الثلاثـاء 15 رمضـان 1421 هـ 12 ديسمبر 2000 العدد 8050
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تعاملات B2B: تطوير نموذج تقليدي وحديث للخروج من عنق الزجاجة

توني سباركس: «على العرب أن يتعلموا من الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها الغرب عندما بدأت مؤسساته باعتماد الإنترنت كوسيط للقيام بالأعمال»

لندن: وليد الأصفر
يلاحظ المتتبع لأمور الإنترنت كيف تحتل التجارة الإلكترونية وما يتعلق بها النصيب الأكبر عند الحديث عن أثر هذه الشبكة العالمية على حياة البشر، وكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مصطلحات هامة تتعلق بها، يأتي في مقدمتها مصطلح B2B، الذي يعني التبادل الإلكتروني بين الشركات. ونظرا لأهمية هذا الموضوع حصلت «الشرق الأوسط» وبالتعاون مع «واليس» للاستشارات التسويقية في دبي، على لقاء خاص مع الخبير توني سباركس، الذي يشغل منصب مدير وحدة التجارة الإلكترونية في شركة إتقان، ومقرها أبوظبي، في دولة الإمارات العربية المتحدة، لالقاء الضوء على معنى التبادل الإلكتروني بين الشركات، وأهميته للمنطقة العربية. ويسرنا أن نتقدم بالشكر الجزيل للسيد نوفل الجوراني على تعاونه في عقد هذا اللقاء.

* ما المقصود بالتبادل الإلكتروني بين الشركات على الإنترنت B2B؟

ـ يعتمد التبادل أساسا على فتح قناة اتصال رقمية بين طرفين. والطريقة الوحيدة التي يصبح فيها التبادل التجاري عبر الإنترنت حقيقة واقعة هو من خلال التبادل المادي لبيانات الشركات بصورة إلكترونية، وذلك بتحقيق قناة اتصال الكترونية بين شركتين، أو أكثر، يتم من خلالها القيام بشتى النشاطات التي يتم القيام بها اعتياديا في الواقع التقليدي.

وينطوي هذا الأمر على ضرورة توافر بنية تحتية مشتركة لنجاح عمليات التبادل التجاري الإلكترونية بين الشركات عبر الإنترنت. أي، كي أتاجر إلكترونيا علي أن أتيح للأنظمة التقنية المتوفرة لدى الشركات الأخرى أن تتفاعل مع أعمالي. وهو الأمر الذي يعني بدوره أن الشركات كي تقوم بأعمالها التجارية إلكترونيا عبر الإنترنت، عليها أن تمتلك المقومات التقنية المطلوبة للقيام بذلك.

* إذاً ما هي مقومات نجاح التبادلات الإلكترونية بنظركم؟ ـ ينبغي توفر عاملين أساسيين لنجاح أي تبادل تجاري إلكتروني على الإنترنت، هما التكامل المتناهي لعملية التبادل (Seamless Integration)، والشفافية (Transparency). والمقصود بالتكامل المتناهي لعملية التبادل الإلكترونية، هو أن تتم تماما من خلال التفاعل الثنائي بين الأنظمة الموجودة في كل من الشركات التي تقوم بهذه العملية على الإنترنت. أي أنه وعند القيام بعملية طلبية شراء معينة على الإنترنت من قبل إحدى الشركات للشركة الأخرى، لا ينبغي أن تكون هناك حلقة وسيطة لإدخال بيانات التبادل من قبل العاملين في إحدى الشركتين. فالتكامل المتناهي لعملية التبادل الإلكترونية يكمن اساسا في عدم تدخل العنصر البشري في عملية التبادل التي تتم على الإنترنت.

أما المقصود بالشفافية، فهو أن تصبح أنظمة الشركات التي تمارس نشاطاتها التجارية إلكترونيا عبر الإنترنت وكأنها جزء من أنظمة الشركات الأخرى التي يجري معها التكامل. وهذا بدوره يعني أن الشريك التجاري يصبح امتدادا لنظام الشركة وكأنه جزء من فريق العمل التابع للشركة. فلو فرضنا أن شركة ما تريد شراء مجموعة من أدوات القرطاسية، فسيقوم قسم المشتريات في الحالة التقليدية باتباع الإجراءات المعتمدة، وأغلبها ورقية في واقع الحال، ومن ثم القيام بعملية الشراء، لكن في حالة التبادلات التجارية الإلكترونية، يحدث الأمر بشكل مغاير تماما، إذ كل ما يحصل هو إدخال الموظف المسؤول لبيانات الشحنة المطلوبة، وإرسالها إلكترونيا، حتى يتولى الطرف الآخر القيام بكل الإجراءات بالوقت الفعلي. والآلية التي أفضت إلى وصول الأمر إلى الطرف الآخر، الشريك التجاري (المزود)، هي شفافة تماما، أي أن المستخدم لا يراها ولا يشعر بها بتاتا ولديه كل الثقة في أن التبادل قد حصل فعلا.

* وما هو المطلوب تقنيا لتحقيق هذا النوع من الامتداد التجاري بين الشركات؟ ـ إذا كانت الشركة «س» تحصل على احتياجاتها من القرطاسية على سبيل المثال من مزود واحد، فستكون بحاجة إلى اعتماد بنية تحتية تقنية تتناسب وتلك التي يعتمدها ذلك المزود. أما إذا كانت تعتمد على أكثر من مزود في الحصول على احتياجاتها من الأسواق، وهو الأمر المتبع في أغلب الحالات، فإن عليها أن تطور نظاما خاصا يتناسب والنظام المعتمد لدى كل موزع على حدة. وهو أمر مكلف وغير عملي، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ما يدعى اليوم ببوابات التبادلات التجارية على الإنترنت (B2B Exchange Portals).

* ولكن ما المقصود ببوابات التبادل التجاري بين الشركات على الإنترنت، وكيف تعمل هذه التبادلات أصلا؟ ـ تمثل بوابة التبادل التجاري على الإنترنت مجموعة من القوانين الإلكترونية التي تتيح للشركات القيام بنشاطاتها التجارية عبر الإنترنت. وإذا عدنا إلى مثال القرطاسية أعلاه، وافترضنا أن الشركة «س» احتاجت الحصول على القرطاسية من الشركة «ص» والشركة «ن» والشركة «ج» في وقت واحد، وإذا كانت كل من هذه الشركات تتبع نظاما تبادليا مختلفا عن الأخريات، فالأمر هنا سينطوي على قدر كبير جدا من التعقيد والتكاليف الباهظة إن أرادت الشركة «س» أن تتعامل مع هذه الشركات. من هنا ظهرت بوابات التبادلات التجارية (Exchange Portals)، التي تمثل أساسا تطورا طبيعيا لمفهوم التبادل الإلكتروني بين الشركات B2B. إذ تتيح التبادلات للشركة «س» مثلا أن تتعامل مع كل الشركات المزودة للقرطاسية في وقت واحد من دون الحاجة إلى تطوير نظام يتناسب وأنظمة هذه الشركات.

* أين العالم العربي من هذا كله؟ ـ خلافا للتوقعات التقليدية، ولا سيما أن العالم العربي كان وراء العالم الغربي في استيعاب التقنيات والاستراتيجيات الجديدة على الأقل، إلا أنه يمكنني القول ان العالم العربي في موقع ممتاز الآن، ويعود ذلك ببساطة لقدرته على استخدام التقنيات التي وصلت إلى مرحلة النضوج الآن، والقفز مباشرة إلى موقع عالمي ومقارب تماما إلى ما يسير عليه العالم اليوم.

المهم أن على العرب أن يتعلموا من الأخطاء الكثيرة والكبيرة التي وقع فيها الغرب عندما بدأت مؤسساته التعاطي في استخدام الإنترنت كوسط للقيام بالأعمال. ومثال على ذلك كثرة شركات «دوت كوم»، التي تظهر بشكل كبير هذه الأيام، وتفشل فشلا ذريعا في الوقت ذاته. ليس هذا وحسب، بل تمت خسارة الكثير من الثروات والأموال الطائلة التي تم استثمارها في هذه المشاريع. المشكلة الحقيقية هنا، وهذا ينطبق على العالمين العربي والغربي على حد سواء، تكمن في انعدام توفر النماذج المالية المناسبة لتوليد الأرباح من شركات «الدوت كوم». وتحاول الكثير من هذه الشركات الآن تطوير نموذج مالي يحقق لها الأرباح المرجوة، لكن من دون جدوى في أغلب الأحوال. والمفارقة، أن العديد من هذه الشركات لها قيمة مالية كبيرة جدا، قد تصل إلى مليارات الدولارات، في أسواق البورصة العالمية. والحل أمام شركات العالم العربي للخروج من عنق الزجاجة، يكمن في العمل على تطوير نموذج عمل هجين (Hybrid Business Model)، يعتمد من جهة على أساليب العمل التقليدية تماما، وعلى أساليب إدارة الأعمال إلكترونيا على الإنترنت من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه.

* وهل ترى أن المؤسسات العربية جاهزة لاعتماد هذا النموذج الهجين؟ ـ العرب تجار بالفطرة. وهم يدركون تماما مفهوم المتاجرة، وهو المرتكز الأساسي الذي يقوم عليه الاقتصاد الدولي الجديد. والجديد في الأمر الآن، أن الأمر لم يعد يركز على من يمتلك المنتج الذي يتم بيعه، بل المهم الآن من يقوم بالمتاجرة بالمنتج وكيف. هذا هو أساس التجارة الحديثة.

والمثير للانتباه فعلا في العالم العربي، أن هنالك بعض الحكومات، كما يجري في دبي على سبيل المثال، تملي على الشركات وعلى البلد بأسره أن يتجه إلى اعتماد أساليب وتقنيات التبادل الإلكترونية سواء في الأعمال التجارية، أو في أي من النشاطات الأخرى للدولة. وبصراحة، لا يوجد هنالك مكان آخر في العالم، على حد علمي، تقرر فيه الحكومة الاتجاه إلى التجارة الإلكترونية بهذا الحماس كما هي الحال في دبي.

* أشرت قبل قليل إلى أن هنالك ثلاث موجات تطورت فيها التجارة الإلكترونية على الإنترنت. أين ترى موقع العرب ضمن هذا التقسيم؟ ـ تمكن العرب من الانتقال، وبشكل مباشر، من أعلى الموجة الأولى إلى بداية الموجة الثالثة. وذلك لأنهم وصلوا متأخرين إلى الموجة الأولى، وبدأوا مبكرين في الموجة الثالثة، وهذا أمر جيد.

* ما هي متطلبات الدخول إلى عالم التجارة الإلكترونية للشركات والمؤسسات في العالم العربي؟ ـ نتيجة للترويج الإعلامي الكبير الذي يشهده العالم حاليا لفضائل التجارة الإلكترونية ومزاياها العديدة، ونتيجة للتوجهات الحكومية في بعض بلدان العالم العربي كما أسلفنا، هنالك تهافت، يبدو لي أنه غير محسوب تماما، من الكثير من الشركات في العالم العربي على الانتقال بأعمالها إلى الإنترنت. هذا التوجه بحد ذاته مقبول، بل وصحي للغاية. لكن، الأمر أكبر بكثير من مجرد «شراء» تقنية معينة واستخدامها، حتى نقول اننا نمارس نشاط أعمالنا التجارية عبر الإنترنت. تحتاج العملية إلى دراسة كبيرة في كيفية التوصل إلى نموذج عمل (Business Model) صحيح يتيح لنا فعلا أن نمارس النشاط التجاري على الإنترنت بشكل مربح وذي مغزى. لأن الغالب على أقسام تقنية المعلومات الموجودة في المؤسسات العربية الآن، في وجهة نظري، من النوعية التي تملي سياسة نموذج العمل، بدلا من أن تكون هذه الاستراتيجية المهمة متولدة من نموذج العمل الذي تعده وتقره الأقسام التسويقية المتخصصة في تلك الشركات، إلا أن هذا سيتغير مع الوقت، وستهدأ الموجة ويتضح لاحقا جدوى التركيز على نماذج واستراتيجيات العمل بدلا من التركيز فقط على التقنيات الحديثة في إدارة الأعمال.

* لنتحدث عن المستقبل. أين ترون مسيرة التجارة الإلكترونية في العالم العربي في العام أو العامين المقبلين على الأقل؟ ـ في الوقت الحالي، يبدو لي أن هنالك الكثير من بوابات التبادلات التجارية (B2B Portals) في المنطقة، إلا أنها معزولة ومستقلة، أي أنها تقوم ككيانات مستقلة بذاتها، من دون أن يوجد اتصال في ما بينها. وهو الأمر الذي سيخلق حالة من الاضطراب عند احتياج هذه التبادلات للاتصال في ما بينها نتيجة لاختلاف الأنظمة المتبعة في كل منها. وما سيحدث في المستقبل القريب هو ميلٌ لعملية الاتصال بين التبادلات نفسها، وسيصبح لدينا نموذج للتبادلات الإلكترونية بين بوابات التبادل نفسها يمكن تسميته بالمصطلح Exchange To Exchange Transactions أو E2E اختصارا، نتيجة لإدراكها أنها لا تستطيع العمل والنجاح في الاقتصاد الرقمي الجديد بمعزل عن الأخريات، وهو الأمر الذي سيشكل الموجة الرابعة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال