الاربعـاء 08 محـرم 1424 هـ 12 مارس 2003 العدد 8870
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

صراعات معقدة بلغة بسيطة في رواية عراقية

بتول الخضيري: لم أكن أفكر بكتابة رواية وهذه ليست سيرتي الذاتية

عمان: معد فياض

عندما بدأت بتول الخضيري كتابة احداث (كم بدت السماء قريبة)، لم تكن تتوقع ان ما سطرته من احداث خلال اربع سنوات سوف يتحول الى رواية طبعت ثلاث مرات، وترجمت لثلاث لغات: الانجليزية والفرنسية وأخيرا الألمانية.

تقول بتول الخضيري التي التقتها «الشرق الأوسط» في عمان: «كان همي هو ان اكتب، اكتب فقط، كانت الاحداث تتصارع في داخلي فقررت ان ارميها على الورق، لهذا كنت آخذ مجموعة من الاوراق وانزوي مع نفسي لاكتب واحفظ ما اكتبه في الدرج، بعد سنوات اكتشفت ان ما بين يدي رواية، وبخجل كبير اعطيتها للدكتورة ليلي نعيم التي اتصلت بي في اليوم التالي لتتحدث معي عن اجراءات نشرها، اذ بقيت تقرأها طوال الليل».

تضيف «لم افكر اطلاقا ان اكتب رواية، ولم افكر بنشر ما كتبته، ولهذا قررت ان انشرها مثلما هي من غير أي اعادة او حذف، بل ربما عملت بعض الرتوش البسيطة».

رواية (كم بدت السماء قريبة) سرد لاحداث امرأة تتحدر من أب عراقي وأم انجليزية، الاحداث تبدأ منذ طفولتها في ضاحية الزعفرانية، جنوب بغداد، واختلاطها بفتاة ريفية (خدوجة) التي ستفتح امامها آفاق اكتشاف الحياة الريفية العراقية بكل مفاجآتها وسعاداتها واحزانها. وهكذا نجد ان البطلة موزعة على ثلاثة اتجاهات في التفكير، اصرار الأب العراقي على ان تتعلم وتتعود اسلوب التفكير العراقي واللغة العربية، والأم التي تتشدد بتربيتها وفق الاسلوب الغربي الانجليزي وادخالها في مدرسة الموسيقى والباليه ومنعها من الاختلاط بصديقتها الريفية خدوجة، ومن ثم الحياة العريضة التي تكتشفها هي بنفسها مع صديقتها التي تتمنى ان تتعلم في المدرسة.

ولأن الكاتبة بتول الخضيري هي من أب عراقي وام اسكوتلندية، وعاشت بواكير حياتها في بغداد فإن هناك من يعتقد بأنها دونت مذكراتها ويومياتها وصاغتها في عمل روائي، لكن الخضيري تنفي ان تكون (كم بدت السماء قريبة) عملا تسجيليا لسيرتها الذاتية، تقول «ساظلم والدي ووالدتي ونفسي كثيرا لو قلت ان هذه الرواية هي سيرتي الذاتية، ذلك للاختلاف الكبير بين جوهر أبي وأمي وأنا، وبين مواصفات شخوص الرواية، لم يكن ابي بهذه المواصفات المتشددة، وكذلك لم تكن أمي تلك المرأة الانانية، بل كانت حنونة للغاية وقد حافظت على البناء العائلي لأبعد الحدود، لكنني استفدت من تجربة زواج الرجل العراقي بامرأة اسكوتلندية ووصفت مشاهداتي وخبراتي التي اعرفها عن زواج العرب بالانجليزيات بحكم انني عشت لفترات طويلة في لندن واعرف عن قرب هذه القصص، كما وظفت معاناة والدتي ومعاناتي معها خلال اصابتها بسرطان الثدي وفترة ملازمتي لها في فترة تلقيها العلاج في احد مستشفيات لندن».

وتستطرد قائلة: «موضوع الرواية باختصار يتمحور حول فتاة وجدت نفسها ومن غير ارادتها في منطقة نزاع ثقافي وحضاري بين ما هو شرقي وما هو غربي، واريد لها ان توفق بين المنطقتين، ان تكون جسرا للاثنين، وهذا بالضبط ينطبق على حالتي وحالات من هم مثلي، فأنا كنت ارافق أمي في جولاتها وزياراتها في بغداد وكان عليّ ان اترجم لها الاسماء والاحاديث واحلل لها معاني الكلمات الواضحة او المعاني الكامنة خلف كل كلمة او حديث، خاصة عندما يكون الحديث عن موضوع معين ويراد به معنى آخر».

تتوزع احداث (كم بدت السماء قريبة) جغرافيا وبصورة عامة على عالمين متناقضين ومختلفين، بغداد ولندن. اما التفاصيل الجغرافية او المكانية الأخرى فهناك: ضاحية الزعفرانية الفقيرة، حيث اقامت العائلة لدى وصولها الى بغداد، وحي المنصور الراقي وسط بغداد، حيث تقع مدرسة الموسيقى والباليه، ثم حي الكرادة في الرصافة الذي انتقلت اليه العائلة اثر اصابة الأب بجلطة قلبية، وشارع الكندي في منطقة الحارثية بجانب الكرخ الذي تدور فيه الاحداث العاطفية، على ما يبدو، بين البطلة والنحات.

إلا ان هذه التفاصيل المكانية التي ارادت من خلالها الكاتبة ان تبث فيها احداث روايتها تبدو هامشية امام التقسيم الجغرافي او الحضاري الاهم: بغداد ولندن. الجزء الاكبر من احداث رواية (كم بدت السماء قريبة) يدور في بغداد: النشأة الاولى للبطلة، او للراوية على وصف الخضيري، اكتشافاتها الحياتية الاولى، تنامي الخلافات والصراعات بين الأب والأم، خيانة الأم وعلاقاتها مع شخص انجليزي يعمل في شركة نفط البصرة، الدراسة في مدرسة الموسيقى والباليه، موت خدوجة صديقة الطفولة بسبب البلهارسيا، مرض الأب، الانتقال الى بيت جديد في الكرادة، نشوب الحرب العراقية الايرانية، تغير الاحوال الحياتية في بغداد بسبب الحرب، اغلاق مدرسة الموسيقى والباليه بسبب ظروف الحرب «هكذا ادرجت المدرسة في لائحة الكماليات»، التعرف على معلمة رقص للباليه جديدة ومن ثم تحول العلاقة الى صداقة، تعمق الخلاف بين الأب والأم بعد اكتشاف علاقتها بعشيقها الانجليزي الذي سيترك العراق ويهجرها، موت الأب، التعرف على نحات عراقي مجند ومن ثم الارتباط معه عاطفيا، اصابة الأم بسرطان الثدي والقرار بالسفر الى لندن.

على ان تلك الاحداث التي تتعمق الكاتبة في وصفها مؤثثة بالوقائع من غير ان توقع الرواية في مطب الرواية الوصفية او الواقعية البحتة، مؤثثة بالبيانات العسكرية التي كانت تلون المشهد الحياتي آنذاك، وبالتفاصيل الدقيقة لحيوات تشكل المشهد اليومي الداعم للأحداث. وهكذا نجد ان الكاتبة غاصت عميقا في حياة اجتماعية وعاطفية في زمن متناقض، زمن الحرب، ففي الحروب تتغير موازين عدة والناس يحاولون ان يتوازنوا خلاله سواء باصرارهم على المواصلة او التشبث بما هو حياتي، مثل اصرار معلمة الباليه (المدام) على تكوين فرقة باليه ناجحة اعضاؤها هم من تبقى من طلبة مدرسة الموسيقى والباليه الذين اصروا على عدم ترك المدرسة رغم الظروف القاهرة، تلك المعلمة العائدة تواً من موسكو، حيث كانت تكمل دراستها العليا، لكن ظروف الحرب اجبرتها على العودة بعد ان تخلت الحكومة عن الايفاء بالتزاماتها المالية واعتبرت ان فن الباليه من الكماليات.

ثم تقع البطلة في حب نحات يمضي جل ايامه في جبهات القتال كجندي، يعترف لها «اتعلمين انني انحت الآن تحت القصف؟ أنحت مناضد عسكرية رملية وجبسية ومن قطع الكارتون. الفرق الوحيد هو انني لا اعلم ماذا انحت».

تسرد بتول الخضيري احداث روايتها بأسلوب حكائي «عندما بدأت بكتابة هذه الرواية لم اقحم نفسي في احداثها، بالرغم من اني موجودة في اكثر من حدث ومن مكان فيها، وهذا الموضوع خارج عن ارادتي، اتصور ان اي كاتب او فنان لا بد ان يكون موجودا في عمله مهما حاول التنصل منه، انا هنا راوية للأحداث ليس إلا، او هكذا اردت لنفسي، انا اقص الاحداث ذلك لانني احب القص، او ما نسميه في اللهجة العراقية (السوالف) وقد دربتني أمي التي كانت تعمل أمينة مكتبة في ادنبرة على ان تقرأ لي دائما قصصا تستعيرها من المكتبة لاجلي منذ طفولتي المبكرة، ثم جاء دور أبي الذي كان يتفرغ لي كل يوم جمعة ليقرأ او يقص لي حكايات «كليلة ودمنة»، او «ألف ليلة وليلة» أو من القصص الشعبية الساحرة. هكذا نشأت، وهكذا احببت ان استمع حتى اليوم للقصص او (للسوالف)، كما احب التحدث مع الناس، وانا بطبعي احب الناس واستمع لهم بانتباه، لهذا حفلت الرواية بالامثال وبالمصطلحات الشعبية البعيدة عن نشأتي العائلية».

بالاضافة الى اسلوبها الحكائي تتميز رواية (كم بدت السماء قريبة) بلغتها البسيطة، فالكاتبة لم تتعب نفسها والقارئ بانتقاء مفردات او مصطلحات معقدة من بطون المعاجم، او تلك المصطلحات التي يحاول بعض الكتاب الايحاء من خلالها بغنى ثروتهم اللغوية او المعرفية.

تقول الخضيري: «اساسا ان لغتي العربية محدودة، لقد كتبت مستخدمة المخزون البسيط من لغتي العربية، اذ ان علاقتي باللغة العربية لم تكن مبكرة، كانت لغتي الانجليزية هي الغالبة، لكنني لا اجيد التعبير عن نفسي او عما اكتبه الا باللغة العربية، غير هذا انا انتمي الى ثلاث لغات: الانجليزية التي وعيت عليها بحكم امي، والعربية التي اصر والدي على ان اتعلمها، والفرنسية التي درستها اكاديميا واجدت قراءتها وكتابتها والتحدث فيها منذ السنة الجامعية الثانية. عندما بدأت اكتب هذه الرواية لم اشغل نفسي بالاسلوب او باللغة، كما اني لم افكر بالقارئ او بالناقد، لقد كنت اكتب لنفسي فقط».

القسم الثاني من الرواية تدور احداثه في لندن، حيث رحلة علاج الأم من السرطان الذي سيأكلها. هنا تنقل لنا الكاتبة وبدقة تفاصيل الصراع المرعب الذي عاشته الأم مع هذا المرض. وكان على البطلة ان تعيش صراعين، دعم أمها في معركتها مع المرض، والآخر مقاومة شعور الغربة. فقد تركت بغداد وحبيبها وزرعت نفسها مرغمة في مجتمع كانت قد تركته في وقت مبكر جدا من حياتها.

تدور حياتها في منطقة همرسمث في لندن بين غرفتها التي تراقب من خلالها الاعلانات الضوئية، والمستشفى التي تتلقى فيها أمها العلاج الكيماوي راصدة شعور الأم بالمرارة والغثيان وانتظار موت بدأ يأتي مسرعا، وحالات المريضات اللواتي يتعالجن في ذات العنبر الذي ترقد فيه أمها، ورحيلهن واحدة تلو الأخرى.

الحياة اللندنية بالنسبة للبطلة اقل اثارة، وموغلة في الضجر، فهي تدرس اللغة الانجليزية لتعمل بالتالي مترجمة، متابعة احداث العراق الذي دخل في ازمة حرب الخليج الثانية من خلال الصحف والاخبار التلفزيونية، وراصدة للوضع في بغداد من خلال رسائل متقطعة تصلها من (المدام)، معلمة الباليه التي لا تزال هناك، تقول لها في احدى رسائلها: «ليس من السهل ان اصف لك تدهور الأمور يوما بعد آخر، اصبحنا نعيش حالة من شرود ذهني تام، فقدنا التركيز على توجيه دفة حياتنا لتضاؤل الفرص سريعا».

بتول الخضيري التي ستوقع قريبا على الترجمة الفرنسية لروايتها الصادرة عن دار غاليماري، بعد ان كانت قد وقعت على الترجمة الانجليزية في نيويورك، تستعد للمشاركة في مهرجان دار ثقافات الشعوب في برلين ووضع اللمسات الأخيرة بشأن ترجمة «كم بدت السماء قريبة» للغة الألمانية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال