السبـت 25 محـرم 1424 هـ 29 مارس 2003 العدد 8887
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جمعية أهلية مغربية تبحث علاقة الغازات السامة بإصابات السرطان بين أبناء منطقة الريف

الحسيمة (المغرب): محمد الراوي
أكد أمين عام جمعية الدفاع عن ضحايا الغازات السامة في منطقة الريف المغربي إصرار جمعيته على عقد ندوة علمية دولية، قال إن السلطات المغربية منعتها مرتين. واوضح أن موضوع الندوة هو تحديد علاقة الغازات السامة بداء السرطان الذي يفتك بأبناء جبال الريف (شمال شرق المغرب).

وقال عمر المعلم لـ«الشرق الأوسط» في مدينة الحسيمة، حاضرة منطقة جبال الريف، ان الجمعية مصرة على تنظيم ندوتها الممنوعة حتى لو تم ذلك خارج المغرب، مشيرا إلى أن عدة شخصيات وجمعيات أهلية في أوروبا عبرت عن استعدادها لدعم هذه المبادرة الهادفة إلى دفع إسبانيا إلى تحمل مسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عن الغازات السامة التي ألقتها قواتها على المنطقة خلال حرب الريف قبل ثمانية عقود. واضاف أن جمعيته أصبحت اليوم أمام اختيارين، إما رفع دعوى قضائية أمام محكمة الجزاء الدولية في لاهاي، أو الضغط على السلطات المغربية لتكوين لجنة من الخبراء لتحري الموضوع.

* غازات سامة

* وكان سكان جبال الريف، بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، قد قاوموا قوات الاحتلال الإسبانية وألحقوا بها هزيمة نكراء في معركة أنوال عام 1921، فعمدت إلى إلقاء مئات الأطنان من القنابل شديدة الانفجار، قبل أن تجرب لأول مرة في تاريخ البشرية إلقاء الغازات السامة بالطائرات بدءاً من عام 1924. واستمرت في ذلك إلى ما بعد استسلام آخر المجاهدين عام 1926. وبخصوص الغازات المستعملة في حرب الريف، ذكرت مصادر غربية متعددة أن القوات الإسبانية ألقت على المجاهدين غاز الخردل وغاز «كرون بيكرينا» وغاز الـ«فوسجين» وغازات أخرى، كان لها أثر كبير على نفسية المجاهدين الريفيين، وهو ما أدى إلى استسلام القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي يوم 26 مايو (أيار) 1926 بمنطقة «ستادا» من قبيلة «بني يطفت»، ونفيه إلى جزيرة «لارينيون».

ويعتبر الحاج حدو القايد عمار، 102 سنة، وهو من بلدة «أجدير»، من بين قلة نادرة ممن عاشوا تلك الأحداث، اذ كان في عز شبابه عندما كانت الطائرات الإسبانية تلقي غازاتها السامة على المجاهدين في جبال الريف قبل ثمانية عقود. وظلت تلك المناظر المروعة من الذكريات عالقة حتى اليوم في ذهنه. وقال هذا الشيخ الوقور إن الغزاة الإسبان ضربوا المنطقة بـ«أرهاج» (السم باللهجة الامازيغية)، وأصيب السكان إصابات خطرة، فمات كثير منهم، وأصيب بعضهم بالعمى مؤقتا، فيما فقد آخرون ابصارهم. وعانى كثيرون من حروق وتشوهات جلدية. واضاف أن أهل المنطقة كانوا يعالجون التشوهات الجلدية بزيت الزيتون الساخن أو بعصير الليمون. كما كان المجاهدون يعمدون إلى تغطية أفواههم وأنوفهم بخرق مبللة بالماء لتفادي استنشاق «أرهاج» (السم).

وأكد محمد الريفي، المعروف باسم «سانتياغو»، 95 سنة، أن المواقع والبقع الأرضية التي تفجرت فيها قنابل الغاز السام لم ينبت فيها منذ ذلك الوقت اي غرس او نبات. والمناطق الأكثر تضررا كانت هي قبائل «بني ورياغل» وحاضرتها بلدة «أجدير». كما شملت الإصابات مناطق أخرى من بينها «بني بوفراح» و«تيزمورين» والمنطقة الساحلية، بل أصيبت حتى منطقة «شفشاون» البعيدة نسبيا.

لكن لماذا تأخر طرح الموضوع كل هذه العقود؟ قال المعلم في هذا الصدد إن فكرة تأسيس جمعية الدفاع عن ضحايا حرب الغازات السامة بالريف، ظهرت مطلع التسعينات بعد نشر كتاب «حرب الغازات السامة بالريف» للباحثين الألمانيين كونس ومولر، وفيه معلومات شافية عن تلك الغازات. وساهم في ذلك انتشار أخبار حول وجود علاقة بين تلك الغازات وداء السرطان الذي أصبح منتشرا بكثرة في المنطقة، فبادرت مجموعة من أبناء الضحايا وأحفادهم إلى إعلان ميلاد الجمعية، التي جاءت لتبحث هل هناك علاقة علمية مباشرة بين السرطان والغازات السامة.

وأضاف المعلم أنه في حال ثبوت هذه العلاقة يصبح الهدف الأول هو الضغط على الدولة الإسبانية وحلفائها لتقديم اعتذار رسمي لأبناء منطقة الريف عن هذه الجريمة، وتحمل مسؤولياتها حيال الضحايا، وجبر الضرر ببناء مشاريع ذات طابع إنساني، مثل إقامة مستشفى متعدد الاختصاص لاستقبال المصابين بداء السرطان.

وأوضح أن ما تسعى الجمعية لتأكيده هو علاقة السرطان بالجينات الوراثية، أي مدى انتقال الداء بالوراثة من جيل لآخر، وأن المسؤولين في معهد الأنكولوجيا (دراسات السرطان) بالرباط، يشيرون الى أن 49% من المغاربة المصابين بالسرطان هم من أبناء منطقة الريف. ولا يمكن أن يكون لهذه الحقيقة المفزعة من سبب غير تلك الغازات السامة. خاصة أن المشاركين في حرب الريف قضى معظهم ولم يبق منهم سوى أقلية تعد على الاصابع.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال