الثلاثـاء 29 جمـادى الثانى 1430 هـ 23 يونيو 2009 العدد 11165
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

في مؤتمر دولي حول التنوع الثقافي: الثقافة حصانة ضد التعصب والتمييز على أساس المعتقدات الدينية

ترشيح تونس عاصمة إسلامية لحوار الحضارات

جانب من أعمال المؤتمر الدولي لحوار أتباع الديانات في مدريد (أ. ب)
تونس: آمال موسى
في إطار الاحتفال بالقيروان عاصمة للثقافة الإسلامية، انتظم أخيرا في تونس مؤتمر دولي حول حوار الحضارات والتنوع الثقافي، وذلك بالتعاون بين تونس ممثَّلة في وزارة الثقافة والمحافظة على التراث والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) والمنظمة الدولية للفرانكوفونية.

وقد بلغ عدد المشاركين في أعمال المؤتمر أكثر من مائة دولة ومنظمة متبنية لقيم الحوار ومؤمنة بها. ومما أضفى على المؤتمر هالة خاصة هو نجاح المنظمين في جمع شخصيات سياسية وثقافية رفيعة المستوى وذائعة الصيت ونذكر منهم على سبيل المثال الأمين العام للمنظمة الدولية للفرانكوفونية عبدو ضيوف والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ونائبة الرئيس السوري نجاح العطار وأغلب وزراء الثقافة العرب.

وتناول مؤتمر حوار الحضارات والتنوع الثقافي الذي تم افتتاحه في قصر قرطاج الرئاسي بإشراف الرئيس بن علي ثم انطلقت أشغاله في مدينة القيروان ثلاثة محاور رئيسية وهي:

ـ تقييم وضعية حوار الحضارات والتنوع الثقافي.

ـ شروط حوار الحضارات والتنوع الثقافي.

ـ التعاون الدولي والآليات الكفيلة ببناء حوار الحضارات من أجل احترام التنوع الثقافي.

ولقد تمخضت أعمال المؤتمر عن إعلان ما أطلق عليه «إعلان القيروان» الذي تضمن رؤية واضحة وشاملة لمسألة حوار الحضارات والتنوع الثقافي.

فما أهم المواقف والأفكار التي قدمها المشاركون في المؤتمر؟ وما البنود الرئيسة لإعلان القيروان؟

قال عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث التونسي إن عقد هذا المؤتمر يعد تجسيدا للتوافق في الرأي بين الأطراف الثلاثة المشاركة في تنظيمه، حيث انطلق من اقتناع مشترك بأن حوار الحضارات والاعتراف الفعلي بالتنوع الثقافي كفيل بالإسهام في الحد من النزاعات وفي بلورة رؤية مشتركة لتضامن المجتمعات البشرية. وأشار إلى أن تونس عُرفت على امتداد تاريخها بكونها مهد الحضارات العريقة وهي حريصة على أن تظل وفية في عهدها الحديث لموروثها وتقاليدها الأصيلة فكان لها كثير المبادرات في هذا المجال منها عهد قرطاج للتسامح الذي صدر بالتعاون مع منظمة اليونسكو في 21 أبريل (نيسان) 1995 وإحداث كرسي بن علي لحوار الحضارات والثقافات وإنشاء الصندوق الدولي للتضامن فضلا عن كثير الندوات التي خُصصت لتعميق النظر في القضايا المتصلة بنبذ التعصب والتطرف والإرهاب، مبينا كيف أسهمت تونس في نشر صورة مشرفة للإسلام عبر التعريف بالفكر الاجتهادي والتنويري، فكر الاعتدال والوسطية.

وفي معرض حديثه عن القيروان أوضح الباسطي أن هذه المدينة ظلت على مدى أربعة قرون عاصمة للثقافة الإسلامية في إفريقيا والأندلس وفي المتوسط وفي إفريقيا جنوب الصحراء بفضل تفاعلها الإيجابي مع الثقافات التي تحيط بها، وفي هذا السياق يتنزل بيت الحكمة القيرواني الذي يمثل نموذجا لحضانات الحوار بين الثقافات فضلا عن احتضانه لعلماء وحكماء ينتسبون إلى ديانات وأجناس مختلفة اختص هذا البيت بترجمة الآثار الأجنبية، والترجمة هي أرقى ضروب الحوار مع الأخر.

وقال الدكتور عبد العزيز التويجري مدير عام الإيسيسكو إن تنوع الحضارات مصدر غني للحياة الإنسانية علينا المحافظة عليه، في إطار تعاليم ديننا الحنيف، وثقافتنا الإسلامية، التي يشهد لها التاريخ بتعايشها السلمي واحترامها لأتباع الأديان الأخرى، على اختلاف لغاتهم وثقافتهم وحضاراتهم، فكان هذا الاحترام مثالا بارزا في التاريخ البشري، وخير دليل على نبل الثقافة الإسلامية وتميزها وتشبعها بقيم الحوار والاحترام والتسامح، مضيفا في نفس السياق أن «الإنسانية تتطلع اليوم إلى الخروج من دوامة النزاعات المستنزفة للقدرات والطاقات، ومن دائرة الصراعات المفتعلة الرامية إلى فرض الأمر الواقع على المجتمع الدولي، مما يهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة ويدفع بالقوى العنصرية المتطرفة المعادية للعدل والسلام، إلى ممارسة سياستها الظالمة ضد مصالح الشعوب، الشيء الذي يتطلب تعزيز الحوار بين الحضارات، بوصفه اختيارا استراتيجيا يفتح أمام الإنسانية آفاقا واسعة لبناء عالم جديد، وأصبحت المنجزات الحضارية متاحة للجميع وليست حكرا على دولة دون أخرى. كما أن بروز عدة بؤر للتوتر وحالات خرق حقوق الإنسان وأشكال التمييز القائم على أساس المعتقدات الدينية وتنامي آفة الإرهاب واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين وسورية ولبنان كلها عوامل عرقلت الجهود الدولية لتعزيز الحوار والتحالف بين الحضارات».

كما كان هذا المؤتمر مناسبة أعلن فيها الدكتور التويجري عن القرار الصادر عن الدورة 36 لمجلس وزراء الخارجية للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في دمشق والقاضي بتأييد ترشيح تونس عاصمة إسلامية لحوار الحضارات.

من جهته أشار الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري، إلى أن الحوار بين الحضارات يشكو من اضطراب وما زال ضيق النطاق لأنه ينحصر بين الحضارات العربية الإسلامية والعرب، مضيفا أن نجاح الحوار يقتضي الاحترام المتبادل للشرعية الدولية ووقف العدوان على الشعوب المستضعفة وإعادة الحقوق إلى أصحابها خصوصا أن العرب أثبتوا إرادة صادقة في خيار السلام خلال تمسكهم بالمبادرة العربية للسلام رغم تلاعب الطرف الإسرائيلي.

أما ماما دوديوف وهو أستاذ في جامعة كولومبيا الأميركية فقد ذكر أن الحضارة حضارات ولا مفر من إيلاء كل الثقافات والأديان نفس القيمة والتقدير. في حين أن ريمولد فيبير رئيس جمعية «ثقافة وتنمية» في فرنسا شدد على أهمية أن الرأسمال الثقافي لا يقل قيمة وتأثيرا عن الرأسمال الاقتصادي بل إن الرأسمال الثقافي هو الحصانة الأساسية لمواجهة التحديات الدولية الراهنة.

وجه الشاذلي القليبي الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق انتقادا شديدا لنظرية صراع الحضارات وألح على ضرورة أن يتجاوز العالم الإسلامي أسباب تخلفه ومظاهرة كي يبلغ المنزلة اللائقة دوليا.

وقال الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، أحد نجوم مؤتمر حوار الحضارات والتنوع الثقافي، إن الوضع الراهن اليوم يحتم ترسيخ أقدامنا على أرض ثابتة تجاه الأمن من أجل عالم بعيد عن الأحقاد ورأى أن مجابهة ظاهرة «الإسلاموفوبيا» تقتضي مسألتين اثنتين: الأولى التمييز بين المفاوضات السياسية بين الحوارات التي تدور بين النخب، أما المسألة الثانية فتتعلق بمزيد التعريف بالقيم السمحة للدين الإسلامي.

ولقد تمخض عن أعمال مؤتمر حوار الحضارات والتنوع الثقافي التي دامت قرابة ثلاثة أيام مجموعة من التوصيات والمبادئ تضمنها ما سُمي بـ«إعلان القيروان الذي يظهر أنه نجح في التعبير عن جميع تطلعات ومحاذير أكثر من مائة دولة ومنظمة مشاركة في المؤتمر، ومن النقاط التي حرص المشاركين على توضيحها في نص «الإعلان» مفهوم الحوار، موضحين أن حوار الحضارات المنشود هو الذي يقوّم كل القيم الإنسانية المشتركة ومبادئ الحق والعدل واحترام حقوق الإنسان والتسامح والمواطنة والديمقراطية ويفسح المجال واسعا أمام تفاهم الشعوب داعين ـ أي المشاركين ـ إلى ضرورة الابتعاد عن تشويه صورة الآخرين وازدراء أديانهم ومعتقداتهم ورموزهم الدينية.

التوصيات الرئيسية التي تضمنها إعلان القيروان:

ـ تعزيز المجتمع المدني وبخاصة الجمعيات المعنية بقضايا الأقليات والمهاجرين شرط أساسي لتحقيق التكامل بين تدبير التنوع الثقافي وسياسة الإدماج من خلال الحرص على تقديم التنوع الثقافي كأساس للمعرفة الجيدة بالأديان والمعتقدات ودورها في المجتمع.

ـ الربط بين شاب العالم من خلال إشراكهم في مشاريع تمكنهم من العمل معا وتقاسم أهداف مشتركة وتشكيل مجموعة من الشباب تختارهم المنظمة الدولية للفرانكوفونية والإيسيسكو ومجلس أوربا والكومنولث ومنظمة الدول الأيبيربة الأميركية ورابطة أمم جنوب شرق آسيا ومنظمات أخرى إقليمية أو ثقافية بدعم من الأمم المتحدة واليونسكو ليتولوا تنفيذ أنشطة في مجالات مهمة مثل التعليم والصحة والثقافة وسلامة البيئة أملا في أن تتحول هذه المجموعات إلى شبكة شبابية عالمية لخدمة القضايا المتعلقة بحوار الثقافات والتنوع الثقافي.

ـ الالتزام بتنفيذ مقتضيات اليونسكو لحماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي والإعلان الإسلامي حول التنوع الثقافي باعتبارهما وثيقتين كفيلتين بصون التراث الثقافي والتصدي بشكل علمي للتنميط الثقافي الذي تسعى العولمة لفرضه.

ـ إنشاء خلية للتفكير وتقديم مقترحات تتولى مراجعة التصور الفكري والسياسي للتعاون الدولي والتفكير في إيجاد أشكال جديدة للاستفادة من الموارد البشرية والمالية.

ـ العمل على تطبيق الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف والاستفادة من الأدوات التعليمية المتوفرة والكراسي الجامعية وسن تشريعات وطنية ووضع معايير وآليات دولية للتصدي لتشويه صورة الآخر في وسائل الإعلام وبخاصة في المناهج الدراسية وإنشاء مراصد تُعنى بالتصدي للصور النمطية والأفكار المسبقة حول مختلف الثقافات والحضارات والأديان وتعمل على تصحيحها.

ـ تنسيق جهود الحكومات والهيئات الدولية والإقليمية والأهلية وبخاصة منظمات الإيسيسكو واليونسكو والمنظمة الدولية للفرانكوفونية والألكسو ومجلس أوروبا لتعزيز آليات التواصل والتفاعل والتحالف ببين الحضارات وإشاعة ثقافة الصداقة والسلام والحوار والتسامح باعتبار الحوار هو البديل الوحيد لثقافة المواجهة.

ـ إدماج التنوع الثقافي في جميع النصوص المؤسسة لجميع المنظمات الإقليمية والثقافية والدولية كقاعدة من القواعد الثابتة للسياسة الدولية ووسيلة ناجعة وفعالة لإقرار واستتباب السلام في العالم كما جاء في الإعلان الإسلامي حول التنوع الثقافي إعطاء مكانة أفضل للثقافة في علاقات التعاون الثنائية ومتعددة الأطراف وبخاصة من خلال تعزيز القدرات في مجال المحافظة على أشكال التراث والإنتاج الثقافي للبلدان النامية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال