الاربعـاء 05 شعبـان 1427 هـ 30 اغسطس 2006 العدد 10137
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سورية: النساء يقدن التجديد الإسلامي.. والقبيسيات تبدأ بغطاء الرأس الأبيض ثم الأزرق وأخيرا الأسود

اهتمام خاص بانتقاء بنات الأسر الثرية وذات النفوذ والمتفوقات أكاديميا

دمشق: كاثرين زويبف *
تقف ايناس الخالدي في رواق مدرستها الاسلامية للبنات وتقوم تلاوة قصيرة من القرآن، وتقول الخالدي، 16 عاما، بفخر «انه لمن الصحيح انهن لا يفهمن ما يحفظنه عن ظهر الخاطر في هذا العمر ولكننا نعتقد ان الاستيعاب يأتي عندما يكون القرآن جزءا منك».

وفي زوايا دمشق الأخرى فان النساء اللواتي يميزن بعضهن بعضا بالطريقة المميزة التي يربطن بها غطاء الرأس يتجمعن في لقاءات جمعية النساء الاسلامية السرية المعروفة باسم «القبيسيات».

وتقول المشاركات انه في تلك الاجتماعات حيث يتعلمن بصورة أكبر حول الدين بل وحول كيفية التأثير على آبائهن وأزواجهن من أجل القبول بوجود أكبر للاسلام في الحياة العامة.

وهناك وجهان للتجديد الاسلامي للنساء في سورية، وهو ما يعد احد التحديات التي تواجهها هذه الدولة العلمانية، ورغم النفي الشديد من قبل ان المسؤولين الحكوميين، فان سورية تصبح دينية على نحو متزايد وتضعف هويتها القومية. والمسؤولون السوريون، الذين كانوا في المقاعد الأمامية عندما جر حزب الله لبنان الى الحرب، على دراية بالطرق التي لا تحصى لامكانية تقويض سلطة الدولة من جانب الجماعات الدينية التي تتزايد قوتها وجاذبيتها. وعلى الرغم من أن الحكومة السورية تدعم حزب الله فانها تتخذ خطوات لضمان ان الظاهرة التي تساعد على بنائها في لبنان لا تأتي لتلاحقها في الداخل.

وقال محمد الحبش، المشرع السوري وهو عالم دين ايضا، انه في الماضي «كان يقال لنا ان علينا ان نترك الاسلام وراءنا لنجد مستقبلنا»، و«لكن في هذه الأيام اذا ما سألتم معظم الناس في سورية حول تاريخهم فانهم سيخبرونكم قائلين: تاريخنا هو التاريخ الاسلامي، والجيل الشاب كله يقرأ القرآن».

وسورية وحدها من الناحية الفعلية في العالم العربي، التي تشهد انبعاث تقليد كان قائما منذ قرون، وهو تقليد الشيخات، أي النساء العارفات بأمور الدين. وقد تجاوز نمو مدارس البنات نمو مدارس البنين، وفقا لما يقوله معلمو الدين هنا.

ولسنوات عدة جرى تصوير أي نوع من التقوى الدينية هنا بارتياب، ولكن بينما يجري غالبا التحقيق مع الرجال المشتبه في نشاطهم الاسلامي وسجنهم، فان اخضاع النساء لمثل هذه المعاملة يمكن أن يسبب احتجاجا عاما لا يمكن للحكومة ان تغامر بمجابهته. وتستفيد النساء من حريتهن الواسعة نسبيا لتشكيل جماعات ومنظمات اسلامية، اصبحت قوة متجذرة على نحو عميق لنشر ممارسات اسلامية اكثر صرامة ومحافظة في عائلاتهن وأوساطهن.

وطالما ان وكلاء المخابرات ما زالوا يراقبون التجمعات السرية التي تقوم بمناقشة قضايا الاسلام، فان جماعات مثل القبيسيات غالبا ما تلتقي بصورة سرية، بل وفي بعض الأحيان بحراسة الباب من جانب نساء لمنع المتطفلات، وتسمى الجماعة باسم مؤسستها الشيخة السورية ذات الشخصية المؤثرة منيرة القبيسي. وتقدم امرأة ثرية في الخمسينات من عمرها وتعيش في دمشق، تحضر اجتماعات القبيسيات وتطلب عدم استخدام اسمها، وصفا أوليا عاما للنشاطات.

وقالت المرأة ان البنت التي يعتقد انها جادة بشأن دينها قد تدعى من جانب قريبة لها او صديقة في مدرستها لحضور الاجتماع، وهناك تجلس الشيخة على منصة مرتفعة وتخاطب النساء المجتمعات في المواضيع الدينية وتتلقى اسئلتهن. وقالت المرأة ان السيدات أعضاء منظمة القبيسيات يربطن أغطية الرأس حتى يكون جزءا من القماش تحت الذقن، مثل ضفيرة متدلية. واذ تتقدم النساء والبنات في دراستهن الاسلام ويحصلن على منزلة مميزة في الجماعة فان لون غطاء الرأس يتغير. فالأعضاء الجديدات يرتدين الأبيض مع المعاطف ذات اللون الكاكي عادة، وفي وقت لاحق يتدرجن لارتداء غطاء الرأس الازرق والمعطف الأزرق الغامق، وفي المرحلة الأخيرة قد تمنحهن الشيخة إذنا بتغطية أنفسهن كاملا بالأسود. ووصفت هديل، التي طلبت ان يشار اليها باسمها الأول فقط، كيف ان صديقة طفولتها التي اصبحت واحدة من «القبيسيات» شجعتها على الانضمام الى المجموعة، وتقول هديل: «تتصل بي رشا احيانا وتقول لي انها ذاهبة الى التسوق، و«التسوق» كلمة تستخدم للتمويه وهي في الواقع تعني درس المساء الذي يقام الساعة السابعة والنصف. ذهبت الى هذا المكان ثلاث مرات، يقدمون للبنات قبل بدء الدرس أغلى أنواع الطعام، لديهم ايضا سيارات مرسيدس فاخرة لنقلهن الى منازلهن». تقول هديل انها اصيبت بالدهشة ازاء الطريقة التي تستخدمها القبيسيات في انتقاء بنات الاسر الثرية وذات النفوذ والبنات اللائي تبدو عليهم سمات قيادة يمكن تطويرها. وتضيف هديل ان الجمعية تبدي اهتماما بالبنات اللائي يتحدرن من اسر معروفة وذات نفوذ، إلا ان هديل نفسها اختيرت بسبب تفوقها في الجانب الأكاديمي. وطلبت أعضاء المجموعة عدم ايراد اسمائهن لأن مجموعة «القبيسيات» تعتبر منظمة غير شرعية، على الرغم من أن السلطات تتغاضى عن نشاطاتها متعمدة فيما يبدو. ويقول معن عبد السلام، وهو ناشط في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، ان تقديم الدعوة الى امرأة للانضمام الى الجمعية يشكل امتيازا هاما، وأضاف قائلا ان مثل هذه الجمعيات السرية تستقطب النساء بصورة مختلفة اعتمادا على الوضع الاجتماعي لكل منهن. وتعلم هذه الجمعيات النساء الفقيرات كيفية التواضع والبساطة أمام أزواجهن وكيفية الصلاة، فيما تعلم الجمعية نساء الطبقة العليا كيفية التأثير في المجال السياسي.

ليست لدى المدرسة الاسلامية التي تعمل فيها ايناس الخالدي مشرفة أي اجندة سياسية واضحة، لكنها تعتبر بصورة عامة مكانا يزدهر فيه التمسك بالإسلام واستكشاف مكانة المرأة فيه.

المدرسة التي تقع داخل مسجد الزهراء غرب دمشق مكان يشعر زائره بالراحة والاسترخاء. ارضيتها مفروشة بالسجاد الشرقي وتركض مجموعات من التلميذات في المكان وهن يرتدين جواربهن البيضاء. وتقضي ايناس الخالدي الصيف والعطلات في تحفيظ القرآن للأطفال. وأصبحت بفضل عملها مدرسة للتحفيظ شخصية مهمة في هذا المجال، وتلقي الكثير من التلميذات بحياء وهن في طريقهن الى حجرات الدراسة. وتقبل المدرسة الطالبات من سنة الخامسة لفصول تحفيظ القرآن ابتداء من السور القصيرة. الجو بصورة عامة في المدرسة يدعو الى الشعور بالراحة والاسترخاء. وعادة ما يقتسم الاطفال الحلوى والوجبات الصغيرة خلال ساعات الدراسة. وتعمل عدة تلميذات اخريات على التحضير للاختبارات التي تمكنهن من الانتقال الى مستويات دراسية اعلى وهن يرددن بصوت عالي بعض الآيات التي يتوقع ان ترد في الاختبارات المرتقبة. عقب التحفيظ في مدرسة الزهراء تدرس التلميذات قواعد التجويد والتفسير، وتقول ايناس خالدي ان فن تفسير القرآن هو الذي يميز مجموعتهن عن الأجيال السابقة من المسلمات السوريات. وتعتقد فاطمة غاية، 16 سنة، وهي مصممة غرافيك وصديقة ايناس خالدي، ان الجيل القديم، وهي تقصد النساء في العقدين الثالث والرابع من عمرهن الآن، يسمحن دائما لآبائهن وأزواجهن بإملاء ما يرونه من امور الدين عليهن. وتقول ايضا ان السبب في ذلك هو اننا نشأن قبل الحركة التجديدية التي اجتاحت سورية ونتيجة لذلك تكن لديهم التجربة الفكرية التي توفرت للأخوات الأصغر سنا. وتقول فاطمة غاية معلقة ان البنات الأكبر سنا ابلغن بأن هذا هو الاسلام وانه يجب عليهن التصرف وفقا له، وبصورة عامة، كما تقول فاطمة، «لم يكن بوسع هؤلاء النساء طرح اسئلة».

* خدمة «نيويورك تايمز»

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال