الجمعـة 27 جمـادى الاولـى 1425 هـ 16 يوليو 2004 العدد 9362
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

من يحمي تراث عادل زعيتر من النهب؟

«تاريخ العرب العام» للمستشرق الفرنسي سيديو تظهر باسم «مترجم» آخر بعد نصف قرن على رحيل المترجم الفلسطيني

حسين محمد بافقيه*
في هذه المقالة، يتهم كاتب سعودي عبد الله علي الشيخ بالسطو على ترجمة الراحل عادل زعيتر لكتاب «تاريخ العرب العام» للمستشرق الفرنسي سيديو ونسبتها لنفسه.

وكانت «ترجمة» الشيخ قد صدرت عام 2002 في العاصمة الأردنية عن «الأهلية للنشر والتوزيع». وقد اتصلت «الشرق الأوسط»، من خلال مكتبها بعمان، بمدير الدار الذي أكد أنه فوجئ بالأمر وأن ادار لم تكن على علم بترجمة زعيتر، وحاول الاتصال بالمترجم، الذي تبين أنه عراقي كان يسكن في العاصمة الأردنية. لكننا لم نتسلم شيئاً بالرغم من متابعتنا اليومية، وبالرغم من وعوده المتكررة.

ونحن هنا ننشر الموضوع مع الوثائق المرفقة، مؤكدين في الوقت نفسه على حق المترجم أو ناشره بالرد على صفحات هذه الجريدة

يعدّ عادل زعيتر (1895 ـ1957)، الذي وُلِد وتوفّي في نابلس، عَلاَمة مهمّة في حركة الترجمة إلى اللغة العربيّة في العصر الحديث، بما امتلكه من صبر على ترجمة عددٍ من الكتب التي ينوء بترجمتها العصبة من أولي العزم، فأعاد ـ فيما تقرِّر بنت الشاطئ ـ «إلى الترجمة اعتبارها بعد أن هبط بها المرتزِقة والمأجورون وصنائع الاستعمار الفكريّ، وأنّه الذي وقف في غمرة الظلمة الداجية، يحمل المشعل بيده الكريمة ليضيء لقومه العرب، طريق الحقّ والخير والعِزّة. وما كان مشعله المضيء سوى قلم قويّ، نبيل أصيل، يستمدّ قوّته ونبله من عقل ناجح، وضمير حيّ، وقلب كبير، وذكاء ساطع».

ومن يطالع ترجماته، عيونَ كتب المستشرقين; يظفرْ بفضل ما أسداه هذا الرجل إلى الثقافة العربيّة واللغة العربيّة، وذلك بانتخابه عددًا من الكتب الفلسفيّة والفكريّة التي قام عليها الفكر الحديث في الغرب، وتركتْ أبلغ الأثر في تفكير ساسته وشعوبه، كترجماته الباذخة لـ«روح الشرائع» لمونتسكيو، و«العقد الاجتماعي»، و«إميل» لجان جاك روسّو، و«الرسائل الفلسفيّة» لفولتير، وكأنه، بترجماته تلك، يصل، وبِطَرَف خفيّ، العرب المحدثين بأسباب النهوض والتقدُّم، وبخاصّة ما له صلة بالدستور والتشريع وحقوق الشعب وحريّاته، والأسس التي تقوم عليها الدولة المدنيّة الحديثة التي تأثّلت في الغرب الحديث، وبلغ صداها الفكر السياسيّ العربيّ المعاصر، لدى مفكري عصر النهضة، لتتحوّل تلك المدوّنات الفكريّة المهمّة، مع عادل زعيتر وجيل من المترجمين الكبار، إلى مادّة فكريّة وذخيرة ثقافيّة لدى كوكبة عريضة من المثقفين العرب.

ولم يكتفِ عادل زعيتر، الذي بلغت مترجماته، فيما ذكر الزِرِكْليّ، سبعة وثلاثين كتابًا، بنقل كتب الشرائع والفلسفة، فحسب، ولكنّه انتخب من عيون كتب المستشرقين عددًا من المؤلفات المهمّة، في التاريخ الإسلاميّ وحضارته، ورجالات السياسة والقادة في أوروبا، وكأنّه آلى على نفسه أن ينقل إلى لغة قومه ما يؤصِّل العمق الحضاريّ لتاريخهم، ومن ذلك كُتُب «حياة محمد» لإميل درمنغهام، و«نابليون«، و«كليوبترة» لإميل لودفيغ; و«ابن خلدون» لبوتول، و«ابن رشد والرشديّة» لرينان، و«حضارة العرب»، و«حضارات الهند»، و«روح الاشتراكيّة»، و«روح الثورات والثورة الفرنسيّة»، و«فلسفة التاريخ»، و«روح السياسة» لغوستاف لوبون، و«البحر المتوسط»، و«النيل: حياة نهر» لإميل لودفيغ; و«تاريخ العرب العامّ» لسيديّو.

والذي له صلة بما نقله عادل زعيتر من كتب المفكرين الغربيّين، يدرك أنّ الرجل كان ينتمي إلى جيل من المترجمين العلماء الذين كابدوا المشاقّ لجعل الجملة العربيّة قادرة على تمثُّل الفكر الحديث، بإحياء النمط العربيّ من القول، وبعْث موات الكلمات، من دون أن يضطرّ إلى هلهلة التركيب اللغويّ باحتذاء الأساليب الغربيّة، التي يلجأ إليها، عادة، غير قليل من النَّقَلَة والمترجمين. فقارئ مترجمات زعيتر أمام لغة بيانيّة من النمط العربيّ العالي، ذلك النمط الذي يملأ عليك وعيك ووجدانك، حتى لتشعر بحصار اللغة لك، وحتّى لتحسب أنّ الرجل ينحت الكلمات ويسبك التراكيب سبكًا، بيدٍ صَنَاعٍ ماهرة، وكأنّه ابتغى تحديث أوصال الجسد العربيّ بتطعيمه بأسباب النهوض والتقدّم، كما رآها في الفكر الغربيّ، وأنْ يتمّ ذلك كلّه بلسان عربيّ مبين.

يقول في تقديمه لترجمته كتاب «النيل: حياة نهر» لإميل لودفيغ: «ومن يطّلعْ على كتب لودفيغ ومَنْ إليه من أساطين الأدب في الغرب يَرُعْه ما بين الأدبين، العربيّ والغربيّ، من بون واسع في الوقت الحاضر، مع ما كان من غِنَى لغة الأدب العربيّ في الزمن الغابر، ولا بُدَّ، لذلك، من تطعيم لغتنا الراهنة مقدارًا فمقدارًا بما تحتويه معاجمنا من كلمات غير نابية، فلعلّها تصير مألوفة، وهذا ما سرتُ عليه بعض السير في كثير من الأسفار التي ترجمتها، ولكن مع تفسير هذه الكلمات في هامش الصفحات تسهيلاً للمطالعة».

وبالفعل فإنّ من يطالع مترجمات عادل زعيتر; يظفر بمتعة لغويّة وبيانيّة، ويخرج، من مطالعته تلك، بوفرة من المفردات العربيّة القديمة التي أعاد إليها الحياة بعد موتها، وكأنّك أمام نصّ أدبيّ ينتمي إلى القرن الرابع الهجريّ، جودة وصلابة ورواء ، وإنْ لم يسلم، مع ذلك، ممن انتقد أسلوبه العربيّ المتين الذي يحتاج ـ كما ينقل وديع فلسطين عن بعض نقّاده ـ إلى «ترجمة عربيّة بعبارات مفهومة»!

ومنذ ردح من الزمان استهوتني قراءة ترجمات عادل زعيتر، فهي، فضلاً عن انتخابها عيون الفكر الغربيّ الحديث، والتأريخ للحضارة الإسلاميّة، والشرق عامّة، تحظى بمتعة العبارة العربيّة القديمة، التي تعمُر العين والسمع، فأطلبها، في بعض الأحيان، مستجمًّا مما ابتليت به أساليبنا اللغويّة من اعوجاج ونبوّ عن الذوق العربيّ، ومتأمّلاً في تراكيبه، وطريقة سكّه للعبارات، فيزداد إكباري لذلك الرجل الذي تنزوي لغتنا أمام بيانه، وقد رشَحَتْ وأعياها النصَب، بحثًا عن مفردةٍ جديدة، أو تركيب عجيب!

في رمضان الفائت ابتعتُ، من معرض الكتاب الدوليّ بجدة، كتاب «تاريخ العرب العامّ» للمستشرق الفرنسيّ سيديّو، بطبعة جديدة نشرتها «الأهليّة للنشر والتوزيع» بعمّان عام 2002، ونقلها إلى العربيّة عبد الله علي الشيخ. وكان يقودني إلى هذه النشرة الجديدة، رغبتي في تأمُّل الأسلوب العربيّ -تركيبًا ومفرداتٍ ـ في ترجمتيْن، أوّلاهما، ترجمة عادل زعيتر، الذي ينتمي إلى جيل المترجمين الروّاد في الثقافة العربيّة المعاصرة; وأخراهما ترجمة عبد الله علي الشيخ، الذي ظنَنْتُه من المترجمين الجُدد، مُمَنّيًا نفسي بمتعة المقابلة بين ذينك النصّيْن، فلعلّي أكتشف عبقريّة الجملة العربيّة لدى عادل زعيتر، فأنا أحد مريدي لغته!

وفي الأمس القريب جُبْتُ ترجماتِ عادل زعيتر التي تضمّها مكتبتي، متأمِّلاً لغتَه العالية الرفيعة، ومن ذلك أنّني أخذت أقرأ في ترجمته كتاب «تاريخ العرب العامّ» لسيديّو، وفجأةً تذكّرتُ أنّ في مكتبتي ترجمةً أخرى للكتاب، فهُرعْتُ إليها، طلبًا للمقابلة بين النصّيْن العربيّين للترجمة; ترجمة عادل زعيتر البيانيّة المتينة، وترجمة عبد الله علي الشيخ التي كنتُ أحسبها ستسير في نهج الترجمات العربيّة الحديثة، في حرفيّتها، وميلها إلى أوّل خاطر للكلمات والمعاني، من دون أن يكابد المترجم المعاناة في النقل إلى الفضاء الذهنيّ للغة العربيّة والثقافة العربيّة.

هكذا كنتُ أظنّ.. وهذا ما كنتُ أبتغيه من النشرتيْن!

غير أنّ المفاجأة لم تكن سعيدة، بل كانت صدمة عنيفة، حينما اكتشفتُ أنّ نشرة عبد الله علي الشيخ التي أصدرتها «الأهليّة للنشر والتوزيع» بعمّان، لم تكن سوى سرقة علميّة وفضيحة أخلاقيّة ضخمة، فمنذ الفقرة الأولى للكتاب تطابقت الكلمات والجمل والعبارات، والفواصل والنقاط والفقرات! فما كان منّي إلا أن سوّيتُ جلستي، وحملقتُ عينيّ، فلعلّي واهم، أو أخذتني سِنَةٌ من نومٌ، فانتقلتُ إلى الفقرة الثانية، فالثالثة، فالفصل الأول، فالثاني، فالثالث، فالأخير، فإذا نشرة «الأهليّة للنشر والتوزيع»، هي ترجمة الراحل عادل زعيتر بحذافيرها، ولم يختلف عنها سوى محْو اسمه من الغلاف، ووضع اسم عبد الله علي الشيخ، بعد اختصار مقدّمة الكتاب، وحذف تعليق مجمع البحوث الإسلاميّة في الأزهر في خاتمة الترجمة، أمّا ما دون ذلك فليس ثمّة سوى سرقة في رابعة النهار، وفاجعة علميّة مؤلمة، من دون حياء من الله والنّاس والعلم، وكأنّ الناشر و«المترجم» وَهَما في أنّ النشرة القديمة (مطبعة عيسى البابي الحلبيّ وشركاه) قد اختفت، وأنّ الزمان أبلاها، فسوّلت النفس الأمّارة بالسوء نَهْبَ تراث المترجم الكبير عادل زعيتر، ولعلّ سرقاتٍ أخرى اعتدت على تراث آخرين، وبخاصة الطبعات القديمة التي يعزّ وجودها بين أيدي القراء والباحثين، والمدهش أن لا يخفي السارق أثر سرقته، كما يفعل، عادةً، دهاة السَرقة، ولكنّه يتبجّح بأنّ يعدّ نفسه مترجمًا، وما هو بمترجم، ولكنّه سارق ينبغي أن يقدَّم إلى المحاكمة، وإن ثبت ضلوع دار النشر في الجناية، فينبغي، كذلك، محاكمتها، قضائيًّا، وإيقاف نشاطها، ومنعها من الاشتراك في المعارض الدوليّة للكتاب.

رحم الله المترجم الكبير عادل زعيتر الذي كابد المشاقّ والصعاب، وهو ينقل إلى أبناء لغته صَوْب العقول المفكّرة في الغرب، والذي توفّاه الله قبل نحو نصف قرن، وهو مُكِبّ على ترجمة سِفْر فكريّ جديد، وما كان ليظنّ أن سيكرّمه قومه إلا بالوفاء له، والإشادة بعمله، أمّا أن يُسْرَق جهده وتعبه، فما أحسب أنّ هذا الخاطر طرأ على ذهنه.. ولكنّه زماننا العربيّ الجديد.. فيا لردءاة زماننا!

* ناقد سعوديّ

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال