الاحـد 10 ربيـع الاول 1427 هـ 9 ابريل 2006 العدد 9994
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

فاطمة أبو قحاص.. 7 عقود في تحويل الجدران إلى عالم جمالي

لا تجيد القراءة ولا الكتابة وأشهر لوحاتها جدارية تزين مدخل أشهر فنادق عسير

أبها: علي البشري
على جدارية كبيرة تتعدى عشرات الأمتار في مدخل فندق قصر أبها الفاخر، توجد لوحة تشكيلية مصممة بإبداع محلي يسمى «القط»، قامت على إنجازه امرأة سعودية تعدت عقدها الثامن، لكنها ما زالت تحتفظ بسرها الخاص وأناملها التي يحسدها عليها مصممون عالميون شاهدوا أعمالها وانبهروا بها.

وفي مدينة «رجال المع»، تلك القرية الصغيرة التي تقع في جنوب السعودية بالقرب من مدينة أبها، لمع صيت فاطمة أبو قحاص، في مدينة تزخر بالمبدعين رجالاً كانوا أو نساء، فكم من ألمعي برز، وكم من ألمعية برزت في مجال، لا يتقنهُ إلا الألمعيات ألا وهو «القط».

وفن «القط» الذي برعت فيه فاطمة أبو قحاص، التي لا تحمل أي شهادة تعليمية، هو عبارة عن خطوط وتشكيلات جمالية ونقوش هندسية يقوم بعملها نساء متخصصات في هذا المجال، وهذا الإبداع لم تتعلمه الألمعيات في مدارس فنية راقية أو معاهد متخصصة، لكنه وحي الواقع الذي لمسنه بصفائه ونقائه وكدره وشقائه، فكل لون كان يمثل إحساساً معيناً وكل شكل كان يرمز إلى شيء وقر في النفوس واستقر في الأعماق، فكما أن البيئة التي عشن فيها انعكست على حياتهن، فإنهن حولن ذلك إلى لوحات خالدة رسمت على جدران الزمن تلك اللوحات، منها ما كان يرمز إلى تعلق الإنسان بربه وعبرت عنه بالمحاريب.

تقول فاطمة أبو قحاص، ذات الرابعة والثمانين خريفا، إنها استمدت هذا الفن «القط»، من والدتها وهي ترسم منذ كان عمرها 14 عاما، ثم عصفت بها ظروف الزمان عقب وفاة زوجها، وكان لديها ثلاثة من الأبناء، الأمر الذي زاد همتها لهذا العمل، بحكم ان هذه المهنة هي مصدر رزقها الوحيد، حيث كانت تتنقل بين بيوت القرية لتنثر إبداعها بثمن قليل جدا. وتزيد الخالة فاطمة والعبرة تخنقها، أن كل الذي رسمته في جلّ البيوت اندثر ولم يبق إلا القليل.

كانت روعة أعمالها في منزلها البسيط، الذي استطاعت ان تعطيه عصارة فنّها عندما قامت بنقش «القطة» على جدران صالون الرجال، إضافة إلى صالون النساء، وعلى الرغم من ان هذا الصالون لا يتعدى السبعة أمتار طولا، إلا انها ظلت تعمل فيه قرابة العشرين يوما. وتستعمل فاطمة ابو قحاص عدة مصطلحات في رسمها، منها «ختمة» وهو الشكل المربع، و«العمري»، الذي يأتي على شكل خطوط، و«البنات» و«المحاري» و«امشاط».

ومنها ما كان يرمز إلى مصدر رزقهن ورزق أولادهن وهي سنابل الحياة، الحياة التي تزرع في السفوح الألمعية، وقد استخدمت الألمعية في عمل هذه النقوش الألوان التي تستطيع تكوينها من خلال العناصر الموجودة في بيئتها، فالأسود من الألوان الرئيسية التي لا غنى لها عنها وطريقة استخراجه والاستفادة منه، تقوم على جمع الفحم ثم طحنه وإضافة الصمغ عليه حتى يصبح أكثر لمعاناً وجاهزاً للدهن، واللون الأحمر أو ما يطلق عليه (الحسن) وطريقة الحصول على هذا اللون هو بجمع عدد من الأحجار حمراء اللون المختلفة المناسيب، يضاف اليها شيء من المر والأرز المحمص ويطحن في مطاحن يدوية حتى تصبح أكثر دقة وجاهزية للاستعمال، والألوان الأصفر والأزرق والأخضر، كانت تأتي عن طريق عدد من التجار الذين يجلبونها إلى بلدة رُجال ثم تؤخذ هذه الألوان التي تختلف في تكوينها وتطحن، وتضاف إليها مادة الصمغ، ومن هنا تلاحظ أن الصمغ من المواد الأساسية في النقش الألمعي.

هذه المرأة الألمعية كذلك استخدمت أدوات وجدت بين يديها حولتها إلى ريشة رسام حاذق في صنعته ماهر في أدائه فقد استخدمت فاطمة ابو قحاص شعرة من ذيل الأغنام تحسنها بشكل يجعلها أشبه ما تكون بريشة الرسام، ثم تلقي عليها خيوطا رفيعة تجعلها أكثر مناسبة للأصباغ الماهرة التي تُلف حولها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال