الاثنيـن 10 ذو القعـدة 1421 هـ 5 فبراير 2001 العدد 8105
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ضوء وظل في كتاب وفضاء تشكيلي في مجلة

التونسي مصطفى شلبي يكتب عن أعمال مواطنه الرسام نور الدين الخياشي

تونس: الحبيب السعيدي
يوفر نشر الناقد والباحث التونسي مصطفى شلبي، لكتاب عن أعمال مواطنه الرسام نور الدين الخياشي، فرصة مثالية للتعرض ولو بإيجاز إلى مجلته الشهرية الناطقة بالفرنسية، التي شرع يصدرها منذ ابريل (نيسان) 2000، تحت عنوان «الفضاء التشكيلي».

وقد ملأت الأعداد السبعة من هذه النشرة، فراغا لا تشكو منه الساحة التونسية فقط، بل والساحة العربية بشكل عام، ذلك من ناحية توفر منبر إعلامي يختص بهذا الفن ويتسع لأنشطته ويسمح في الوقت نفسه بالتعريف بوجوهه وأعلامه خارج حدود الوطن العربي. وقد يكون هذا العنصر كافياً لتبرير صدور المجلة باللغة الفرنسية، وتركز توزيعها على السوقين المغاربية والفرنسية في مرحلة أولى. فالهدف من وراء ذلك، كما يؤكد صاحبها، هو نشر صورة الفن التشكيلي العربي على نطاق أوسع بشكل يزيد في ترسيخ حضوره وإشعاعه في أهم العواصم التي تشهد ازدهار التجارب في مجال الفنون التشكيلية على مستوى العالم، مثل باريس ونيويورك وطوكيو، وغيرها.

وقد سبق للناقد والباحث شلبي، الذي عاد إلى تونس بعد إقامة في فرنسا قاربت العقدين من الزمن، ان اصدر في باريس ثلاث دوريات أخرى شبيهة بـ«الفضاء التشكيلي»، وهي «بريد الأروقة» و«رسالة الأروقة» و«الأندلسي». كما اصدر سنة 1989 مؤلفاً بالفرنسية كان قد أعده لنيل شهادة دكتوراه الدولة في علم الاجتماع، تحت عنوان «الثقافة والذاكرة الجماعية في المغرب العربي»، ويأتي مؤلفه الجديد الناطق بالفرنسية أيضا، ليحيط بحياة وأعمال واحد من أهم رسامي تونس المعاصرين الفنان نور الدين الخياشي وذلك تحت عنوان «... والضوء.. والظل..».

جاء الكتاب في 250 صفحة، واحتوى على سبعة فصول. تضمن الفصل الأول تقديما وتحليلا لأعمال الخياشي التي تناول فيها مختلف أوجه الحياة في تونس، «بطريقة المؤرخ وعالم الاجتماع» مثلما يعلق على ذلك شلبي. وعند العودة إلى الأعمال التي يستشهد بها الباحث في هذا الصدد، نجد أنها تعبّر عن أدق تفاصيل الحياة اليومية في تونس، كما عاشها أثناء طفولته أو كما أصبح يتأملها بعين الدارس والفنان في فترة نضجه، مما جعل لوحاته المندرجة في هذا الإطار تبدو كأنها جملة من التصميمات لنوع من المشاهد المسرحية، التي تستمد أبطالها من الواقع وتصوغ ديكورها من نبض المعيش اليومي.

الفصل الثاني من الكتاب، الذي جاء تحت عنوان «الخياشي والبورتريه»، يفتتحه شلبي بعبارة للرسام يقول فيها: «عند تركيز النظر على شخص ما وبالتالي التأمل في تشكيله، يغدو بإمكان الفنان أن يحيط بالهالة الملكية لسلوك ذلك الشخص، وان ينفذ إلى عمق أفكاره ويتلمس سعة أحلامه ولامحدودية روحه». ان هذه المفردات التي ينطق بها الخياشي، تغدو مجسدة ومشخصة بطريقة شبه حرفية، لكنها دقيقة عند التأمل في أعمال «البورتريه»، التي أنجزها لبعض المشاهير خاصة بعض ملوك وبايات تونس ما قبل الاستقلال. فالرسام لا يكتفي بتصوير هالتهم الخارجية التي تبرز بهرجهم وهيبتهم الملكية، إنما هو ينفذ بالفعل إلى دواخلهم عبر التركيز على طريقة نظرهم والإلمام بالتجاعيد المميزة لوجوههم، ثم كيفية وقوفهم أو جلوسهم وما إلى ذلك. وهو ما يرقى بأعماله المندرجة في هذا السياق إلى مستوى الوثائق المهمة والثمينة، التي يمكن أن تفيد في دراسة شخصيات هؤلاء السلاطين وفي بعض طرق حكمهم، كما يمكن أن تفيد ايضا في دراسة علاقتهم بالفن والفنانين في ذلك الوقت. غير أن ما يبدو أكثر طرافة في تسليط مزيد من الضوء على أعمال الخياشي ضمن هذا المنحى، هو تركيز الباحث مصطفى شلبي على دراسة البورتريهات، التي أعدها الرسام لنفسه، والتي يسميها بالبورتريهات الذاتية. يختار الباحث مجموعة من الأعمال التي خصّ بها الفنان نفسه، ويبدأ بتلك التي أنجزها سنة 1961، معتمدا في ذلك على ما يمكن تسميته بخدوش قلم الرصاص، حيث يبدو الخياشي في هذه اللوحة حالماً ومقبلاً على الحياة. غير أنه وفي لوحة أخرى أعدها في السنة نفسها، لا يتردد عن تقديم وجه آخر لوجهه، وهو ذلك الوجه الذي يمكن من خلاله قراءة مراوحات الفنان ومزاوجاته بين الانفتاح على العالم وعلى الآخرين وبين الانغلاق على نفسه، ثم بين إطلالته على الكون عبر بعض كوات النور، وبين إعراضه عن ذلك عبر التخفي وراء سحابات الظلمة وسترات الظل. غير أن مصطفى شلبي يقر أيضاً بأن البورتريه، الذي أعده الخياشي عن نفسه سنة 1964، يعود به إلى البحث عن شيء من الاتزان على مستوى علاقته بالعالم. ففي هذا البورتريه يظهر الخياشي متساوياً مع ذاته، جميلاً وصريحاً ومحباً للحياة. ولعل ذلك ما يتيح له أن يظهر في لوحة أخرى ينجزها بعد ذلك، مقبلا على الشيخوخة ومثقلا بالسنين، مكتوف الأيدي وواقفا في وجوم وكأنه يقول للدنيا وداعاً، لكنه يقولها بقناعة وشجاعة وهدوء كما يبدو ذلك جلياً من خلال رسمه.

في الفصل الثالث، يعود مصطفى شلبي إلى البحث في ملفات السيرة الذاتية للرسام، وذلك تحت عنوان «الخياشي وأبوه». وهو ما يسمح للقارئ بالتعرف على اليتم المبكر لهذا الرسام من ناحية والدته، مما جعله يتعلق بشدة بوالده الذي يغادره هو بدوره إلى الأبد سنة 1948، غير أنه يصر على أن يرث عن أبيه فن الرسم. فقد سبق لهذا الأخير أن تعلم في روما فن البورتريه. وهو ما ينسج على منواله الابن من خلال سفره إلى إيطاليا بهدف دراسة هذا الفن. ونفهم في الفصل الرابع، بأن الرسام قد اتخذ له أباً آخر في إيطاليا عبر تأثره بأعماله وبأسلوبه في رسم البورتريهات وهو الرسام المعروف تيتيان.

الفصلان الخامس والسادس، يخصصهما الكاتب إلى التوجهات المغايرة والمتنوعة في أعمال الرسام، فيتعرض مثلا (في الفصل الخامس)، إلى ما يسميه بجماليات الأجساد الشفافة في بعض لوحات الخياشي، وهو يقصد بذلك اشتغال هذا الفنان على رسم الاجساد العارية ضمن تقنيات تشبه إلى حد ما تقنيات النحت. وقد تعد هذه اللفتة معبراً للحديث عما يصفه الكاتب بالحريات المطلقة لدى هذا الفنان، وهي حريات تستشف من أعماله الخارجة عما ساد في أسلوبه من رسم وتصوير. فالخياشي انخرط وعانق تقنيات وأساليب أخرى تندرج في إطار التجريد تارة، وفي إطار نواح متباينة من التشخيص تارة أخرى. غير أن ما ظل يوحد بين هذه الأساليب ويجانس بين هذه التنويعات حسب رأي المؤلف، هو تلك المسافة الدقيقة والمقاسة باتقان بين تعتيمات الظل وشرارات الإضاءة، التي استمرت تميز وتجمع بين كل أعمال الخياشي. يقول شلبي: لقد كان غوته وهو على فراش الموت ينادي بمزيد من النور، في حين نجد الخياشي من خلال كل مساحات أعماله منادياً بما قل من الضوء. فلعله يريد أن يتفق، عبر ذلك، مع راي هيجل، القائل بـ «ان الإضاءة إنما هي تتكون من مجموعة من الأشياء المظلمة». أو ربما أراد أن يختلف مع فان غوغ، الذي كان ينشد الأنوار الساطعة في الجنوب الأوروبي، فأدار ظهره (أي الخياشي) إلى لهيب الشمس الحارق على الضفة الأخرى من المتوسط، مما خوّل له أن يوازن بدقة بين تسرب النور إلى الظلمة وانسدال هذه الأخيرة على الضوء.

يقفل مصطفى شلبي مؤلفه بفصل يمهره بإرث الخياشي، يخلص من خلاله إلى أهم توجهات الرسام وذروة لحظات الإبداع في حياته. فيبين من خلال ذلك، أن الخياشي، وعلى الرغم من أنه وصف غالباً بكونه رسام البلاط والأمراء، فإنه وبشهادة أعماله ايضا، استطاع أن يكون فنانا للشعب وللحياة بكل تنوعاتها وتفرعاتها، فقد تضمنت أعماله بورتريهات الأغنياء والفقراء على حد سواء، كما شملت مختلف أوجه الحياة في تونس، خاصة تلك التي تعبّر عن المظاهر الحميمية والدافئة فيها، التي تجسدت أساسا عبر صور الفرق الموسيقية الشعبية والفولكلورية مثل العيساوية والتيجانية والسلامية، وتخوت المالوف والصطمبالي والفزاني، وغير ذلك من أنماط الفن الشعبي التونسي.

=

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال