الاربعـاء 26 شعبـان 1427 هـ 20 سبتمبر 2006 العدد 10158
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

كتاب موسوعي عن «قصور الحمراء» يستعيد أسطورتها

تمثل ديوان العمارة والفنون العربية بالأندلس

القاهرة : صابرين شمردل

«قصور الحمراء ـ ديوان العمارة والنقوش العربية»، الذي أصدره مركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية للباحث الدكتور محمد عبد المنعم الجمل، هو بمثابة موسوعة ثقافية ضافية، ترصد وتحلل الأشعار والنقوش الكتابية التي تزين جدران قصور ونافورات الحمراء بالأندلس، وتطور العمارة الإسلامية بها، منذ عصر بني أمية وحتى عصر بني نصر آخر ملوك وسلاطين غرناطة والذين يرجع إليهم الفضل في إنشاء مجموعة قصور الحمراء بوحداتها المعمارية الفريدة وبساتينها التي تتخللها الجداول والبرك الصناعية الخلابة. ويستعرض الكتاب وجهات نظر الباحثين في هذه النقوش، وقيمتها الفنية والأثرية في تاريخ الفن.

يذكر المؤلف في تقديمه لكتابه الموسوعي، أن هذه القصور كانت مصدر إلهام للكثير من أدباء الغرب في تاريخنا المعاصر. فقد اجتذبت بأجوائها الساحرة الكاتب الأميركي الشهير أرفنج واشنطن، ليقضي بين ربوعها فترة من الوقت يستلهم منها مادة لقصصه ورواياته، كما عاش بين ربوعها الموسيقي الاسباني مانويل دي فابا، وشاعر اسبانيا الشهير جارسيا لوركا، والأديب الفرنسي شاتوبريان، واستلهم من أجوائها أخيرا الروائي الاسباني أنطونيو جالا روايته الشهيرة «المخطوط القرمزي» التي تدور أحداثها في قصور حمراء غرناطة في أواخر عصر بني الأحمر. وكانت هذه القصور مصدر وحي لعدد من الشعراء والكتاب العرب منهم الشاعر أحمد شوقي والشاعر نزار قباني والكاتبة رضوى عاشور في روايتها «ثلاثية غرناطة».

قسم المؤلف موسوعته إلى ستة فصول زودها بمجموعة نادرة من اللوحات والصور والخرائط والوثائق المتنوعة والشرائح الكروكية، ليقف القارئ على مراحل تطور العمارة الإسلامية وخصائصها، وتطور صناعة النقوش الكتابية والمواد الخام المستخدمة فيها. ففي الفصل الأول يركز على الطراز المعماري الأندلسي بشكل عام، مستعرضا نشأته والروافد الثقافية والاجتماعية والسياسية ومدى تأثيرها في طرق تشكيله فنيا وجماليا. ثم يعرض لمنشآت بني نصر بقصور الحمراء، والنواة الأولى للحمراء في عهد محمد بن نصر وخلفائه وتاريخ إنشاء كل مجموعة منها، حتى بلغت قصور الحمراء أوج جمالها في عصر السلطان يوسف الأول وابنه السلطان محمد الخامس «الغني بالله»، ويحرص المؤلف على تقديم ترجمة ذاتية لهؤلاء السلاطين والثورات والفتن والحروب التي تعرضوا لها وخاضوها، موضحا مدى تأثيرها على عملية البنيان، وما فرضته أحيانا من اللجوء لعمارة الحصون والقلاع والأسوار.

ثم يتناول المؤلف بالتفصيل شعراء بني نصر ومعظمهم كانوا من رجال العلم والأدب الذين ترأسوا ديوان الإنشاء ووصل بعضهم إلى منصب الوزارة في حمراء غرناطة، ومن هؤلاء الشعراء الوزراء أبو الحسن الجياب، ولسان الدين بن الحطيب، وابن فركون. ويتناول أشعار الشاعر ابن زمرك، موضحا أنه ليس شاعر الحمراء الوحيد مثلما شاع بين معظم الباحثين لفترة طويلة. ويسجل المؤلف ملاحظة شديدة الأهمية حيث يوضح أن معظم أشعار هؤلاء الشعراء المنقوشة على جدران قصور الحمراء ونافوراتها كانت تكتب بغرض زخرفي للتغني بوصف تلك القصور والنافورات والتفاخر بأمجاد ملوك وسلاطين وأمراء العرب في الأندلس. ومن هذه الأشعار أبيات للشاعر ابن الجياب بالقاعة الرئيسية لبرج الأسيرة والذي يعد من أجمل منشآت السلطان يوسف الأول، يقول فيها:

برج عظيم الشأن في الأبراج.. قد باهت الحمراء منه بتـاج

قلهرة ظهرت لنا واستبطنت.. قصرا يضيء بنوره الوهاج

فيها بدائع صنعة قد نوظرت.. نسبـا من الأفراد والأزواج

من آل سعد من بني نصر ومن.. نصروا وآووا صاحب المعراج.

وفي الفصل الثاني يدرس المؤلف الخصائص الفنية للنقوش الكتابية في الأندلس، موضحا أهمية الخط العربي في إبراز قيمها الفنية والجمالية، وكيف تحول هذا الخط إلى صناعة انتشرت واتسعت وأصبح لها أرباب من المشتغلين بها من الصناع والنقاشين والفنانين والخطاطين.

ويوضح في هذا السياق أسباب تمسك أهل الأندلس بالخط الكوفي بشقيه المضفر والمترابط لفترات طويلة من دون غيره من الخطوط، وهي أسباب دينية وسياسية ارتبطت في المقام الأول بكتابة القرآن وتجويده، وباللغة العربية والدين الإسلامي من ناحية أخرى. واستعرض المؤلف أيضا المواد الخام المستخدمة في النقوش الكتابية التي ازدانت بها قصور الحمراء من حجر ورخام وجص وزليج، موضحا مدى توافرها في الأندلس، ثم استعرض بعد ذلك الطرق المستخدمة في إعداد النقوش وتنفيذها بالحفر والقش والصب في قوالب.

وفي الفصل الثالث، قدم المؤلف دراسة وصفية ممتعة للنقوش الكتابية، موضحا أماكن تمركزها، كما قام بتصحيح بعض الأخطاء التي اشتملت عليها العديد من المراجع، معتمدا في ذلك على الصور التوضيحية التي قام بتنفيذها، وتتبع أخبار تلك النقوش في المصادر التاريخية والأدبية، بالإضافة إلى دواوين الشعراء التي تزين قصائدهم قصور الحمراء، مشيرا إلى أنها تشكل المصادر الرئيسية لمعرفة القراءات الصحيحة لتلك النقوش، وفي الوقت نفسه، معرفة النقوش الأصلية التي أزالتها أعمال التشويه والترميم العشوائي في القرون الماضية.

ويفرد المؤلف في الفصلين الرابع والخامس مساحة كبيرة لدراسة الخصائص الفنية للنقوش الكوفية، وكيفية اتخاذها صورا زخرفية متنوعة، حيث يمثل بعضها عقودا مفصصة، وأخرى أشكالا هندسية متباينة، وهو ما يشهد ـ على حد قول المؤلف ـ بطواعية هذا الخط وقدرات الفنان الغرناطي على التنويع والتشكيل في صور وأشكال الحروف، ويقارن المؤلف بين هذا النمط من الخط الكوفي الزخرفي في الأندلس وبين نماذج له في المشرق الإسلامي من خلال منهج علمي يتخذ من التحليل الدقيق لصور الحروف وأشكالها وسيلة لقراءة ما تنطوي عليه من رؤى ومضامين ودلالات متنوعة، مستخدما مجموعة من الصور توضح ملامح تطور كل حرف وجمالياته الخاصة الكامنة فيه والأخرى التي يكتسبها من مسارات تشكله في اللوحة أو النقش.

وفي الفصل الخامس يدرس المؤلف الخصائص الفنية للنقوش المسجلة بالخطوط اللينة النسخ والثلث، موضحا أشكالهما ومظاهر تطورهما في قصور الحمراء، مع المقارنة بأوصافهما كما وردت في المصادر العربية المتخصصة في الخط العربي، مثل «صبح الأعشى للقلقشندي» و«تحفة الألباب في صناعة الخط والكتاب» لابن الصايغ وغيرهما.

ويحلل المؤلف في الفصل السادس مضمون النقوش الكتابية والشعارات التي تضمنتها، وبخاصة شعار بني نصر «ولا غالب إلا الله»، موضحا الدوافع السياسية التي دفعت إلى هذا الشعار والمعنى الرمزي لحروفه، كما يحلل مضمون النقوش الأخرى، والتي تتمثل في عبارات دعائية، ومدائح، وعبارات وصفية للقاعات والقصور، بالإضافة إلى آيات من القرآن الكريم، وبعض العبارات الدينية، وكلمات تنطوي على الأماني الإنسانية الطيبة. ثم يتحدث بعد ذلك عن الألقاب الواردة في النقوش ومقارنتها بالألقاب التي سبقت عصر بني نصر، والألقاب والشعارات التي انتشرت في المشرق. ويقدم بعد ذلك دراسة وصفية يحلل فيه العناصر الزخرفية المرتبطة بالنقوش وتشمل زخارف نباتية وهندسية وألوان متعددة، موضحا القيمة الفنية والجمالية للنقوش الكتابية التي تزين قصور الحمراء.

ويخلص المؤلف من دراسته الموسوعية القيمة إلى حقيقة مفادها، إن النقوش الكتابية التي تزين جدران قصور وأبراج ونافورات الحمراء مع النقوش العربية التي وصلت إلينا من الأندلس، تؤكد أن الفنان الغرناطي كان صاحب مدرسة متميزة في فن النقش الكتابي، تميزت بالثراء الزخرفي والفني وبملامح خاصة أثرت فن الخط العربي بأبعاد جمالية متنوعة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال