الاثنيـن 19 شـوال 1421 هـ 15 يناير 2001 العدد 8084
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

حوار تشكيلي مع الحرية والكتابة

كتاب نقدي عراقي عن تجربة الفنان والطبيب علاء بشير

بغداد: «الشرق الأوسط»
في كتابه «الحوار بين الحلم واليقظة» تناول الدكتور ضياء خضير بالتشريح والتحليل اعمال الدكتور الفنان علاء بشير عبر تسعة محاور يشكل كل منها جانبا من جوانب شخصية علاء بشير الفنية.

ففي الحوار الاول المعنون «حوار الفنان والطبيب» يبدأ المؤلف بالاشارة الى كون علاء بشير يمثل ظاهرة بالغة الاهمية في واقع الفن العراقي الحديث، المعروف بغناه وحيويته وتنوع اساليبه.

ما يريد علاء بشير ان يؤكد عليه في لوحاته واعماله النحتية لا يقتصر على هذا التنويع الشكلي واللوني، الخاص باللعبة الفنية، وانما يتعداه الى مسألة الجوانب الوظيفية الخاصة بالانجازات العالمية الحديثة، التي تؤلف قاعدة انطلاق اساسية للرؤية التي تجري صياغة التفاصيل الشكلية للوحة، على اساس منها.

وعلى الرغم من ان هناك سمات ومظاهر اسلوبية موحدة موجودة في جميع اعمال علاء بشير، تؤلف الملامح المنفردة لشخصيته الفنية، فإن حواراته مع مضامين هذه الاعمال تتعدد وتتداخل وتنفصل لتشكل عوالم متنوعة.

وهو يعرف ان عمله الفني مثل عمله الطبي في تقويم العظام والجراحة التجميلية، لا يمكن ان يتم من دون التعامل مع المادة النخاعية والعصبية والعضلية الموجودة داخل العظام وخارجها.

اما الحوار الثاني فهو «حوار مع السريالية» ويبدأ المؤلف بالسيرة الشخصية للفنان، فهو مولود في «خانقين» شرق بغداد عام 1939. وقد بدأ العمل مع جماعة الانطباعيين منذ عام 1958، ولم يتوقف عند منهج او دراسة محددة في الرسم.

في معرضه الشخصي المسمى «حوار مع النفس» في قاعة الرواق ببغداد عام 1958، طرق الفنان بالفعل ابواب السريالية، ولوحاته في هذا المعرض وغيره تلتقي مع الاساليب السريالية في الفن، بوصفها واقعا غير مألوف يمكن ان يدرب الذهن والبصر على الانتقال الى مديات خيالية (فوق الواقعية).

ويتحدث المؤلف عن لوحات المعرض الست، ويفسر كل لوحة على حدة، مقدما نظرة فنية محددة. وقد تحدث بشير بنفسه عن هذه اللوحات فقال: «كانت اعماقي وستبقى تحمل ذلك القلق الذي ما برح يشغل فكري منذ زمن بعيد، القلق الذي انتجته حيرة الانسان، وقد ارغم على الرحيل بين الحياة والموت، يسير وقد عصفت برأسه الافكار، وملأت عينيه حيرة من ذاق مرارة المعرفة، ادرك ان الزمن ينزف منه ومن حوله، فيتملكه رعب عظيم لا تستوعبه الا الاعماق السحيقة لهذا الكون الرهيب».

اما الحوار الثالث فهو «حوار الموت والحياة»، ان لحظة الموت ظلت واحدة من اللحظات التي جعلت كثيرا من اعمال علاء بشير تعرض علينا من خلالها، اشكالا وصورا من مشاهد المحنة الانسانية، وهي في مجموعها دراسات لوجوه واجساد تم ضبطها في اللحظة التي كانت تغير فيه شكلها القديم وتتركه نحو وضع وشكل جديد.

يقول الفنان ان افكاره الاساسية تكونت منذ زمن بعيد في حياته، وقد بقيت قضية الصراع الابدي بين الحياة والموت تحتل فيه مكانة مركزية.. وقد تطور النظر اليها والتعبير عنها في اعماله مع تطور تجربته ونضجها، وهو يشعر دائما بقصوره وعدم قدرته في التعبير عنها وتجسيدها فنيا على نحو يتناسب مع طموحه.

ونراه يعمد الى صياغة رموز وعلامات، مثلا رمز الغراب المرتبط عنده بالمعرفة المحرمة على الانسان، ورمز السمكة الذي يشير الى الخير والبركة، المفقود او الموجود، ولا يأتي عنده منفردا، بل يأتي مشتبكا في مشهد انساني ذي طبيعة استثنائية، ودرامية احيانا.

والمهم في اللوحات التي تريد ان تسجل هذه العلاقة الرهيفة بين الحياة والموت، هو ان الفنان يحاول ان يعكس لنا بطريقته الخاصة ما يعانيه البشر حينما يدخلون في التجربة التي لا تسمح لهم بالحديث عن هذه المعاناة.

ونقرأ في حوار «الحلم والصورة» عن عالم الاحلام الذي يتاح لنا ان نبصره او نبصر اطرافا منه في لوحات علاء بشير، وهو لا يقتصر بطبيعة الحال على ما يراه النائم في احلامه، وانما يتسع الى ما هو اعقد من ذلك واكثر شمولا، حينما يصل الفنان في علاقاته بالواقع الى تلك الحافات الخيالية الخطرة التي تتحول فيها الحياة بأشكالها والوانها المختلفة الى نوع من الحلم الطويل الذي تهتز ظلاله بين حين وآخر امام عيني الفنان، كما يحدث في المنام.

والفنان يستطيع ان ينقل لنا صوتا اكثر تميزا، واكثر انسجاما، واشكالا يمكن فهمها، لانها قد تكون اقرب الى الحقيقة من كل المظاهر والاشكال المألوفة التي اعتادت عيوننا على رؤيتها، على الرغم من اننا نحتاج فيها الى التأويل او القراءة التي تختلف من شخص لآخر تماما، كما يحدث مع الحلم او الرؤيا التي نراها في المنام.

اما الحوار الخامس فهو «الحوار مع الغريزة الباحثة عن الحرية» ويتم فيه الحديث عن دراسات علاء بشير للجسد الانساني، ولا سيما جسد المرأة، وتركيزه على مواضع وحالات معينة، واستخدامه للرموز المختلفة للدلالة عليها والاشارة لها، وهي تمثل نمطا من المعالجة الفريدة لهذا الجانب في واقع الفن العراقي المعاصر، وتتسم بالخصوصية والجرأة في آن معا. والمهم فيها ان جسد المرأة لا يقدم بوصفه مادة قابلة للاغراء ومثيرة للرغبة وانما باعتباره حاجة حياتية لصيقة بوجود الانسان منذ خلقه.

وننتقل الى حوار آخر هو «الحوار مع الطائر الاسود، رمز المعرفة المحرمة». وصورة الغراب هي اوسع الصور واكثرها غرابة في لوحات الفنان، اذ لم يسبق لتاريخ الفن العراقي الحديث ان شهد رمزا مثل رمز الغراب يتواتر بهذه الكيفية في اعمال فنان واحد. المهم في دلالة علاقة الانسان بالغراب في هذه اللوحات انها قائمة على ميزتين او بعدين، هما البعد الديني والاسطوري الذي ينطوي عليه رمز الغراب، وهو عند الفنان «الشاهد السري على حيرة الانسان وقلقه، والمرافق لتحولاته».

البعد الثاني يتمثل في المفارقة التي يصنعها وجود الغراب داخل الجسد او قريبا منه، ويمكن ان يرينا هذا الطائر العجيب في اوضاع ثلاثة مختلفة، يضاف الى ذلك الوضع الذي نرى فيه الغراب يسهم بجسده نفسه في تشكيل صورة شيء آخر ذي دلالة رمزية واستعارية ايضا. والوضع الثاني نرى فيه الغراب متداخلا مع جسم الانسان ومتماهيا مع حالته النفسية والمادية.

اما الوضع الثالث من اوضاع الغراب، فهو الذي تكون فيه اللوحة اكثر اضطرابا وحركة، واعمق في اثارة التفكير والايحاء، وفيها يمارس الغراب وظيفته الاساسية تجاه بني البشر في لحظات ضيقهم وازماتهم النفسية والفكرية. (كأن الغراب هنا هو ضمير الانسان والبعد الداخلي الغائب في حياته، وليس فقط خازن الاسرار وحامل المعرفة العلوية).

والموضوع الرئيسي للحوار السابع «حوار اليقظة، او كراسي القضية»، هو تداخل الانسان مع الحجر والشجر في لوحاته، الذي يمثل جزءا من هذه المفارقة الفنية التي تحاول تجسيد هذه البانوراما الكونية التي تمثل الانسان عنصرا محيرا فيها. وحينما نرى مثلا رأس ذلك الانسان الذي تحول جسمه الى شجرة او تلك الشجرة التي تحولت الى انسان، نصاب بدهشة من يقف على حافة هوة خيالية خطرة لا يعرف متى يسقط فيها، وكأننا هنا في منتصف الطريق بين الكون المادي المحض الذي يتمثل في شجرة او كرسي او بناية، وبين الكائن الذي نسميه الانسان، وخصائصه الروحية التي اودعها الله فيه.

والمعرض الذي انجزه الفنان عام 1992 تحت عنوان «حوار اليقظة» يكرس هذا المنحنى الاسلوبي الذي نرى فيه هذا التداخل المضني بين الاشياء والانسان، وتحول احدهما الى الاخر، او توحدهما على نحو يظهر تراجع الذات الانسانية وخيبتها في تحقيق طموحاتها في رؤية الانسان سيد وجوده.

والتجربة التي قدمها الفنان بين يدي معرضه المذكور اعلاه كانت عبارة عن حوار يقظة، حقيقي مر به وهو يفكر بالنهاية التي انتهت اليها القضية الفلسطينية، وهو جالس في موقع شمال الاردن قريب من مرتفعات الجولان المحتلة.

والمعرض هذا يضم مجموعة من (الكراسي) المرسومة بالزيت على القماش، وتعكس بوضعها المجرد والمتهرئ، او مع بقايا انسان كان يجلس عليها في يوم ما، وسنة ما، ويتحاور معها، صورة لوضع تراجيدي بالغ الصعوبة، وهي تعلن بألسنتها الصامتة المؤلفة من الواح معدنية او خشبية تمسكها ببعضها بصعوبة، ما لا يمكن الاعلان عنه باللغة الاعتيادية، وتقول ما يعجز الانسان عن قوله.

ومن الغريب ان تكون لهذه الكراسي، المستهلكة العتيقة كل هذه القدرة على الايحاء، وتحرير الخيال، واطلاق الطاقات الكامنة بعد دخولها قفص اللوحة، بتلك الطريقة الغريبة التي اختارها الفنان.

ومن الطريف ان الكرسي المعد اصلا للجلوس، يقدم غالبا بدون صاحبه الجالس عليه.

وفي حوار «الصورة والكلمة» يتم الحديث عن فيلم قصير يعتمد على مفردات معرض انجزه بشير تحت عنوان «افكار من تراب». وما يهمنا رغم اهمية المعرض، العلاقة بينه وبين القصيدة ـ السيناريو التي وضعها الشاعر يوسف الصائغ، وهو امر يحيل الى رؤية الشروط الخاصة بالصلة الموجودة بين المرئي المتمثل هنا بمفردات المعرض، وغير المرئي المتمثل بكلمات القصيدة، وهما، كما نرى، وسطان تعبيريان مختلفان في مادتهما ولغتهما، ومعالجتهما لموضوعي المكان والزمان. ومن الواضح ان هناك جوانب اخرى مساعدة، كالتصوير البارع الذي قام به حاتم حسين، وموسيقى اكنس بشير، والمؤثرات السينمائية.

لقد اراد الفنان، ان يكتب، بطريقته الخاصة، قصة الحرب من خلال تصوير محنة الانسان الذي استهدفته هذه الحرب، وجعلت ارادة تدميره ذاتا ووجودا، كيانا وحضارة، هدفا من اهدافها.

ويتحدث المؤلف الدكتور ضياء خضير عن قصيدة الشاعر الصائغ بقوله: انها ليست مجرد تعليق او هامش موضوع على متن المعرض، بل ان القصيدة تقترح اسلوبا معينا في تنظيم المنحوتات داخل الفيلم، من شأنه ان يجعل زاوية الرؤية مختلفة عن تلك التي يمكن ان نواجهها في زيارتنا للمعرض.

الحوار الاخير هو «حبر على ورق». وبدءا من التسمية، يمكن القول ان حبرا على ورق، وهو معرض آخر للفنان علاء بشير، نوع من الكتابة التي تتميز بخاصية متناقضة تتجاوز فيها اللوحة الكتابة، وتمحوها في آن معا، اذ انها يمكن ان تقول كل شيء ولا تقول اي شيء، لانها مجرد حبر على ورق، ومحاولة للتعبير عن شيء او اشياء يعرف الفنان قبل غيره انه ليس واثقا من نجاحه فيها والمعرض لا يتبع وسائل تقليدية، للتعبير عن زماننا الراهن، ووضع شهادة خاصة عن مرحلة الحصار.

ان المهمة اوكلت في هذا المعرض لخطوط الحبر السوداء الموضوعة على الورق بطريقة لا تكون فيها هذه الخطوط اثرا خارجيا للفكر بقدر ما تكون هي الفكر نفسه، مأخوذا في شبكة العلاقات والاشكال والحالات التي تتضمن الاشارة الى نفسها، بالقدر نفسه الذي تكون فيه متجهة للاشارة الى غيرها.

وهي تمنح المشاهد قابلية للتأويل والشرح قد لا يمتلكها قارئ الكلمات، فالخط الدقيق، او الاكثر كثافة، فيما ينخرط مع غيره من الخطوط لتشكيل لوحة لها معنى على طريقة الكلمة التي تتصل بغيرها لتأليف جملة، لا يفعل ذلك بتأثير اندراجه في سياق خطاب معروف للمشاهد كما هو الحال في اللغة، انما عن طريق تحقيق انزياح تكون فيه المسافة بين التخطيط ولوحة الرسم الزيتي الاعتيادية، مثل الانزياح الذي يحدث في اللغة الشعرية بالقياس الى لغة النثر الاعتيادية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال