الأزهر بين مشكلات المؤسسة والمطالب المتناقضة

رضوان السيد

الشيخ محمد سيد طنطاوي في آخر عشاء له على مائدة خادم الحرمين الشريفين (تصوير: بندر بن سلمان)
TT

جاءت وفاة شيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوي، لتجدد النقاش في الأزهر ومن حوله، وفي المسائل كلها: مسألة علاقاته بالدولة والمجتمع في مصر، ومسألة دوره في العالم الإسلامي، وطبائع برامجه وتطورات التعليم فيه، وعلاقاته أولا وأخيرا بالظواهر الإسلامية «الحركية» الجديدة. وهذه النقاشات التي يظهر فيها الكثير من التساؤل والتشكيك، لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن الأهمية البالغة والباقية للأزهر من حيث الحجم والدور والتأثير. فهو يضم بين جنباته، وفي سائر مستويات التعليم، مئات الألوف من التلامذة والطلاب، وآلافا مؤلفة من المدرسين والمدرسات والشيوخ والأساتذة. وهو يمارس، من خلال الطلاب الذين يدرسون فيه من غير المصريين، ومن خلال بعثاته التعليمية، تأثيرا كبيرا في العالمين العربي والإسلامي. ولكي نتصور إمكانات تأثير الأزهر وقدراته، يمكن التأمل في أن خطباء المائة ألف مسجد بمصر وأئمته ومدرسيه، هم في الأغلب من خريجي المعاهد الأزهرية. وعندما كنت أدرس بالأزهر، 1965 - 1970، كان فيه - أعني في كلياته الدينية - زهاء 10 آلاف طالب من الأقطار العربية والإسلامية، كما كان الشيوخ والأئمة الأزهريون منتشرين في سائر أنحاء العالمين العربي والإسلامي، وفي ديار اغتراب الجاليات العربية والإسلامية. وقد تراجع عدد الطلاب غير المصريين في الأزهر ومعاهده وكلياته بعد التسعينات، لظهور معاهد وكليات إسلامية وطنية ومحلية رسمية وغير رسمية في سائر الأقطار، ولأن بلدانا عربية أخرى صارت تستقطب قسما كبيرا من الطلاب من خارج مصر، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ولأن «مواطن الجهاد»، والاستقطابات الحزبية، صرفت الكثيرين من شبان مصر والعرب عن «الصبر على تقليديات الشيوخ وملالتهم»، كما قال أحد الجهاديين في دراسة له عن فقه الإسلاميين الجدد. وقد عنى ذلك ظهور مرجيعات تعليمية أخرى إلى جانب الأزهر في عالم الإسلام السني، من دون أن يقلل ذلك من سمعة الأزهر وشيوخه في مصر، وفي عوالم الإسلام في آسيا وأفريقيا.

عندما كنا ندرس بالأزهر في الستينات، كانت الشكوى بين الأساتذة تتركز على قوة قبضة الدولة، وعلى عدم الراحة نتيجة تطبيق القانون الجديد آنذاك، الذي بدأ العمل به 1961/1962. أما الإدارة فكانت تشكو من الاستنزاف الذي يعانيه الأزهر، نتيجة ذهاب الأساتذة والمدرسين للتدريس سنوات طوالا في أقطار الخليج، وبعثات أخرى في بلدان آسيا الإسلامية الكبيرة، وبعض البلدان الأفريقية. وما تزال شكوى الاستنزاف مستمرة، كما تصاعدت الشكوى من قوة قبضة الدولة، ومن أمر آخر جديد، هو قصور الأزهر ورجالاته عن مجارة المتغيرات العصرية والإسلامية، واستيعابها. والشكوى هذه قوية لدى الليبراليين والإسلاميين الجدد على حد سواء، وإن اختلفت الأسباب. ولكي يمكن فهم طبيعة الشكاوى ومسوغاتها المقنعة وغير المقنعة، يحسن التقديم بكلمة عن مهمات رجل الدين والمؤسسات الدينية في عالم الإسلام السني. فرجل الدين السني - والإصلاحيون والإسلاميون الجدد لا يقرون هذه التسمية، ولا يرون أن الإسلام يحتاج إلى رجل دين ومؤسسة دينية! - مارس تقليديا عدة مهام: التعليم الديني، والفتوى، وقيادة الشعائر، والقضاء والتشريع، والإشراف على الأوقاف، وفي أحيان كثيرة الوساطة بين الناس والسلطة السياسية. وقد فقد رجل الدين السني عددا من هذه المهام لصالح الدولة الحديثة، أما المهام الباقية والمتمثلة في التعليم والفتوى وقيادة الشعائر، فصارت تنازعه عليها الحركات الإسلامية الجديدة. وعندما كنا مصر في الستينات، ما كان هم الحركات الإسلامية الجديدة قد صار قويا - وإن يكن حاضرا - في وعي مسؤولي النظام السياسي، وإنما كان الهم القوي والحاضر هو هم التحديث، وخرط التعليم الإسلامي ورجالاته وفتاواهم وتأثيراتهم على العامة في توجهات الدولة الاندماجية والتحديثية. وما خلا الأمر من مطامح إلى إقدار الأزهر في الإمكانات والبرامج، لتمكينه من استيعاب تطورات العصر، فضباط ثورة يوليو (تموز) كانوا في أكثرهم من المتدينين، وممن يريدون توظيف الأزهر في تطلعات مصر الجديدة. وإزاء هذا الهم سلكت الدول العربية المحدثة، ودولة مثل باكستان، أحد ثلاثة مسالك: الضغط على المؤسسة الدينية ورجالاتها إلى حدود الإلغاء، أو تقوية تلك المؤسسات واستتباعها للأغراض السالفة الذكر، أو ترك المؤسسات الدينية وشأنها باعتبار أنها صارت هامشية، ولا تشكل تحديا بالسلب أو الإيجاب. وكانت مصر، والسعودية والمغرب، من بين الدول التي اختارت الحل الثاني، أي الاستبقاء، و«الإصلاح»، والنظْم في سلك مؤسسات الدولة الأخرى. ومن هذا الانتظام الضاغط، كان شيوخنا يشكون في الستينات من القرن الماضي. ثم جاءت السبعينات وما بعدها بهمّ جديد، هو هم الحركات الإسلامية الجديدة، التي سرعان ما تحولت إلى «إسلام سياسي» معارض للنظام القائم، بالتجاذب أو بالعنف. وهكذا، فقد ازدادت حاجة الدولة إلى المؤسسة الدينية، لدعم توجهاتها التحديثية بالفتاوى، ولمصارعة الإسلاميين الجدد المعادين أو المعارضين للنظام القائم. ومنذ ذلك الحين، دخلت المؤسسات الإسلامية السنية في تجاذب عنيف بين الدولة ومتطلباتها، ومطالبات الصحوة الإسلامية، ومن ضمنها الإسلام السياسي، التي اكتسبت جمهورا شاسعا بحيويات هائلة، ما عاد في وسع الأزهر والمؤسسات الدينية الأخرى تجاهلها. ففي حين أضعف حجية مرجعية تلك المؤسسات في نظر الجمهور تناغمها مع النظام في شتى الأمور، أغضب ذوي التوجهات الليبرالية عليها اضطرارها إلى التدخل، حفظا لمرجعيتها، في بعض الأمور الثقافية والمدنية التي اعتبروها ماسة بحريات التعبير، أو متصدية لمسائل ليست في اختصاصها، أو أنها لا تستطيع «الإفتاء» فيها، فالدولة في بلدان العالم الإسلامي في العقود الأخيرة تريد من المؤسسة الدينية التدخل في مواجهة الإسلاميين. والإسلاميون يريدونها أن تتدخل في مواجهة خروج الأنظمة على مقتضيات الشريعة. والليبراليون والعلمانيون حائرون بينها وبين السخط على الإسلاميين، ويودون لو يختفي الطرفان! والواقع أن ما نال الأزهر ويناله من ضغوط في حالتي الجزْر، فيما بين الأربعينات والسبعينات، والمد، بعد السبعينات، نال أيضا من المؤسسات الدينية في سائر الأديان، باستثناء المؤسسة الدينية الشيعية، التي حصل المد الديني، وهي جزء منه على أي حال، وهي في السلطة، وفي يدها أدواتها. لكن، مما لا شك فيه أن المؤسسة الدينية السنية، في الأزهر وغيره، عانت في مرحلة المد الأصولي الحاضرة، أكثر بكثير مما عانته في مراحل سابقة في الأزمنة الحديثة. فالإسلاميون الجدد، وأبرز تياراتهم الإخوان والسلفيون الجدد، يزايدون منذ عقود على مؤسسات «التقليد» الإسلامي هذه في العقائد - الالتزام بالنصوص - والشعائر، واللباس، والسلوك. ثم إنهم حملوا أطروحة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة، وهجموا بها على الدولة القائمة والمؤسسات الدينية التقليدية معا. وإذا لم يعد في مقدور شيخ الأزهر إنكار التنقب على فتاة صغيرة في مدرسة للبنات في الأزهر من دون اعتراض، فكيف يكون في مقدوره الدفاع عن حق الدولة في الطاعة والانتظام في مسائل الشأن العام، من دون أن يجلب على نفسه تهمة كونه من «فقهاء السلطان»؟! ما عرفت الشيخ محمد سيد طنطاوي عندما كنت أدرس في كلية أصول الدين في الأزهر، لأنه كان يدرس وقتها في جامعة المدينة المنورة، في المملكة العربية السعودية. لكنني عرفته فيما بعد عندما تولى الإفتاء في مشيخة الأزهر. وقد كتب تفسيرا للقرآن، وصدرت له كتب في علوم القرآن والتربويات، وأخرى في الفتوى. وما كان كثير الفتاوى، لأن في الأزهر لجنة مختصة بالفتوى، ثم إنه في المسائل الكبرى كان يلجأ إلى مجمع البحوث الإسلامية الذي يمارس اجتهادا مؤسسيا أو جماعيا. وإنما حدثت بعض الإشكالات مع الرأي العام ووسائل الإعلام، نتيجة بعض مواقفه أو تصريحاته. وما كان يتعمد موافقة الدولة، وطبعا ما كان يتعمد مخالفتها. لكنه كان كثير الاصطدام بحزبيي الإسلاميين، ويقول مبتسما بعد كل هيعة: «والله ما تعمدت التصادم بهم، لكنهم يتربصون في كل زاوية». وكان لا يميل إلى الظهور في الإعلام في الثمانينات، لكنه غير رأيه في التسعينات، وقال إنه لا بد من التصدي لدعاة التلفزيونات الجدد، أو منافستهم على الأقل! وعندما زرته في الصيف الماضي، قال لي إن الدعاة هؤلاء أسوأ أحيانا من الحزبيين، لكن ما عاد التراجع ممكنا! وعندما ذكرت له مقالا قرأته في إحدى الصحف المصرية عن تبعيته للنظام، قال إن أحد مساعديه أحضره له فقرأه، ثم كلم الكاتب مستغربا: «أنت تريد أن تحكم الشريعة المجتمع والدولة، لكنك تنكر على شيخ الأزهر، وهو رجل الإسلام الأول في مصر، أن يتدخل لدى الدولة من أجل هذا الأمر أو ذاك!». وقال له الكاتب: «لكنك صديق للسلطة، ففي تدخلك شبهة المجاراة!». وتابع الشيخ طنطاوي: «يا راجل، وهل تريدني أن أكون عدوا للسلطة؟ لو كنت كذلك، فكيف يكون في وسعي التدخل لديها أو التأثير عليها في أي أمر؟!».

ليست مشكلات الأزهر بهذه البساطة التي نذكرها على سبيل الاستطراف، فالتحديات الأكبر فيما وراء الدولة والإسلاميين هي تحديات الكفاءة والاستيعاب بالداخل والانفتاح على العالم وتمثيل الإسلام في المجال العالمي، في زمن تتسع فيه موجات الإسلاموفوبيا وتتصاعد.

منذ إلغاء «هيئة كبار العلماء»، بمقتضى القانون رقم 101 لعام 1961، لصالح مجمع البحوث الإسلامية، صار رئيس الدولة هو الذي يعين شيخ الأزهر ابتداء، دونما ترشيح من المؤسسة. والشيخان الأخيران للأزهر، جاد الحق، وطنطاوي، كانا في الأصل مفتيين، لكن ذلك ليس قاعدة. وفي الأزهر اليوم علماء كبار، كان الشيخ طنطاوي لا يقطع أمرا دونهم. ولذا، لن تكون هناك مشكلة في اختيار عالم لمشيخة الأزهر العريقة. وسيكون المعين الشيخ الثامن والأربعين أو التاسع والأربعين. وكان بعض مشايخ الأزهر القدامى، أو الفقهاء الكبار لأحد المذاهب الفقهية في مصر، يطلق عليهم لقب شيخ الإسلام. لكن اسطنبول استأثرت باللقب، واستقر العرف في مصر على تسمية شيخ المؤسسة الدينية الكبرى بالإمام الأكبر، شيخ الأزهر، لأنه كان في الأصل كبير علماء الجامعة العريقة. وكان أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود، الذي صار شيخا للأزهر في السبعينات، يقول: «ما أحلى هذا المنصب وما أمرّه! ودعوتي هي دعوة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسها: أن يخرجني، عز وجل، منها لا علي ولا لي!».