الاثنيـن 12 رجـب 1427 هـ 7 اغسطس 2006 العدد 10114
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

بلد المهاجرين والهجرات.. العجوز الذهبي

سمير عطا الله

العام 1975 اتخذت قرارا بالهجرة. ليس بالسفر، وإنما بالهجرة. وتقدمت بطلب هجرة من السفارة الكندية في بيروت. وبدا أن الإجابة سوف تطول، فقررت أن أسافر إلى نيويورك، حيث أغطي الجمعية العمومية من ناحية، ومن ناحية أخرى أتابع ملاحقة الطلب. خطرت لي هناك عدة مشروعات أدبية. بينها، أن أقابل كلَّ من بقي حيا من الذين عرفوا جبران خليل جبران. وعندما أخذت اسمع حكايات المغتربين وكيف وصلوا وكيف عملوا وكيف نجحوا، خطر لي أن اجمع تلك الأساطير التي لا تصدق. ولكن كان المهم قبل أي شيء الوصول إلى كندا، والعثور على عمل.

كان أول شيء يفعله الصحافيون والسياسيون اللبنانيون عندما يصلون إلى نيويورك هو زيارة جريدة «الهدى» التي مضى على صدورها الدائم آنذاك أكثر من مئة عام. وذهبت لأقابل صاحبها الجديد. كان فارس اسطفان في حجم أسد. وكان يعكف شاربيه إلى فوق، كما كان يعكفهما جده في بلدة غوسطا (مدينة، كما يسميها فارس) وكان يضع في بنصره خاتما ذهبيا في حجم ختم قصر باكنغهام. وكانت نيويورك مدينة تخشى الناس المشي في شوارعها بعد الغروب. لكن حيثما وأنَّى مر فارس، غروبا أو شروقا، فإن الشوارع هي التي كانت تخاف. والجادات أيضا.

يستغرق توطيد الصداقة مع فارس اسطفان في العادة، نحو 25 دقيقة. ولكن بعد ربع ساعة، أو يكاد، كان يضربني على كتفي مرحبا (ومبّرحا) وقائلا: «هيدي جريدتك يا حنون! هودي المفاتيح وأنا ماشي عالبيت».

كانت صداقة فارس لا ترد. لكن هل هربت من رئاسة تحرير إحدى أبرز المجلات في لبنان، لأغرق في جريدة حرفية، يتقاتل على صفحاتها المهاجرون؟ وأي «نهضة» صحافية سأحقق لصاحبها، وليس فيها سوى محرر واحد وعامل صف واحد وشاعر واحد ومترجم واحد، وجميعهم، جميع هؤلاء السادة، كان رجلا في الثانية والثمانين يدعى داود الخوري. وكان داود الخوري وقورا ونبيلا. وكان نحيلا بحيث ضاق فكاه على أسنانه. وأعتقد انه لم يكن لديه وقت لتناول الطعام، ولذلك استعاض عن الطعام بالسيجارة. وعن الحياة بالعمل. وكان فارس اسطفان قد حصل على هذا العجوز الذهبي من ضمن عقد شراء «الهدى»: مكاتب تخطت المئة، ومطابع تعدت القرن، وهذا الرجل الذي لم يكمل مئويته بعد.

لم تتغير مهام داود الخوري في «الهدى» الجديدة بل بقيت كما كانت قبل نصف قرن على الأقل: صف أحرف. تركيب صفحات. كتابة افتتاحيات. استقبال الزائرين. حضور «اجتماع التحرير» اليومي مع فارس اسطفان. هل كان هذا كله عمل فؤاد الخوري الرئيسي؟

ما هذا السؤال المهبول؟ طبعا لا. «الهدى» كانت «البارت تايم». فقط «البارت تايم».

إلى اللقاء

التعليــقــــات
walid shishani-sweden، «السويد»، 07/08/2006
كم هو مسر للنفس وأنت تتحفنا كل يوم بسبب من أسباب رفض هذه الأمة أن تستسلم للإندثار، فهذه الأمة وإن جار عليها الزمان، إلا أنها أمة تستحق الحياة، ومثل هؤلاء القروم ومن يذكرهم، هم دعامات بقائها وإستمرار حياتها. شكرا وتقديرا لك.
ابراهيم شاكر، «المانيا»، 07/08/2006
ألم أقل لك قبل يومين إن اللبناني هو ثروة لبنان وهو المورد الرئيسي لهذه الثروة بعد أن قلت أنت إن لبنان بلد بلا مواد ولا ثروات .. اللبناني يصرف كل ما في جيبه على أناقته .. دائما متفائل .. يضع الفشل أمامه قبل النجاح وإذا فشل ينهض ثانية ويحاول ثانيا وثالثا ورابعا .. اللبناني لا تكسره الهزائم بل تقتله الخيانة أستاذ سمير أنا محب للبنان وأهله. تحياتي.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال