمر الإضراب فيها 50 يوماً. وكان له انعكاس سلبي على حكومة الراديكاليين، إذ تجمعت الأحزاب اليسارية الاشتراكية والشيوعية وتسلمت الحكومة بقيادة رئيس الحزب الاشتراكي ليون بلوم، وأعلنت الحكومة الجديدة في اليوم نفسه استقلال سورية، ودعوة هاشم الأتاسي وتأليف الوفد المفاوض. ولذلك عدلنا عن اغتيال الشخصيات التي كنا قررنا اغتيالها بموافقة أخينا رشدي الكيخيا، إذ رجانا أن نتوقف لأن فرنسا خضعت لمطالبنا، ولم تعد هناك حاجة للاغتيال، وتوقفت حركة المهاجمة والاغتيالات في ليلة واحدة.

* ولكن سبق اغتيال بعض الشخصيات؟

ـ اغتيلت بعض الشخصيات المتعاونة مع فرنسا قبل حركتنا، وهذه حوادث فردية، قام بترتيبها أحمد المصري وأحد الشباب من بيت الداية في المشارقة، ولكن الاغتيالات التي تقررت في كتلتنا نحن، وعلى الأخص الخمسة عشر شخصاً، ومعنا رشدي كيخيا توقفت إثر إعلان استقلال سورية، وكان الكيخيا حكيماً، إذ أصرّ على التوقف، مع أنه كانت هناك رغبة في الاستمرار، ولكننا وقفنا عند رأيه.

* هل ذهب وفد الكتلة الوطنية إلى فرنسا؟

ـ ذهب الوفد إلى فرنسا ولبث ثلاثة أشهر في مفاوضات. أما نحن فقد انتقلنا من تنظيم فئة الخمسة عشر شخصاً الذين كانوا يقودون حركة النضال إلى تنظيمات عسكرية، فجعلنا في كل حي داراً للتدريب العسكري، استعداداً للمواجهة إذا نكثت فرنسا بعهودها.

* هل لكم تعليقات وذكريات عن الوفد الذي زار فرنسا؟ وهل هناك معالم بارزة في أعضائه؟ ـ أعضاء الوفد هم: هاشم الأتاسي رئيس الكتلة الوطنية (حمص)، جميل مردم (دمشق)، سعد الله الجابري (حلب)، الأمير مصطفى الشهابي (حلب)، وأصبح بعد ذلك محافظاً لمدينة حلب.

* وماذا عن رشدي الكيخيا ألم يكن من أعضاء الوفد؟ ـ لا، ما كان من الشباب إلا نعيم الأنطاكي من المسيحيين، كان أمين سرّ الوفد.

* المعروف أن الوفد لما رجع إلى حلب أجري له استقبال شعبي كبير جداً، وكان فيه استعراض حرس القمصان الحديدية؟

ـ هذه القوة التي أعددناها ونظمناها خلال ستة أشهر من المفاوضات ساعدتنا كثيراً على تنظيم أوضاعنا، ومنها استقبال الوفد استقبالاً حافلاً. دور فوزي القاوقجي

* ذكرتم أن الوثيقة التي كانت معكم وأنقذتكم من القتل كانت بسبب تدخلكم في الخلاف بين رشيد عالي الكيلاني والحاج أمين الحسيني، فما قصة هذا الخلاف؟ ـ وقع الخلاف بين هذين الرجلين بعد وصولهما إلى ألمانيا عقب إخفاق رشيد عالي الكيلاني في ثورته في العراق ضد الإنجليز. وكان فوزي القاوقجي مكلفاً من الإنجليز بمهمة الإفساد بينهما. وما كان أحد يعرف عن القاوقجي إلا أنه بطل ثائر على الإنجليز في فلسطين، وأنا كنت واضعاً صورته في بيتي على أنه مجاهد. ولقصة تعامله مع الإنجليز ولعبه على الحبلين تفاصيل، أجملها فيما يلي: وصل القاوقجي إلى باريس، وجاء إليّ قائلاً: يا أخي، هذا الحاج أمين رجل يريد أن تكون القضية قضية فلسطين فقط، ولا يريد أن تكون القضية عربية، في حين يريد رشيد عالي الكيلاني أن تكون القضية عربية شاملة، ولذلك اختلفا. وطلب منّا كتاباً في تأييد رشيد عالي الكيلاني، فقلنا له: «يا أخي، نحن لا نعرف هذه الشخصية ولا هذه الشخصية».

وجمعتُ الهيئة الإدارية لجمعية الطلاب العرب في باريس، وكان فيها عزت الطرابلسي وعمر الحكيم من سورية، وإبراهيم حافظ من تونس، واستمعوا إلى فوزي القاوقجي، وقالوا: «نحن لا نستطيع أن نشجب واحداً ونؤيد آخر، لأننا لا نعرف عن الاثنين إلا أنهما يجابهان إنجلترا. وإذا أردتم أن نجعل المفاوضة لرشيد عالي فقط وليست لاثنين فإننا نقدم رأينا مكتوباً كما يلي: تتألف هيئة من رشيد عالي الكيلاني والمفتي، يكون المفاوض فيها رشيد عالي لإقامة حكومة عربية، ويكون المفتي وجماعته مستشارين كمجلس نواب يؤيدونه، وبذلك نتيح لرشيد عالي أن يفاوض إذا كان يطلب المفاوضات، ولكنه خاضع لمشورة مجلس النواب برئاسة المفتي». وكان هناك عادل أرسلان، ويمكن أن ينضم إلى الحاج أمين في جملة المستشارين. وقلنا للقاوقجي: هذا رأينا، ولن نحيد عنه. فوافق على ذلك. وكان معه منير الريّس من الذين اشتركوا معه في جبهة العراق، وسلمناهما الكتاب. وبعد شهر جاء منير الريّس وقال: يا سيدي تبين لنا من أمر فوزي القاوقجي ما لم يكن في الحسبان، وأن الدائرة تدور علينا. كنا مع القاوقجي في الجيش لمقاومة الإنجليز فكان يمنعنا من مقاومتهم. والآن غير الكتاب الذي أعطيتموه، وكتب كتاباً آخر جاء فيه: إن جمعية الطلاب العرب تؤيد رشيد عالي الكيلاني، وقدمه باسمكم مزوراً إلى الألمان، فذهبنا إلى السفير الألماني واعترضنا على الكتاب المقدَّم، وبيّنا له أننا لم نسلّم فوزي القاوقجي الكتاب كما وصل إليهم، وعندئذ طلبت وزارة الخارجية الألمانية بأن آتي إلى ألمانيا لأجل المصالحة أو التفاهم لمعرفة الحقيقة. وهكذا كشف منير الريس حقيقة القاوقجي، وبين أننا كنا مخدوعين به. وذهبت إلى ألمانيا بدعوة من وزارة الخارجية، فنزلت في فندق. وبعث إليّ الحاج أمين، وكنت لا أعرف شخصه بعد، ولكن أعرف سمعته الطيبة. وكذلك زارني رشيد عالي الكيلاني، وكنت لا أعرف شخصه، ولكن أعرف أنه ثائر ضد الانجليز. وقد جاء كل من الرجلين لزيارتي، وطلبا أن تكون نفقتي في ألمانيا على حسابهما. فقلت لهما: «نحن لجنة مؤلفة مني ومن عزت الطرابلسي وعمر الحكيم، جئنا لنوفق بينكما، لا نستطيع أن نتحمّل نفقتنا، ولا نقبل أن تكون نفقتنا على حساب أحدكما، ولذلك نقترح أن يدفع كل واحد منكما 50% من قائمة النفقات كل أسبوع، فوافقا». وكانت السيارة تأتينا في الصباح، فنذهب إلى المفتي ونسمع منه، ثم نذهب إلى رشيد عالي الكيلاني ونسمع منه. وقد كذب المفتي كل ما قيل عنه، وقال: رأيي على العكس تماماً، القضية العربية قضية واحدة، من الرباط إلى إسكندرون، وإني لما رأيت الألمان يتقاربون مع إيطاليا، ويفكرون في جعل سورية تابعة لها إرضاء لموسوليني بعد النصر، هددت بالانسحاب من التعامل مع الألمان، وأفهمتهم أن القضية العربية قضية واحدة. أما فوزي القاوقجي فقال: إن الألمان أبلغوا المفتي بأن يبحث في قضية فلسطين. ولرشيد عالي أن يبحث في قضية العراق، وليس لهما أن يتدخلا في شيء آخر.

ولما نقلنا هذا الكلام إلى المفتي قال: هذا كذب، أنا هددت ألمانيا من جراء سياستها، وأصررت على أن قضيتنا العربية واحدة من مراكش ـ لأن شمال أفريقيا في ذلك الوقت سقط في يد فرنسا ـ إلى سورية والعراق أيضاً. وأما رشيد عالي فهو الذي قبل أن تكون قضيته محصورة في العراق فقط. وانتقلنا بعد الظهر إلى رشيد عالي وقلنا له: أنت تقول: قضيتك العراق، والمفتي يقول: قضيته القضية العربية، وفوزي القاوقجي يقول العكس: أنت تريد القضية العربية، والمفتي يريد قضية فلسطين. فقال: الذي نقله لكم فوزي هو الصحيح: المفتي يريد فلسطين فقط، وأنا أفهمته أنني لا أتنازل عن القضية العربية، ولا أقبل بقضية العراق فقط. وعدنا إلى المفتي وطلبنا منه أن يقدم الأدلة المقنعة بكذب الطرف الآخر. ووقعنا في حرج وحيرة: فنحن جئنا لأول مرة للاتصال بهؤلاء الزعماء والتوسط فيما بينهم، وهذا الذي سمعناه منهم، فمن تصدّق؟ كان هذا الاتصال بهم بعد ثورة 1941 في العراق. وفي هذا العام كنت قد أنهيت دراستي وأعددت الأطروحة.

أما عزت الطرابلسي، فكان عليه أن يعود إلى البلاد لأنه مرتبط بعمل تدريسي، وكذلك يود عمر الحكيم الرجوع، فكدت أقرر الرجوع معهما، لولا لقائي واصف كمال، أحد الإخوة الفلسطينيين، فقلت له: يا واصف، القصة بين المفتي ورشيد عالي كيت وكيت. هذا يكذّب هذا، وهذا يكذّب هذا، ونحن في حيرة لا نعرف أيهما الصادق! فترجاني واصف أن أبقى بعد أن أنهيت دراستي، وألا أترك المفتي وحده. وزاد: «أنا لست من جماعة المفتي، ولكن الكذاب هو رشيد عالي، والذي يثير المشكلات هو فوزي القاوقجي، وثبت لنا الآن أنه هو مصدر الفتنة».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال