الاربعـاء 19 شعبـان 1427 هـ 13 سبتمبر 2006 العدد 10151
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نجيب محفوظ في عيون إسرائيلية

لم يشفع له تأييده كامب ديفيد واعترفوا به بعد نيله نوبل

الناصرة: ابتهاج زبيدات

قد يبدو للوهلة الأولى ان اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بوفاة نجيب محفوظ، نابع من تأييده لاتفاقية كامب ديفيد، لكن الحقيقة ان نجيب محفوظ لم يلق اهتماماً كبيراً في إسرائيل قبل نيله نوبل 1986، حيث بدأ عدد قرائه يتسع، ودخلت نصوصه المناهج. القراء التقليديون لهذا الأديب في إسرائيل هم العرب من فلسطينيين ويهود، والآخرون تعرفوا عليه في العقدين الأخيرين. اي مكانة لمحفوظ في إسرائيل؟ وماذا يقول عنه مترجمه، الروائي الشهير سامي ميخائيل، الذي التقاه، في القاهرة تكراراً؟

احب ان ارى مصر من خلال عيون نجيب محفوظ، فانا نصف عربي. ولدت في العراق وقضيت طفولتي وشبابي هناك. الحدود بين العالم العربي واسرائيل موجودة داخل مهجتي وقلبي، وفي مكان ما استطاع نجيب محفوظ ان يمس ذلك الجانب المتعلق بالحدود. ارتبطت به مثلما ارتبطت مع اميل حبيبي وكتاب فلسطينيين عرب يعيشون في فلسطين. اتمنى ان يكثر امثال محفوظ وان لا يلاحقوهم كما لاحقوه في مصر. فمثل محفوظ لا يعتبر شجاعا فحسب انما محب صادق لوطنه وبلاده وشعبه». بهذه الكلمات تحدث الروائي الإسرائيلي الشهير سامي ميخائيل عن نجيب محفوظ، الذي غادرنا أخيراً، تاركا فراغا كبيرا. فهو اليوم، أحد الأدباء العرب المقروئين جدا في اسرائيل، ليس فقط من فلسطينيي 48 بل ايضا من اليهود، خاصة الشرقيين من أصل عربي. فالعديد من هؤلاء ما زالوا يعتبرون العربية لغتهم الأم، وقاموا بتعلم اللغة العبرية فقط عندما هاجروا الى اسرائيل. قسم منهم حافظوا على تواصلهم مع لغتهم الأم وما زالوا يتكلمونها بطلاقة، ويؤلفون بها الكتب ويكتبون المقالات، ويقومون بترجمة ابداعات لادباء عرب للعبرية بينهم نجيب محفوظ.

بين هؤلاء البروفيسور ساسون سومخ، وهو يهودي من أصل عراقي، يعتبر احد كبار الباحثين في اللغة العربية. يبحث بالأساس في الأدب العربي خلال القرن العشرين من خلال تحليله لدمج عناصر أدبية حديثة باللغة العربية القديمة وفحصه لكيفية تأقلمها مع التغيرات. نجيب محفوظ يعتبر مثله الأعلى، وكتب أطروحته للدكتوراه في «جامعة أكسفورد» حول قصص نجيب محفوظ. وهو نفسه يدرس اللغة العربية في عدة جامعات في العالم وفي اسرائيل.

الكاتب العبري من اصل عراقي سامي ميخائيل الذي يبلغ الان ثمانين عاما، كان اول من ترجم بالكامل ثلاثية نجيب محفوظ، الى العبرية. الترجمة استغرقت ثماني سنوات. انسجام سامي ميخائيل مع الأديب وتماثله مع كل كلمة وردت في قصص محفوظ جعلته يتوجه الى لقائه فور توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر واسرائيل سنة 1978.

« هذه القصة العربية هي الاولى التي قرأتها بشغف بعد ثلاثين سنة من مغادرتي مسقط رأسي العراق. كنت في خضم كتابة احدى قصصي، عندما طلب اليّ البروفيسور ساسون سوميخ ترجمة الثلاثية. في البداية حاولت التملص وعندما ألح في الطلب، اشترطت سعرا عاليا للتهرب فكانت المفاجأة بالموافقة على طلبي، فلم يعد امامي سوى القبول». يقول ميخائيل: «قررت عدم قراءة الثلاثية قبل ترجمتها، فتمتعت بكل كلمة جاءت فيها. لقد كتبت من خلال حب الاستطلاع وكأنني اكتب قصة جديدة».

سامي ميخائيل يحمل في قلبه وعقله مكانة خاصة لنجيب محفوظ، وقد ازدادت هذه الرابطة بعد لقاءاتهم المتعددة التي زادت عن العشر مرات في القاهرة. فعندما تسمعه يتحدث عن محفوظ تجده يستخدم كل جوارحه، وعندما تسأله عن رأيه المهني يجيبك بتواضع لا يخلو من الهيبة: «انه من أوائل بنائي القصص الحديثة في العالم العربي، عندما ترجمته وقفت على الجانب الفني للبناء وعلى القصة والجمل ووصف الشخصيات، التي تتسم بالحداثة بشكل بليغ. اعتقد انه احد أولئك الذين أحدثوا ثورة كبيرة في الأدب العربي التي كان أساسها الشعر. نجوم الأدب العربي على مدى الأجيال كانوا من الشعراء ولم يكونوا كاتبي قصص. وأولئك الذين كتبوا قصصا مثل «ألف ليلة وليلة» دفع بهم الى الهامش وكان ذلك في الثقافة العربية القديمة أدبا هامشيا. بينما قام محفوظ بتطوير القصة ووضعها في الصف الأول في الأدب العربي، بسبب مهارته في صنع الحبكة، وأسلوبه البليغ، وتأقلمه مع الفجوة الكبيرة بين العامية والفصحى. دائما كانت اللغة ذات المستوى العالي للشعراء. محفوظ كسر هذه الفجوة ووجد بطريقته الكلمات البسيطة للوصول الى القراء العاديين، انه عكس يوسف ادريس الذي رفض الحل الوسط فكتب الوصف بالفصحى والحوار بالعامية.

«الثلاثية» ليست الرواية الوحيدة المترجمة للعبرية، فقد قامت عدة دور نشر مثل «دار نشر ـ سفريات بوعليم» ودار نشر «طالاندلس» ودار «عام عوفيد»، بترجمة عدد من روايات محفوظ. الاولى التي ترجمت للعبرية هي «اللص والكلاب» وبعدها «اولاد حارتنا» و«ثرثرة فوق النيل» التي مثلت على احد المسارح في حيفا. بالاضافة الى الثلاثية وقصص أخرى. «لا اعتقد ان هناك كاتبا عربيا حظي بترجمة للعبرية مثل نجيب محفوظ وهذه خسارة حسب رأيي لأن ذلك لا يكفي، فأنا الان في خضم ترجمة أحد كتب يوسف ادريس».

لكن كم هو عدد القراء الذين يقبلون على قراءة قصص وروايات لكتاب عرب؟ الجواب: العدد ليس كبيرا. يرون سيدان، مدير عام دار «عام عوفيد» يقول «الكتاب الجيد يتم الاقبال عليه بغض النظر عن كاتبه. فعندما قمنا بترجمة قصة الطيب صالح «موسم الهجرة الى الشمال» لاقت اقبالا كبيرا وكانت من اكثر الكتب مبيعا، والان هناك كتاب لليبي هشام مطر، وآخر لكاتبة ايرانية، وغيرهما لأفغانية تباع بكميات كبيرة. لكنني كمدير عام لدار نشر ارغب جدا بترجمة كتب اضافية من العربية. وقمت بزيارة عدة معارض كتب في العالم، لشراء حقوق الترجمة والطبع من كتاب عرب ودور نشر عربية، لكن جميع طلباتنا رفضت بعدما عرفوا اننا من اسرائيل. آمل ان تتغير الصورة في المستقبل».

ترجمة ثلاثية محفوظ التي تحمل بالعبرية عنوان «بيت في القاهرة» دفعت بالكاتب سامي ميخائيل الى الاتصال بمحفوظ والالتقاء به في القاهرة «لقاؤنا الاول كان في مقهى «ريش». انا وابناء جيلي كبرنا على الصحافة والادب المصريين. فالصحف والمجلات والكتب المصرية كانت تباع في بغداد مثلما تباع في القاهرة. والقراءة لنجيب محفوظ لم تشدني فقط الى مصر وانما الى بغداد ايضا، والعادات العربية. بعد توقيع اتفاقية السلام سافرت سنة 1982 الى مصر. «اللقاء الاول كان في مقهى ريش في القاهرة». جلسنا على شرفة على الرصيف. انا تحدثت باللهجة العربية الفلسطينية التي اكتسبتها من خلال عملي في صحيفة «الاتحاد» وصحف عربية أخرى، وهو تحدث باللهجة المصرية. وقد ابلغته بأنني قمت بترجمة ثلاثيته. كان محبا للاستطلاع واراد ان يعرف اكثر عن الادب والمجتمع الاسرائيليين والراديو. وقد جددت لمعلوماته اشياء لم يعرفها من قبل. في تلك الفترة كانت اذاعة الجيش الاسرائيلي، هي الأكثر انفتاحا، حيث كان العاملون فيها من النجوم الصحافيين، وهذا فاجأه فقال: «ربما يكون ما تقوله صحيحاً، الجنود هم اولئك الذين يدفعون ثمن الحروب ومحطة اذاعة للجنود قد تكون اكثر اتزانا مقابل الاخطاء السياسية». بالطبع انا شعرت معه بحضور شخصية كبيرة. لكن ما ادهشني منه هو تواضعه. هكذا هم العباقرة.

نجيب محفوظ كان متواضعا وخجولا. انا اذكر حادثة ظريفة معه عندما كنت واياه جالسين على الشرفة في بيته الأرضي، صعد فوق جدار الشرفة شخص ما قفز من الشارع وطرح السلام واقترب من نجيب دون ان ينطق بكلمة، فأخذ يده وفتحها وقام برشها بعطر كان بحوزته. ثم غادرنا وهو يقول «السلام عليكم» دون ان يضيف شيئاً. فسألت نجيب، قل لي، ما هذه الطقوس؟ فأجابني «لاول مرة في حياتي يحدث لي امر كهذا». ربما كان احد القراء المعجبين. انا تأثرت جدا من هذا التصرف، فأمر كهذا لم اشهده في حياتي.

ويتابع ميخائيل في حديثه عن محفوظ بالقول: «كنت ألتقيه لوحدي. وعندما تكررت لقاءاتنا عرفني على اصدقائه، وصرت التقيه بوجودهم، غالبيتهم كانوا قد سمعوا عني وقرأوا لي. تحدثنا في كل المواضيع. لنجيب كان موقف ثابت من موضوع السلام، أقام من حوله جوا من المعارضة ودفع ثمنه بمحاولة قتله. لكن مع نجيب لا اذكر انه كان بيننا نقاش حول مواضيع سياسية، فهو ابتعد عن ذلك دائما، لكنه احب الاستماع الى النكات السياسية. فقد كانت تلك النكات تضحكه كثيرا جدا، وكانت له ضحكة مميزة. المرة الأخيرة التي التقيته فيها كانت قبل اربع سنوات، وقد حزنت لحالته الصحية الصعبة. وجدت انسانا يتحرك بصعوبة، ضعف سمعه ودائما يجلس الى جانبه شاب يقول له من حضر لزيارته.

«نجيب محفوظ ويوسف ادريس هما الأقرب اليّ». يوسف ادريس ضد السلام واسرائيل وضد التطبيع لكنني اميز بين السياسة والابداع الادبي. فهو احد العمالقة الذين نشأوا في ساحة الادب العربي، لكنه كان ديبلوماسيا، السلطة لم ترض عنه، واعتقد انه سجن ايضا، فهو لم ينل الاحترام الذي يستحقه ككاتب واديب. مثلما يحتفظ رجل دين يهودي بكتاب التوراة والمسلم يحتفظ بالقرآن انا احتفظ بصالون بيتي بجزءين كبيرين من قصص يوسف ادريس باللغة العربية، واقوم باستمرار بقراءتهما وأتأثر بهما دائماً». رغم هذا الحب لم يفكر ميخائيل في لقاء ادريس اولا لانه يعرف مواقفه السياسية وثانيا لكون ميخائيل خجولا كما يقول عن نفسه، وهو غير مستعد لاحراج الآخرين.

ميخائيل يجيب عن سؤال حول اليهود الذين يقرأون لكتاب عرب بالقول:

«للأسف هم ليسوا كثيرين، لكن عندما ترجمت الثلاثية لاقت تجاوبا ايجابيا، كذلك الكتب الاخرى التي ترجمت لمحفوظ في السابق، لكن ايا منها لم تكن في قائمة الكتب الاكثر مبيعا. لذلك فإنه لا توجد معرفة في اسرائيل حول الادب والادباء العرب. ونجيب محفوظ اكثر الادباء المعروفين لدى اليهود لأنه حصل على نوبل. وقد بدأوا بالتعرف على نتاجه فقط بعد تلقيه الجائزة. وأصبح يدرس في المدارس والجامعات بشكل محدود». والسبب بحسب ميخائيل هو «لأسفي الشديد كون القارئ العبري مبرمجا لاستيعاب وفهم وتقدير والحكم من وجهة نظر غربية».

التعليــقــــات
ماجد عمرو - الخليل ( فلسطين )، «المانيا»، 15/09/2006
أحوز في مكتبتي عشرات الروايات العربية والغربية، قد تفوق في عددها الثلاثمئة، وقد قرأتها جميعا، فلم يلفت انتباهي من رواتها سوى راوئيين هما : نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وهذا ليس من باب التعصب للمسلم أو العربي، لكن الإبداع العبقري الفذ قد طغى على مؤلفاتهما الروائية، فكان قاسما مشتركا طغى بدوره على اتجاهاتهما السياسية والفكرية المتناقضة. رحم الله محفوظ ومنيف.
أحمد صلاح، «مصر»، 21/09/2006
موضوع رائع جدا.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال