الجمعـة 07 شعبـان 1427 هـ 1 سبتمبر 2006 العدد 10139
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سوق مطرح بمسقط.. حكاية بلد وشعب

يعود إلى 200 عام.. والظلام يسوده في عز النهار

مسقط: جهان المصري
لكل مكان نكهته ولكل مدينة سوقها، يروي حكاياتها، يحتضن تاريخها ويرافق تطورها، واذا كنت ممن يهوون زيارة الاسواق الشعبية فلا بد لك من زيارة واحدا من اجملها، سوق مطرح في العاصمة العمانية مسقط.

انه من اقدم الاسواق في سلطنة عمان، منهم من يقول انه يعود الى مائتي عام ومنهم من يقول انه اقدم من ذلك، وفي الحالتين يمكنك تحسس الزمن بارجائه، ولعل تراكم هذه العقود هو ما زاده جمالا وتميزا، فعند تجوالك في هذا السوق تدرك ان الكثير من القصص والاحداث والحكايات مرت عليه وما زالت.

يعتبر سوق مطرح نموذجا للاسواق الشرقية القديمة اذ يتميز بممراته الضيقة والمتعرجة والمسقوفة بالخشب او الحجارة، وترتفع الحوانيت التي تتوزع على جانبي الازقة عن الارض بدرجات صغيرة، وعادة ما تكون لها ابواب خشبية. وللسوق تسمية اخرى معروفة بين اهل البلد وهي سوق الظلام، ويرجع السبب لاطلاق هذه التسمية على سوق مطرح لكثرة الأزقة والسكك التي كانت تصطف عليها المتاجر، بحيث تحجب عن هذه الأزقة أشعة الشمس خلال النهار وتتضاعف العتمة في الأيام الغائمة فيحتاج حينهـا السائر إلى ضوء مصباح لكي يحدد خطواته.

ويطلق بالتحديد تسمية سوق الظلام على الجزء الذي يمتد من مسجد اللواتيـا إلى خور بيمبة، وفيه بالفعل دكاكـين مكتظة بحيث لا تترك المساحة الضيقة للأزقـة والسكك بداخله فرصة لدخول ضوء الشمس، وهناك تسمية أخرى لهذا السوق بشقيه الغربي والشرقي التي تفصل بينهمـا فتحـة خور بيمبة، وهي السوق الصغير والسوق الكبير، وسوق الظلام هو السوق الصغير، أما السوق الكبير فهو سوق الجملة.

وفي اي وقت تزور سوق مطرح تجده مكتظا وبحركة مستمرة، وهو يتميز بالتنوع ما بين المشغولات اليدوية كالفضيات والخناجر والاسلحة اليدوية القديمة والاقمشة التقليدية وما بين الجديد من الملابس الجاهزة والاحذية وغيرها.

ويقول اكبر البلوشي احد تجار السوق انه في الماضي كانت المحلات في السوق تقتصر على تلك التي تبيع السمك المشوي والحلوى والاقمشة، ولم تنتشر المحلات المتخصصة ببيع الفضيات والمشغولات التقليدية الا قبل نحو 30 عاما، عندما بدأت عمان تنفتح اكثر على العالم الخارجي وبدأت تستقبل زوارا وسياحا من مختلف الجنسيات. وقد كان معظم السياح في السابق من البريطانيين «لكننا بدأنا اليوم نشاهد سياحا من مختلف الجنسيات ولاسيما من النمسا والمانيا وسويسرا، وهؤلاء يقبلون على شراء الصناعات التقليدية خاصة الخناجر». والبلوشي الذي ورث هذه التجارة في السوق عن والده ومن قبله جده مرتاح لحركة البيع خاصة ان اعداد السياح تتزايد عاما بعد عام، ويقول «نطالب اليوم بعدم وجود تجارة مستترة، واقصد بهذا ان عددا من اصحاب المحلات يؤجرون اليوم اللوحة والاسم لتجار اجانب يشتغلون باسمائهم، وهذا خلق منافسة وغشا في الوقت نفسه، كما الاحظ من خلال عملي في بيع التذكارات أن السياح يحبون التعامل مع ابن البلد الذي بامكانه ان يطلعهم على معلومات وتفاصيل عن القطع التي يشترونها والتي تعتبر جزءا من تراثنا».

وتكثر الحركة في السوق خاصة خلال الاعياد، ويعتبر محمد كريم صاحب محل فضيات «ان الاسعار الرخيصة نسبيا لما هو معروض في المجمعات التجارية هي التي تميز السوق عن غيره من الاسواق التجارية».

ولطالما كان سوق مطرح في الماضي يعتمد على سكان المناطق الداخلية في عمان، وهنا يقول محفوظ بن سالم الريامي الموجود في السوق منذ حوالي الستين عاما، كانت هذه السوق تمد أهل عمان بما يحتاجونه طبعا في حدود ومتطلبات المجتمع العماني في مرحلة الستينات، كما كانت معظم البضائع التي ترد إلى السوق تستورد من الخارج بالإضافة إلى بعض السلع التي كانت تأتي من الداخل مثل النسيج والخضار والفواكه ومنتجات النخيل.

كان بناء السوق في السابق من الطين وسعف النخيل، وهي المواد التي كانت تلائم ارتفاع درجات الحرارة وظروف البيئة الصعبـة في ذلك الوقت، وقد قامت بلدية مسقط أخيرا بتجميله وتجديده من خلال تزيينه بزخارف مستوحاة من الملامح العمانية مستخدمة في ذلك خامات من البيئة المحلية ليحافظ على طابعه الشعبي المميز، بالإضافة إلى قيام البلدية برصف طرقاته وسككه وأزقته لتوفير الراحة للمرتادين والمتسوقين وزوار السوق. وشمل التطوير مجموعة من العناصر والأماكن الرئيسية بالسوق بما يبرز الملامح المعمارية العمانية الإسلامية، حيث تضمن المشروع عـمل أسقف بأشكال مستوحاة من السقوف العمانية التقليدية، كما تمت إعـادة وضع السلالم بشكل منظم أمام المحلات بأشكال هندسية جديدة وجذابة، بالإضافة إلى تنسيق شكل ولون واجهات المحلات التجارية ومواد البناء المستخدمة، وكذلك توحيد لوحات المتاجر من حيث الأبعـاد والبروز والشكل، وكذلك قامت البلدية بإعـادة تصميم مداخل السوق عـلى شكل أقواس عـمانية وتوحيد المنظر العـام لهـا.

تنبعث من السوق دوما روائح العطور الزكية كاللبان والبخور والعطور العربية، كما تتوافر فيه منتجات الحرف اليدوية كالحلي الفضية ولاسيما الحروز التي تأتي على شكل قطعة كبيرة كان في السابق يوضع في داخلها حروز لابعاد العين والحسد، وهناك ايضا الخناجر والاواني النحاسية والفخارية، بالاضافة الى المنسوجات المطرزة بالنقوش العمانية الزاهية. ولا ننسى طبعا الحلوى العمانية باشكالها وانواعها المختلفة. ويلفت السائح الايطالي جيوفاني ماركيتي الى جمال المشغولات الفضية التقليدية، اما كيفن هاريسون من جنوب افريقيا فقاده الفضول الى زيارة عُمان وبالتحديد هذا السوق بعد ان سمع عنه من اصدقائه الذين سبقوه لزيارته، واكثر ما يلفت نظر هؤلاء السياح هي الصناعات التقليدية ولاسيما الخناجر.

وحتى لو أطلق على سوق مطرح «سوق الظلام» فسيبقى سجلاً شعبياً واجتماعياً واقتصادياً يعكس الملامح العمانية في مختلف وجوهها الماضية المتميزة بالعفوية والبساطة أو الحاضرة المتمسكة بتقاليد الاجداد والمنفتحة على العالم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال