السبـت 16 جمـادى الاولـى 1423 هـ 27 يوليو 2002 العدد 8642
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

وزير الثقافة اليمني يدافع عن قراره بمصادرة رواية «قوارب جبلية»

الروحاني لـ«الشرق الأوسط»: بعض مثقفينا يجترون ثقافة تعود إلى 800 عام

صنعاء: عادل محمود
دافع وزير الثقافة اليمني عبد الوهاب الروحاني عن الاجراءات التي اتخذتها وزارته بمصادرة رواية «قوارب جبلية» للقاص وجدي الاهدل، واغلاق دار النشر التي قامت بنشرها، مؤكدا ان الوزارة تعمل وفقا لسياسة ثقافية معنية بحماية قيم واخلاقيات المجتمع.

وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» ان وزارة الثقافة لا تمارس اي رقابة مسبقة او مصاحبة او لاحقة على الاصدارات، لأن ذلك امر غير ممكن وغير مجد.

واعتبر ما اثير في هذا الصدد زوبعة في فنجان افتعلتها بعض الاقلام لتقدم نفسها كمدافعة عن حرية التعبير، متهما بعض المثقفين بالعيش في الماضي وعدم القدرة على التعاطي مع ثقافة العصر.

واشار في سياق حديثه الى ان حماية الآثار والموروثات مهمة انسانية وتضامنية تسهم فيها الدولة والمجتمع والمنظمات الدولية، لان الامكانيات المتاحة حاليا لا توفر هذه الحماية.

وصحب الحوار مع وزير الثقافة اليمني جولة في عدد من المرافق التابعة للوزارة والتي تحولت الى ورشة عمل كبيرة يقودها الوزير نفسه في اطار الاعداد لاعلان صنعاء عاصمة للثقافة العربية عام 2004. وهنا نص الحوار:

* قرار وزارة الثقافة الاخير بمصادرة رواية قوارب جبلية للقاص وجدي الاهدل، واغلاق دار عبادي للنشر التي نشرت الرواية، اثار ردود فعل واسعة كانت الوزارة في غنى عنها، فضلا عن كونه جاء خصما على هامش الحريات المتاح؟

ـ نحن في وزارة الثقافة نعمل وفقا لسياسة ثقافية معنية بالحفاظ على القيم والاخلاق والآداب العامة، كما ان الابداع الفكري والادبي لا بد ان يكون ابداعا خلاقا ينحاز للمجتمع وقضاياه، ويتعاطى مع الانسان انطلاقا من قيم ثقافية خلاقة، لكن الرواية التي اشرت اليها اساءت بدرجة اساسية الى اخلاق وانسانية المرأة، وتعاملت معها بطريقة فجة، وما قامت به الوزارة هو اجراء اولي وفقا للقانون، والكلمة الفصل في ذلك للقضاء.

* لكن الرواية سبق ان نشرت مسلسلة في احدى الصحف ولم يعترض عليها احد؟

ـ الرواية التي نشرت ككتاب تختلف كثيرا عن تلك التي نشرت مسلسلة في الصحيفة، وهذا باعتراف الكاتب والناشر، كما ان الرواية خضعت لتقييم نقدي من قبل مختصين تركز على الجوانب الادبية والفنية للعمل الادبي والرواية المذكورة بهذا المنظور تفتقر للقيمة والمضمون الحقيقيين.

* هل يمكن ان نخضع اعمالا ادبية لكتّاب يمنيين امثال محمد عبد الولي وزيد مطيع دماج وغيرهما لذات المفهوم ونمنعها باسم الحفاظ على القيم؟

ـ اتمنى شخصيا ان تنجب ساحتنا كتّابا عظاما امثال محمد عبد الولي وزيد دماج لانهما اصحاب قضية انسانية وثقافية وفكرية تجلت في عطاءاتهما. انا لست ضد طرح الجنس كقيمة انسانية رفيعة، ولكن بشكل فني يخدم الفكرة الادبية، وليس الجنس لمجرد الاثارة والاسفاف.

* المفاهيم التي تتحدث عنها تجعل من الوزارة شرطة آداب تصادر حرية المبدع عوضا عن حمايته؟

ـ أود ان أؤكد انه ليس لدينا رقابة مسبقة او مصاحبة او لاحقة على الاصدارات، لأن ذلك امر مستحيل وغير مجد في عصر ثورة الاتصالات الراهنة التي جعلت العالم قرية صغيرة منفتحة على بعضها، لذا نحن مع حرية الابداع في مستواها الخلاق وندعم المؤسسات الثقافية حتى تنهض بدورها، لان انتاج الثقافة ليس مهمة الدولة، بل مهمة المؤسسات الثقافية غير الرسمية.

* لكن المحكمة قضت ببطلان اجراء الوزارة باغلاق دار النشر؟

ـ نحن ملتزمون بقرار المحكمة.

* يعني ان قراركم كان متعسفا اكثر من اللازم؟

ـ كما قلت ما تم كان اجراءات اولية للاحالة الى المحكمة في اطار القانون ثم لماذا كل هذه الضجة حول مصادرة الحريات والابداع وهذا يحدث حتى في البلدان الغربية التي يعيش مبدعونا في ليلها بدلا من نهارها، في فرنسا تمت مصادرة الكتاب الاسود الذي يناقش تجاوزات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وهناك قضايا مرفوعة ضد افلام سينمائية في لبنان ومصر، وهناك كتب ممنوعة في كثير من الدول العربية، مع انها لا تقارن بالاسفاف والابتذال الموجود في رواية «قوارب جبلية».

* اعلنت عند تسلمك الوزارة حرصك على ازالة القطيعة القائمة بين المثقفين والمؤسسات الثقافية الرسمية، الا تعتقد ان الاجراء الاخير وغيره يعمق القطيعة ولا يزيلها؟

ـ ليست هناك قطيعة، التواصل قائم بين الوزارة والمؤسسات الثقافية والمثقفين، لكن هناك اقلاما رأت ان تقدم نفسها لبعض الجهات كمدافعة عن الحريات وكان بعضها يسعى لخطب ود تلك الجهات طمعا في الحصول على دعوة لهذه الدولة او تلك.. الحراك الثقافي مستمر ومكاتب الوزارة في مختلف المحافظات تعج بالانشطة والفعاليات، والعمل جار لاقامة معرض صنعاء الدولي للكتاب وهناك فعاليات مصاحبة يشارك فيها عدد من المثقفين والمفكرين العرب، كذلك يتواصل الاعداد لعدد من المهرجانات الثقافية والفنية.

* كل هذا الحراك الثقافي الذي تتحدث عنه لم يفلح حتى الآن في كسر حالة الجمود المخيمة على الواقع الثقافي اليمني؟

ـ المشكلة ان بعض مثقفينا ما زالوا أسرى الماضي والعقلية الماضوية. مشكلة هذا البعض انه ليس قادرا على التعاطي مع ثقافة العصر، لانه يجتر ثقافة تعود الى 800 سنة، ولكن مع ذلك اقول ان من حق هؤلاء ان يعبروا عن انفسهم بالطريقة التي يريدون.

* كيف تنظرون لما يكتب من انتقادات حادة لوزارة الثقافة؟

ـ من حق اي شخص كان أن يعبر عن رأيه، ولكل تقديره كيف يدافع وعن من وماذا. لكن يجب ان يعلم هؤلاء ان اجراءات المنع هي من باب الحماية والخوف على حياة هؤلاء ايضا، فماذا لو صدرت فتوى من هذه الجهة او تلك، الا يمثل ذلك خطرا عليهم.

* حتى الآن لم تستطع وزارة الثقافة ايجاد سلطة اثرية فاعلة، تضع حدا لعمليات النهب والتدمير التي تتعرض لها الآثار اليمنية؟

ـ ولن تستطيع اي سلطة ان توقف هذا النزيف، لاسباب كثيرة ابرزها كبر وعظمة الموروث الثقافي اليمني، فاليمن من اقصاه الى اقصاه موقع اثري وهذا الكم الهائل من الموروث بحاجة الى امكانيات كبيرة، ولو سخرنا كل امكانيات الدولة لحماية الآثار لما كان ذلك مجديا، لأن مهمة حماية الآثار مهمة تضامنية وانسانية تسهم فيها الدولة والمواطن والمنظمات الدولية المهتمة، لكن اعددنا خطة متكاملة مع برنامج الامم المتحدة الانمائي سيتم الاعلان عنها قريبا يمكن ان تثمر اذا تكاتفت الجهود الرسمية والشعبية في وقف العبث الذي تتعرض له الآثار.

* لكن الامر يظل مسؤولية وزارة الثقافة بدرجة اساسية؟

ـ نعم، هذا صحيح، ونحن نقوم بإجراءات متواصلة، انا شخصيا اتابع احيانا حتى منتصف الليل بعض محاولات التهريب والنهب التي تتم هنا او هناك واعمل على احباطها بالتعاون مع الجهات المختصة، لكن المجتمع معني ايضا بفهم واستيعاب قيمة هذه الآثار والاسهام في حمايتها، لأن حماية المواقع الاثرية والحفاظ عليها مسألة بالغة التكاليف وصعب توفيرها في ظل امكانيات محدودة.

* هل معنى ذلك انكم لا تفكرون في استعادة ما هو موجود من آثار يمنية في متاحف بعض الدول الاوروبية؟

ـ دعنا نفكر اولا في كيفية حماية ما هو موجود لدينا، وعندما نتمكن من وقف العبث والنهب والضياع الذي تتعرض له آثارنا وموروثاتنا حينها يمكن ان نفكر في استعادة الآثار الموجودة او المهربة الى الخارج.

* هناك خلافات بين بعض المثقفين حول اعداد وتهيئة صنعاء لتكون عاصمة للثقافة العربية عام 2004، حيث يرى بعض هؤلاء ان الواقع الراهن لا يؤهل لفكرة بهذا الحجم؟

ـ هناك عوامل تاريخية عديدة تؤهل صنعاء لتكون عاصمة للثقافة العربية بجدارة، فهذه المدينة تمتلك موروثا ثقافيا عمره ثلاثة آلاف عام وظلت صنعاء عبر الحقب والعصور المختلفة مركز اشعاع فكري وثقافي انتج مبدعين عظماء وكبارا، وعلى المستوى الراهن فصنعاء عاصمة دولة الوحدة اليمنية، تحتضن تجربة ديمقراطية متميزة تجعل منها واحة للمثقفين العرب.

* كل هذه اعتبارات معنوية، لكن ماذا عن الاستعدادات العملية لهذا الحدث؟

ـ نحن شرعنا في اعداد بنية متكاملة لاحتضان هذا الحدث، والمشروع لا تضطلع به وزارة الثقافة وحدها، بل هو مشروع الدولة بكاملها، حيث تم تحديد المشروعات الثقافية ومشروعات البنى التحتية والمشروعات الأخرى المساعدة في اظهار صنعاء اكثر تأنقا لاستقبال هذا الحدث الذي يشرف عليه المجلس الوطني الاعلى لصنعاء عاصمة للثقافة العربية، وهو برئاسة رئيس الوزراء.

* هل هددت منظمة اليونسكو باسقاط صنعاء القديمة من قائمة التراث العالمي؟

ـ منظمة اليونسكو اعلنت تخوفها من استمرار العبث والتشويه نتيجة الزحف الاسمنتي المسلح على المدينة والذي يشوه طابعها المعماري المتميز وهناك اجراءات فاعلة تقوم بها الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية حاليا لوقف ما يهدد طابع المدينة التاريخية ويحافظ على مقوماتها التراثية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال