الخميـس 28 ربيـع الثانـى 1425 هـ 17 يونيو 2004 العدد 9333
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جمال الغيطاني: لست في حاجة لاحتكار نجيب محفوظ والتمسح به والعلاقة بيننا أعمق من ذلك

الكاتب المصري لـ«الشرق الأوسط»: لا يوجد ناقد واحد عربي له مصداقية وأوضاعنا الثقافية في أسوأ حالاتها

القاهرة: محمد أبو زيد
نفى الكاتب جمال الغيطاني الاتهامات بعدم الموضوعية التي يوجهها بعض الكتاب لصحيفة «أخبار الأدب» الأسبوعية التي يرأس تحريرها، مؤكدا انها الجسر الوحيد الذي ينشر آراء وابداعات الكتاب والشعراء العرب بكل نزاهة وحرية.

وأرجع الغيطاني في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بمقر عمله ولعه بالاتكاء على التاريخ في ابداعه الروائي الى آلية التخييل الذاتي، التي تجعل من ذات الكاتب مركزا لرؤية واسعة متعددة الأبعاد والدلالات.

كما تطرق الحوار الى قضايا عدة خاصة موقف الغيطاني وآراءه التي غالبا ما تثير الجدل حوله هو شخصيا، وحول ابداعاته المتنوعة في الوقت نفسه.

وهنا نص الحوار.

* في كتاباتك في الفترة الأخيرة خاصة «دفاتر التدوين» و«التجليات» ألاحظ ارتباط الكتابة لديك بالذكرى، وربما تماهي ما هو خاص بما هو عام. الى أي مدى تؤثر حياتك الشخصية عليك ككاتب؟

ـ هناك مصطلح استخدمه صديقي محمد براده لتوصيف ما أقوم به وهو التخييل الذاتي، بمعنى ان الكاتب يعتمد ذاته كركيزة، ولكنه ينطلق منها الى ما هو غير متصل بها، فالذات هي المركز في «التجليات» مثلا، وكما ذكر مولانا جلال الدين الرومي «اذا أردت أن تنظر الى مركز العالم فأنظر الى ذاتك». والنظر هنا ليس من باب النرجسية، وانما من باب أنك ترى العالم كله من زاويتك، وبالتالي فبقدر نضجك، وتقدمك في العمر، وبقدر تجاربك يتحول كل هذا الى ركيزة أساسية لرؤية العالم بمعنى أنك تأخذ تفصيلة بسيطة من حياتك أو توهم القارئ ان هذا حقيقي وهو ليس كذلك، فهنا يتحقق التمثيل من خلال الخيال، وهذا موجود في التجليات.

* هل يمكن رد هذا الى هاجس الشعور بالتقدم في العمر؟

ـ اعتقد كلما تقدم الكاتب في السن شعر أكثر بالزمن، فمشروع «التجليات» مثلا منطلقه وفاة والدي، لكن مع تقدم العمر وشعوري بالزمن بدا لي انه تحدث حالة من اعادة النظر والتعلق بما يفنى، فبدأت مشروعا طويلا اسمه «دفاتر التدوين» وجزؤه الأول «خلسات الكرى» ينطلق من مقولة صوفية: «ماذا يمكن ان يكون لو أن ما لم يكن كان»، فمثلا أنت تلتقي شخصا في مكان ما صدفة، أو تقع عينيك على سيدة جميلة في مطار أو في أحد القطارات ثم يمضي كل الى حاله، وأنا هنا أنطلق من ماذا لو ان علاقة بدأت في هذه اللحظة، وانطلق الى المتخيل، ومن هنا يدخل العجائبي في الواقعي، والدفتر الثاني «دنا فتدلى» يتعلق بالقطار واكتب عن القطارات التي تعاملت معها في حياتي، وتكون الذات هي المنطلق، وهناك بعض الوقائع حقيقية وبعضها متخيل ويكون القطار هو المدخل لفهم الحياة والواقع، وربما اخترت القطار لأننا كجنوبيين لنا تعلق خاص بالقطار. اذ يمثل لنا الحنين والعودة الى الأصول، وفي الدفتر الثالث «رشحات الحمراء» اكتشفت مع العمر ان أي انسان له مرجعية مختلفة، بمعنى انه قد يكون عرف الحب وعمره 4 سنين مثلا، وهذه الحبيبة الأولى هي التي ستحدد مساراته فيما بعد تجاه من يحب أو يخفق لهن قلبه، فرشحات الحمراء هي تداعيات الحبيبة الأولى، ومحاولة للوصول الى أصل انطلقت منه، وهي فكرة صوفية أساسية اذ التقى عندي التدوين الذاتي بالتجربة الصوفية، وفي الدفتر الرابع «نوافد النوافذ» أكتب عن الحياة من خلال النوافذ التي طللت منها طلا واقعيا أو متخيلا، وأشير هنا الى انه عندما تستعيد واقعة من طفولتك فإن الحقيقي عادة يختلط بالمتخيل، أو أكمل الحقيقي بالمتخيل الذي كنت أتمنى أن تكون عليه. والدفتر الخامس «نثار المحو» يعتمد على اصطياد اللحظات المتناثرة التي أفلتت من المحو.

* أريد أن أسألك عن ولعك بالأعمال الضخمة، فالتجليات أربعة أسفار، والتدوين خمسة دفاتر، والخبيئة جزءان؟

ـ أنا أدهش عندما أقرأ عملا في حدود 70 صفحة ومكتوبا عليه كلمة رواية، الرواية عندي لها نماذج في اعتقادي، أنا أولا أتميز بأن عندي طول نفس في الكتابة ثم أن الرواية عندي هي تصوير عالم وبناء ومغامرة في اللغة وفي الشكل، واضافة شيء جديد الى التراث الانساني عموما، وليس الى تراثي الشخصي فقط.

وعندما بدأت البحث عن طريق خاص بداية من «أوراق شاب عاش قبل ألف عام» و«الزيني بركات» لم أكن أعرف أنني أسلك طريقا خاصا، انما كان يقلقني فقط ايجاد الشكل الذي يمكنني من حرية التعبير. كانت عندي رغبة في الكتابة تصطدم مع الاطر الموجودة التي يحددها النقد والقراءات العامة الموجودة بينما كنت أقرأ في التراث كتابة غير موجودة في الأدب الحديث. ففي كتاب الحيوان للجاحظ مثلا نجد ان المؤلف قد توقف لكي يورد نادرة أو طرفة، أو يعرض ابياتا من الشعر، وكنت أتساءل، لماذا لا أكتب هكذا، ولماذا لا تكون عندي هذه الحرية في الكتابة، وهو ما فعلته، بالاضافة الى أنني أمتلك الرغبة في تصوير العالم والحياة من خلال عمل كبير، ولذلك فالاعمال التي ارتبطت بها عاطفيا ووجدانيا أعمال كبرى مثل: موبي دك، البحث عن الزمن الضائع، الجريمة والعقاب، والأخوة كارامازوف، ألف ليلة وليلة، ولو سألتني ما حلمك في الرواية، سأقول لك أن أكتب عملا مثل ألف ليلة وليلة.

* تبدو فكرة الأبدية وكأنها السؤال الأساسي الذي ينبني عليه عالما الرؤية والتشكيل في ابداعك.. كيف ترى ذلك؟

ـ أما ان يتحول الكاتب الى حكاء يحكي القصص بدون اتجاه الى معنى أو جوهر محدد أو يكون مشغولا بالقضايا الكبرى، وأنا أكتشفت بعد سنوات طويلة ان القضية الكبرى التي تشغلني هي الأبدية، اللغز الرهيب الذي سنغادر العالم بدون فهمه، لغز الوجود، وابرز اعراضه الزمن بمعنى: متى بدأ الزمن، هل بدأ في وقت محدد، أم هل بدأ من العدم واذا كان بدأ من نقطة محددة فله نهاية، متى هذه النهاية اذا. وهل هناك زمن واحد أم أزمنة متعددة، ولماذا يمكن مقاومة أى شيء ما عدا الزمن، وقد وعى الانسان هذه الحقيقة منذ بداية الانسانية لذا حاول ان ينتصر على الابدية بالابداع، ان يبدع حجرا يبقى مع الزمن أو كتابة، أو يلخص واقعا في كلمة لتبقى، فسؤال الزمن هو السؤال الكبير الدائم لدي فابتداء من «اوراق شاب» مجموعتي الأولى مرورا بـ «الزيني بركات» وحتى «التجليات» و«دفاتر التدوين» ستجد هذا السؤال وهذا الحوار مع اللحظة.

* هل هذا اذن هو سبب القفزة الزمنية في قصة «أوراق شاب عاش من ألف عام»؟

ـ نعم، فقد قفزت من 5 يونيو (حزيران) 1967 الى 5 يونيو 2967 عندما كتبتها، وكذلك في «الزيني بركات» رجعت 500 سنة الى الخلف لمعايشة لحظة مماثلة، انا دائما في حوار مع اللحظة التي تفني في محاولة لاقتناصها.

* تدور أعمالك عادة في اطار تاريخي غير محدد، مع وجود اهتمام بالمكان بوصفه، بالكتابة عنه، ماذا يمثل المكان بالنسبة لك؟

ـ يمثل المكان بالنسبة لي أحد أشكال الزمان، وهو الوجه الآخر للزمن والوعاء، الذي يحتويه ولذلك لو تخيلت أية لحظة من حياتك، ستتذكرها مرتبطة بالمكان، وهناك مقولة صوفية تقول، ان الزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمد، وهي مقولة صحيحة، لكني اكتشفت من خبرتي ان المكان يزول أيضا بالنسبة للانسان، فعندما أذهب الى الحارة التي نشأت فيها لا أجدها، لأن الزمان والمكان اختلفا، فاللحظة التي تعني لي شيئا ثمينا، انقضت بانقضاء زمانها، فكما ينقضى الزمان ينقضي المكان أيضا، ومن الناحية الفيزيائية ستجد ان الكوكب الذي نحيا عليه له توقيت، بمعنى انه لن يظل يدور هكذا الى الأبد، فالشمس لن تظل هكذا، ستنفجر وتنطفئ، والحقيقة ان القضايا الكبرى تشغلني جدا في الفترة الأخيرة.

* ألاحظ عنايتك بالسفر والارتحال، وربما في أكثر من موضع: «متون الأهرام»، و«هاتف المغيب» و«التجليات» و«دنا فتدلى»، إلام يعود هذا؟

ـ هذا يرتبط أيضا بالزمن، وأحيلك الى مقولة لابن عربي، الانسان يسافر مع الانفاس، من نفس الى نفس، ومن دقة قلب الى أخرى نحن في حالة سفر، والكون كله في حالة سفر، والسفر نوعان، سفر في المكان، وسفر في الذات، واظن انني الآن في مرحلة السفر في الذات، وهذه النقطة تتضح في «هاتف المغيب»، فجمال بن عبدالله يلتقي أحمد بن عبدالله، وهذا بالمناسبة هو اسمى وقد شطرته الى نصفين، وأحدهما مقعد لم يسافر قط، لكنه يصل الى نفس النتائج التي ضيع الثاني عمره في السفر من أجل أن يصل اليها، فالسفر في الذات هو نوع من السفر في المكان وفكرة السفر فكرة اساسية في التصوف، الذي أنا قريب منه جدا، وقد خصصت لهذا رواية «هاتف المغيب»، بالاضافة الى أن التجليات جميعها ترحال، وعادة مع اقتراب الانسان من سن حساسة كالستين يكثر سفره الى داخل ذاته.

* هل قصدت التماهي بين شخصيتي الراوي والكاتب في رواية «هاتف المغيب» ولماذا؟

ـ الفكرة تقوم على ان أحدهما اضطر للرحيل نتيجة لهاتف خفي أو للقوة الخفية التي لا نعرف مصدرها، ومر بسبع مراحل في الصحراء، الى أن وصل الى بحر الظلمات، كما كان يعرف في القرون الوسطى ليلتقى الآخر، وانا هنا أتماهى مع ابن بطوطة لأن ابن بطوطة لم يكتب رحلته وانما املاها على ابن جزي. فهنا استوحي شكل رحلة ابن بطوطة الذي يملى رحلته على شخص آخر، وهكذا فعندي في الرواية شخصان ـ هما شخص واحد ـ احدهما أنفق عمره في الترحال، مغتربا عن مسقط رأسه، والآخر مقيم لكنه في اقامته ادرك نفس النتائج التي وصلها الآخر في نهاية المطاف عجوزا محملا بالتجارب، فما ادركه جمال بترحاله ادركه أحمد بثباته وبقائه.

* شهد ابن إياس هزيمة المماليك ايام العثمانيين، وشهدت أنت هزيمة 1967. هل يمكن ان تكون آليات القهر البوليسي والمخابراتي ونظام البصاصين والهزيمة الموحدة بين الفترتين، سببا من أسباب تضمين مقاطع كاملة من ابن إياس في روايتك «الزيني بركات»؟

ـ هناك تشابه كبير بين الزمنين، والعصر المملوكي لم ينته بعد وقيمه لم تزل سارية حتى الآن، وهناك كلمة تستخدم هنا في مصر، عندما يقال «فلان بتاع فلان» أي ملك فلان، وهو يرد الى نظام الاتباع، في العصر المملوكي، وعندما يقول أحد لآخر «كلم لي فلانا» أي واسطة بمعنى ان العنصر الشخصي داخل على الموضوعي، فهذه القيم لم تزل سارية منذ ايام المماليك، ولم نتخلص منها بعد، والعصر المملوكي كانت به جوانب عظيمة مثل الأضرحة التي بنيت والمساجد والعمارة، وأنا هنا أفرق بين العصر المملوكي الأول التي كانت مصر فيه سلطنة، والعصر المملوكي الثاني الذي تحولت مصر فيه الى ولاية تابعة للعثمانيين فهذا عصر انهيار انتهى بالثورة الفرنسية، وقامت مصر من الرماد أيام محمد علي، لأن تاريخ مصر صعود وهبوط كالهرم الذي هو فلسفة وليس مجرد عمارة، في 1967 كانت كبوة، ونكسة بالنسبة لي، اذن فمنطلقي لكتابة الزيني بركات مضمون مملوكي قديم لكن الاطار عصري تماما.

* في مقدمته التي كتبها للطبعة الانجليزية للرواية يربط ادوارد سعيد بين الزيني بركات وعبد الناصر، والعثمانيين والاسرائيليين. ما رأيك في هذا الربط؟

ـ انا ضد هذا الربط لأنه يحدد مضمون الرواية، لكن الهزيمتين متشابهتان. لكن بالتأكيد فالزيني بركات يختلف عن عبد الناصر، فالزيني بركات يصور جوهر وقسوة السلطة في المطلق، لكن عبد الناصر لم يكن في جبروت الزيني بركات الذي يمثل جبروت السلطة المطلق في أي زمان وفي أي مكان، فعندما تقول انه عبد الناصر فأنت تحدده، لا، فالرواية تشمل من هو قبل عبد الناصر ومن هو بعد عبد الناصر، نفس الشيء بالنسبة لزكريا بن راضي فهو الذي عذب الناس في سجون مصر الحربية، أو السجون الحديثة أو سجن أبو غريب بالعراق، أو في أي مكان فهو يمثل فكرة القهر أيا كان مصدرها، لذلك نجد انه لم يكن هناك نظام مخابراتي في مصر المملوكية، بهذه الدقة، ولم يكن اسمهم البصاصين، وبالمناسبة هذه الكلمة من نحتي، وكان اسمه الرسمي «صاحب الخبر» وكان يتبع ديوان الانشاء في الدولة المملوكية، وأنا أنشأت جهاز البصاصين مستلهما أجهزة الرصد والتحري والتعذيب في العصر الحديث ومتخيلا ما بعدها، فهناك اساليب تعذيب واساليب بص يمارسها زكريا بن راضي غير موجودة في العصر الحديث، فأنا هنا أدين المطلق والقهر أيا كانت جنسيته ولغته وزمانه ومن هنا أنا أتفق وأختلف مع مقولة صديقي الراحل ادوارد سعيد.

* أصبحت الحارة ملمحا رئيسيا لدى بعض تلاميذ نجيب محفوظ، بالنسبة لك في «وقائع حارة الزعفراني» هل كتبت عن الحارة لأنك نشأت في القاهرة الفاطمية، أم أنك تأثرت بنجيب محفوظ؟

ـ بالنسبة لي الظروف مختلفة، فأنا نشأت في نفس المنطقة التي ولد فيها نجيب محفوظ، وعشتها، الحارة عندي مختلفة تماما عنه، فأنا عشت فترة الحارة عندما أصبحت تمثل الحضيض الاجتماعي، بينما كانت في فترة نجيب محفوظ لا تزال بها أسر باشوات، وكان لها شكل اسطوري فكان هناك بيت الباشا يجاور بيت الفقير، والفرن، والقبو والدراويش، أما حارتي فهي حارة الخمسينات حينما ترك الباشوات الحارة وظلت فيها الفئات الصغيرة، والحارات لا يقصد بها الاحياء العشوائية، التي بها انهيار اجتماعي وتوجد الآن، فأنا عشت في حارة قاهرية صحيحة بها فقراء ومستورون، وهي تختلف عن حارة نجيب محفوظ الذي اعتبره أول من اكتشف القاهرة القديمة، تماما كما اكتشف كولومبس اميركا وأضاف عينا ثالثا لرؤية المكان وبعده يأتي أخرون لكنهم يرون الحارة بشكل مختلف من وجهة نظرهم.

* بالمناسبة، ماذا عما يقال عن احتكارك لنجيب محفوظ؟

ـ لعلمك أنا أخفي نفسي الان بجانب نجيب محفوظ، بمعنى أنه عندما أجد أحدا يقوم بالتصوير ابتعد، وانا علاقتي بنجيب محفوظ أعمق بكثير من حكاية احتكاره، ويكفي تدوين سيرته الذاتية، وهي علاقة تمتد لخمسين سنة، لا يمكن أن أفصلها عن حياتي، والآن بعد شهرة نجيب محفوظ وعالميته هناك من يتمسح فيه، وأنا لست في حاجة الى ذلك، لأن العلاقة أعمق من ذلك، لذا فالحديث عن احتكار نجيب محفوظ يقال عن شخص عرفه بعد نوبل، فيسعى للتصوير بجانبه ليدعي صداقته والآن أنا أقدم اثنين من أصدقاء نجيب محفوظ والأقرب اليه، وهؤلاء الاثنان هما توفيق صالح المخرج وأنا. وهي علاقة ليست بحاجة الى حجج.

* الكتابة الصوفية، يرى البعض انها أصبحت موضة، خاصة مع ازدهارها في الفترة الأخيرة، وانها تسقط البعض في التجربد والذهنية بالنسبة لك، كيف كان الأمر؟

ـ من أوائل الناس الذين حاولوا ان يتماسوا مع الكتابة الصوفية ويتماهوا معها بشكل جيد هو الاستاذ نجيب محفوظ، وستجد شخصية الصوفي موجودة في شخصية الشيخ متولي عبد الصمد في الثلاثية والشيخ في اللص والكلاب، وأيضا في الشحاذ، ولكن أنا كتبت بشكل مختلف، وربما هذا هو ما ميزني في هذا الطريق.

* أنا أقصد الكتابة الصوفية، وليست الشخصيات الصوفية، والعلاقة بين الحداثة والتصوف من وجهة نظرك؟

ـ اعتقد ان الكتابة الصوفية موجودة عندي بعمق لأنها مرتبطة بالسؤال الخاص بالوجود والزمن، بالاضافة الى أن الكتابة عندي تقوم على المغامرة، فأنا مشغول دائما بالتجريب، فلم تعد لدي الآن محاذير مثل أن تتطور الشخصية حسب المنطق الكلاسيكي، أو أن أتصور الأحداث حسب المنطق الواقعي، أنا أصور الأحداث حسبما أراها، ولذلك أهتم في كتابتي بقضية التجديد أي أن أكتب شيئا لم يكتب مثله من قبل، وأرى أن المبدع لو لم يحمل هذا الهم فهو لا يضيف جديدا، وقد أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر جرأة على تجاوز الأشكال المتعارف عليها في النص نعم حدث هذا في «الزيني بركات»، وبشكل ما في «"الزعفراني» و«شطح المدنية» ولكن في السنوات الأخيرة لم تعد لدي حواجز أخاف منها فقد تجاوزتها داخليا.

* كيف ترى المجلات التي تصدرها المؤسسات الثقافية الحكومية؟

ـ هناك مجلات يتفنن القائمون عليها في تحنيطها وتفريغها من محتواها، وتحويلها الى أوعية فارغة مثلا مجلة «الثقافة الجديدة» كان بها حيوية، لكن الغريب انه بعد أن تحسن ورقها واسندت رئاسة تحريرها الى كاتب معروف تحولت الى ثلاجة تأتيني فلا أشعر بالرغبة في أن أقرأها، مجلة مثل «فصول» وهي مجلة فخمة جدا مليئة بالمقالات ثقيلة الوزن ليس لها تأثير، والجريدة الاسبوعية لوزارة الثقافة جريدة ـ لا تؤاخذني ـ للردح للمعارضين، تشتم الناس وتعايرهم بمهنهم، فهل هذه هي الوزارة التي كانت تصدر مجلة «المجلة» في الستينات لكن الذي يبعث على التفاؤل أن الحركة الأخرى تعتمد على نفسها وعلى جهودها الذاتية وهي موجودة ولكن متى ستفرز نتاجها، نحن في انتظار ذلك لأنها هي الأمل، وأترك المؤسسة هكذا قائمة ببريقها حتى تتهاوى.

* خصص الناقد فاروق عبد القادر فصولا كاملة من ثلاثة كتب له للهجوم عليك وعلى أعمالك الإبداعية، ويقول ان بينه وبينك قصة قصيرة، ما هي هذه القصة؟

ـ هذه حالة، لا أتوقف عندها، ولا أقرأها، وقديما كان هناك رجل يسمونه «مجنون سعاد حسني» وأنا لست سعاد حسني وبالتالي، فعندما يكون هناك ناقد يهاجم كاتبا بدون مبرر وباستمرار فهذه حالة، وهو يكرهني، الله يسامحه.

* يرى بعض النقاد ان روايتك «حكايات المؤسسة» هي حكايات أخبار اليوم المؤسسة التي تعمل بها فما رأيك؟

ـ لا. الموضوع أكبر من هذا بكثير، ولا يوجد أي تشابه بين المؤسسة في الرواية ومؤسسة أخبار اليوم، وهذا الكلام جزء من محاولات الاساءة الي، والتي جسدها مقال الناقد الذي اشرت اليه سابقا وهذا استعداء للجهة التي أعمل بها ضدي واستعداء لجهات الأمن، واستعداء لما هو أكبر، بمعنى انه لولا انه يوجد قدر من المنطق والعقل في الواقع الذي نحيا فيه، لكنت قد صفيت جسديا، ولو كنت تريد أن تعرف حالنا في النقد اقرأ ما كتبه فيصل دراج عن هذه الرواية، وما كتبه هذا الناقد الذي يهدف الى تصغير الرواية والايقاع بيني وبين الواقع الذي أعيشه، فأنا كما قلت لك مهموم بهموم كبيرة، وحكايات المؤسسة بها هموم كبرى، تمعن مثلا في الدور الـ 12 الذي لا يعرف أحد ما يجرى فيه، وبالمناسبة لا يوجد عندنا في أخبار اليوم دور رقم 12.

* من واقع تجربتك، هل الأفضل للكاتب ان يبتعد عن العمل الثقافي العام؟

ـ نعم. وهذه هي نصحيتي لكل كاتب، ان يبتعد عن العمل في العمل الثقافي العام، فأنا نادم جدا على الفترة التي عملتها في الصحافة الثقافية ولو استمررت كمحرر عادي عسكري أو محقق فإن هذا كان سيثري تجربتي لكن السبب الذي جعلني أتصدى لهذا العمل في «أخبار الأدب» هو وجود انهيار في المجلات الثقافية، وفي الصحافة الثقافية، وعندما توليت الاشراف على صفحة أخبار الأدب سنة 1985 كانت هناك قائمة بأكثر من 200 اسم ممنوع ذكرها في الأخبار على رأسها ادوار الخراط، ولذلك قمت بحملة لا للتصنيف، ولا لحجب كاتب بسبب انتمائه الفكري أو السياسي، وأصبح بعدها نشر هذه الاسماء عاديا. واعتقد أنه عندما ينتهي دوري سيحسب لي هذا والدور الذي لعبته «أخبار الأدب» في الصحافة العربية.

* لكن البعض يتهم «أخبار الأدب» بعدم الموضوعية في النشر أيضا؟

ـ «أخبار الأدب» هي الجسر الوحيد المنتظم الآن اسبوعيا، وباعلى درجة من النزاهة لنشر الانتاج العربي غير القاصر على مصر في زمن تتقطع فيه كل الأوصال، واعتقد ان هذا ملموس، ولم يحدث منذ 12 عاما لي مع «أخبار الأدب» أي تدخل من المسؤول الأول على الدار، بل هناك مساحة من الحرية بعض رؤساء التحرير لا يجيدون استخدامها، وتجربتي تثبت هذا، وأقرأ الجريدة وستجد ذلك بنفسك، هناك مساحة من الحرية، ولا توجد أي مصالح.

* لكن بصراحة، هل استفدت من عملك بها؟

ـ أنا كاتب معروف وكتبي منتشرة وتوزع قبل «أخبار الأدب» وستظل، ولو تتابع الجريدة ستجد أنني أنشر مرة واحدة في السنة، ولا أسمح بنشر خبر ولا مقال عني، وهذه تقاليد تعلمناها من اساتذتنا، فلا تجد مثلا مقالا عن يحيى حقي في مجلة «المجلة» التي كان يرأس تحريرها ـ وأنا ولله الحمد ـ أدير «أخبار الأدب» بأقصى قدر من النزاهة في زمن صعب.

* كيف ترى حركة النقد وعلاقتها بالنتاجات الروائية الجديدة؟

ـ الأجيال الجديدة تقدم فورة في الرواية، وتقدم شيئا جديدا حقيقيا لكن الكارثة انه لا يوجد وضع ثقافي يبرز الناس، فأنا مثلا ولدت من خلال كتاب واحد لأنه عندما ظهر «أوراق شاب عاش من ألف عام» كانت هناك اسماء نقدية لا يتطرق اليها الشك ولها المصداقية، بمعنى لو كتب لويس عوض أو لطيفة الزيات أو محمد مندور عن أحد فهذا معناه انه قد ولد أديبا، لكن اليوم لا يوجد ناقد واحد له المصداقية، الاستثناءات محدودة ولا تصنع حركة نقدية، هناك نقاد يكتبون لتمشية المصالح أو من أجل المال، وهناك اقلام كبيرة في النقد لا أقرأها لأني أعرف ان ما يكتبونه هو سواد الحبر في بياض الورق، مهما ادعوا من موقف بالاضافة الى أن أوضاعنا الثقافية في أسوأ حالتها نتيجة تردي المؤسسة الثقافية الموجودة، منحة التفرغ رشوة، نشر الكتاب منة، فما بالك بتقديم كاتب وتقبله، الوضع الثقافي في مصر ممزق، نحن نعيش فترة صعبة من الحياة الثقافية، والفساد طال المؤسسات الثقافية، وأنا رفضت هذا، ولم أرض لضميري أن يصمت، فكانت النتيجة ان أهاجم وأن أشتم وأن أثير الجدل.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال