الخميـس 11 شـوال 1425 هـ 25 نوفمبر 2004 العدد 9494
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

ديفيد هير يحاكم بوش وبلير في مسرحية بريطانية: لا ضير من الفوضى.. فهذه أمور تحصل!!

لندن: علي كامل
(هذه أمور تحصل.. الحرية نفسها تنطوي على شيء من الفوضى، والأحرار يمتلكون الحرية في ارتكاب الأخطاء واقتراف الجرائم، والقيام بأعمال مؤذية. لكن، بوسعهم أيضاً، أن يحبوا حيواتهم، وأن يقوموا بأعمال رائعة..)

هذه هي الاجابة المختصرة، القاسية والمرّوعة، لوزير الدفاع الأميركي من دونالد رامسفيلد، رداً على أسئلة الصحافيين في المؤتمر الصحافي الذي عقد في 11 نيسان (أبريل) 2003 بشأن عمليات النهب والسلب التي حصلت في بغداد، بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق، يجتزئ منها الكاتب المسرحي البريطاني ديفيد هير عبارة واحدة فقط هي: Stuff Happens «لتصبح عنواناً لمسرحيته التهكمية الجديدة» أمور تحصل.. التي تعرض حالياً على خشبة المسرح البريطاني في لندن.

نُسجت بنية هذه الدراما من المتناثر من البيانات والتصريحات والتعليقات الصحافية والتحليلات السياسية المنشورة والمعلنة في وسائل الاعلام العالمية، بشأن احداث السنتين الماضيتين التي سبقت الحرب على العراق، وما خلفته تلك الحرب في ما بعد من نتائج كارثية على الشعب العراقي.

استطاع ديفيد هير أن يّرتق ويوّحد جلّ تلك الشظايا، ليسبك من هذه التوليفة الفطنة، دراما سياسية توثيقية ذات نكهة تهكمية موخزة، استطاعت أن تفكك البنى الفكرية والأخلاقية والسياسية، تلك التي كانت تقف وراء دوافع شن الحرب على العراق.

صحيح أن المعلومات التي تزودنا بها المسرحية معروفة لنا سلفاً، الا ان الفائدة من إعادتها وصبها في قالب درامي جديد، يتيح لنا رؤية الأحداث بطريقة مختلفة، على ضوء النتائج البشعة والمؤلمة لتلك الحرب، تفتح أمامنا آفاقاً جديدة لتقييم الشخصيات السياسية، صاحبة القرار، مرة أخرى.

الجديد أيضاً، أننا نسمع ونرى خطابات بوش وبلير مثلاً، حيّة، موجهة مباشرة لجمهور حي، وليس عبر شاشات التلفزيون، وهذا ما أعطاها نبضة واقعية وحقيقية، ناهيك عن أنك تجلس في مواجهة ممثلين يلعبون أدوار ساسة معروفين، مازالوا أحياء، نراهم ونسمعهم كل يوم، ومازالوا يتحكمون في مصيرنا حتى هذه اللحظة.

ان هير بصفته كاتباً اولاً، وذا عقلية يسارية نقدية وجدلية ثانياً، لايسعى في المقام الأول إلى اثارة عواطفنا، كما فعل مايكل مور في فيلمه9/11 فهرنهايت مثلاً، قدر ما يسعى الى مخاطبة العقل النقدي فينا. بمعنى آخر، هو يرينا الحدث الواقعي، بطريقة تغريبية مبتكرة، تقودنا إلى زحزحة وجهات نظرنا الكسولة السابقة، وتشييد رؤى دينامية مبنية على المحاججة والنقاش وروح

النقد.

كتب هير في برنامج العرض يقول: «حين أُغلقت الأبواب على زعماء العالم وهم يناقشون قرار الحرب على العراق، فتحتُ أنا أبواب مخيلتي. من هنا، يمكنني القول إن المسرحية امتلكت حياتها الدرامية الخاصة بها.. هذه دراما تاريخية، وليس دراما وثائقية».

لقد تجلى في هذه الدراما، المسرح السياسي بكل مقاساته وأشكاله (التهكمية، الوثائقية، التخييلية وأيضاً التحريضية)، وأرانا هير من خلاله، كيف يتعامل الساسة مع العالم من جهة، وكيف يتعاملون مع بعضهم البعض من جهة أخرى. انها كانت حقاً، بمثابة تشريح دقيق وقاسٍ للجسد السياسي الأميركي.

ووظف المخرج نيكولاس هـتنر عناصره التقنية بحدودها الدنيا، مانحاً الممثل فرصة أغنى وحيزاً أوسع، لتوظيف طاقته الادائية من أجل ابراز دلالات الحدث. فالممثل هنا يقف على مسافة من الشخصية، فهو مؤد، ومراقب، وناقد في نفس الوقت.

منضدة كبيرة توسطت خشبة المسرح، ستستخدم للاجتماعات حيناً أو لتناول وجبات الطعام، حيناً آخر. أما الكراسي والمناضد الصغيرة الأخرى، فقد تناثرت بتكوين هارموني رائع على جنبات خشبة مسرح أوليفيه الرحبة، والى يمين المسرح وقفت منصة زجاجية أنيقة ناصعة خصصت لخطابات بوش وبلير والآخرين.

ولأجل التنقل مابين أماكن الأحداث المختلفة (البيت الأبيض، 10 داوننغ ستريت، كامب ديفيد، مبنى الأمم المتحدة، مزرعة بوش في تكساس، وأماكن أخرى..) استخدمت خلفية المسرح كشاشة تُظهر المواقع التي تجري فيها وقائع الأحداث على المسرح.

ولأجل سرد الأحداث، اختزالها وتوليفها، لجأ المخرج الى استخدام معلقين، يظهرون بين حين وآخر، وهم يعيدون قراءة العناوين الرئيسية لأخبار الصحف والتعليقات السياسية.

تدخل شخصيات المسرحية ببدلات رمادية أنيقة سياسية موحدة، أشبه بعصابة مافيا، يتوزعون على الكراسي والطاولات، كما لو أنهم جوقة موسيقية أوركسترالية، أو مدعوين حضروا لإحياء حفل تنكري.

رامسفيلد، المناور، المتغطرس، الحرون، المولع بالحروب، ذو التكشيرة المهددة «الممثل درموت كراولي». دك تشيني، الوقح، الفج، العابس، الشرس والمتحجر القلب «الممثل ديسموند باريت» حضرا ليستعرضا أمامنا اساءاتهم، بمنتهى الوقاحة.

جورج تينيت، المهّرج المضحك، يدخل حاملاً صوراً فوتوغرافية أخذت من الجو لمعامل تصنيع الأسلحة العراقية المزعومة، ثبت في ما بعد أنها زائفة «الممثل فيليب غاست».

كوندوليزا رايس «الممثلة آجو اندو» مستشارة بوش للأمن القومي، المرأة القاسية، المراوغة المتظاهرة بالحشمة التي تّؤل، بشكل متواصل، أفكار وطروحات رئيسها بوش، والتي قال عنها المعلق، أنها تحتفظ بمرآتين في مكتبها، لكي تتمكن من رؤية ما خلفها وما أمامها.

كولن باول « الممثل جو مورتون « شخصية الضحية التراجيدية في معالجة هير، وهو يرقب بقلق وجزع وغضب الصقرين، تشيني ورامسفيلد، وهما يقودان بمرح غامر سفينة الولايات المتحدة صوب الحرب.

حين يقول بول وولفيتز أن غزو العراق واسقاط صدام هو: «شيء يمكننا بسهولة جداً القيام به»،

نرى باول يلتمس الادارة بصبر، أن تتدارس مقترحات البحث عن اجماع دولي في الرأي، ودعم من الأمم المتحدة، محذراً: «الشرق الأوسط، سهل الكسر. وما دام مستوى التفكير الحالي لبعض من في الإدارة، يبدو متوافقاً، فلنرمي الكرة في الملعب ونرى ماذا سيحدث ).

باول هو في نهاية المطاف يمتلك غريزة ولاء الجندي لقيادته. هير يخلق من باول شخصية خلافية، فهو يظهره، بطلاً تراجيدياً، رجلاً حاداً غاضباً ومتمرداً على ادارته، وضحية لها في الآخر، بسبب موقفه الصلب ضد شن الحرب.

روبن كوك، بعد مشاهدته العرض، علقّ في الغارديان قائلاً: «لقد بُولغ في رسم شخصية كولن باول، كبطل تراجيدي، وأعطي أكثر مما يستحق». عرف عن باول، حقاً، أنه يبغض الحرب، الا أنه لم يفعل شيئاً من أجل ايقافها. لماذا لم يقدّم استقالته احتجاجاً منه على موقف الصقور، بدل استسلامه لهم؟».

العرض لا يوضح السبب الذي قاده للاستسلام، ويتركنا نفكر في دلالة ازدواجية السياسي تلك، أهي مجرد خداع ذاتي، أم هي شيء آخر؟

الشخصية الاخرى التي تتوسل الحذر هو، توني بلير «الممثل نيكولاس فأرييل» الذي يظهره هير وفارييل متأنقاً أنانياً معتقداً أنه أقوم الناس أخلاقاً، الشخصية التي تدعّي أنها تريد أن «تعيد تنظيم العالم» لأغراض أخلاقية، لكنها لا تشعر بالحياء حين تلعب دور البهلول الذي يرقص قارعاً الطبل خلف سيده مركز السلطة في واشنطن.

يقول لمساعديه: «لدى الأميركان قاعدة واحدة: إذا جئتَ مبكراً... فانك ستثبت ولاءك. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يصغون بها اليك. أما اذا جئت متأخراً فلن يصغي اليك أحد»..

هكذا قدم بلير نفسه، مبتدئاً بافتراض مسبق، أن المملكة المتحدة لم يكن لديها خيار عملي، سوى أن تلتصق بحليفتها التي تهيمن على مقدرات هذا الكوكب، ولم يستطع أن يتحرر من قيد التابع المطيع، وهذا ما أضحك مَن في القاعة.

لقد أظهر الممثل نيكولاس فأرييل، بذكاء، هذه الشخصية المدفوعة بطموحها السياسي وايدولوجيتها المثالية. أظهر تملقه، وابتسامته المرائية، ونبرة صوته الكئيبة، التي ظل يسمعها البريطانيون لسنوات، وهو يسعى لاقناعهم أنه الرجل الذي يمكنهم الوثوق به. لقد أخذ مسرح اوليفيه يهتز من ضحك القاعة، حين ظهر متلعثماً، يتحدث عن العالم وهو يلتمس الطمأنينة الأخلاقية من الرئيس بوش.

أما أكثر الشخصيات غموضاً ومكراً فهو جورج بوش، الذي جسده الممثل اليكس جيننكس،

رجلاً متعصباً، متحمساً وسريعا في تصديق أيّ شيء الاّ بمنصبه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، والذي يجد له هو نفسه تسويغاً مجانياً بجملته المضحكة: «أنا هنا لأن الرب يريد ذلك». انه يدافع بشكل يقظ وحاسد عن امتيازاته، أما كلماته التي يستخدمها مع الآخرين فهي دليل يثبت هشاشته وضعفه. يقول لبلير: «هذا هو الشّيق في أن تكون رئيساً. أنا لا أحب أن أكون مداناً لأحد بأيّ شرح أو توضيح».

انه، وحسب ديفيد هير ليس رجلاً يتحدث باسهاب توراتي، بل هو الرئيس الذي يأمر وزير دفاعه، بهدوء، وفي الوقت المحدد، أن يهيىء الخطة السرية لغزو العراق، فيما هو منشغل في تمثيليته «البحث عن دعم عالمي»!

يقول لهانس بليكس: «يقولون أنني تكساسي مولع بالحرب.هذا غير صحيح..»..

بوش هير يعرف بفطنة متى يرفض، وهو الشخصية الوحيدة التي تحصل على ما تريد في النهاية. انه يدرك جيداً أن بلير سيكون ظهيراً وموالياً له، ولذلك يدعه وباول يبحثان عن قرار ثان من الأمم المتحدة يجيز الحرب على الرغم من اعتراضات تشيني ورامسفيلد المتحمسة لأنه يفهم جيداً أن بلير بحاجة إلى جهد لغطاء سياسي له في بلاده.

من جهة أخرى، يسمح لباول بانشقا ق داخلي ويصبر على قلقه وانزعاجه الشخصي، لحين تأتي اللحظة التي يقرر فيها أن الوقت حان للرفض. عندها يضع الحقيقة أما م باول بالشكل التالي: «لقد اتخذتُ القرار... سيكون شيئاً كبيراً لو انك خالفته. واضح؟ فيجيبه باول مستسلماً: «ليس لدي أي خلاف.. أيها الرئيس». وبعد مغادرة باول المسرح، يتطلع بوش نحونا قائلاً بسخرية: «انا لست بحاجة الى أخذ الاذن منه».

ولأن هير كاتب أولاً ومجادل قبل كل شيء، فهو يدرك ان اعطاء الشيطان دوره، هو عنصر فعال في بناء الدراما، لذا كان دقيقاً جداً في رسمه لشخصية بوش، الريفي الذي يصبح سياسياً داهية بشكل مفاجئ، الشخص الذي يفتقر إلى سعة المعرفة، لكن، لا تعوزه القدرة على اتخاذ القرار!

لقد أظهر الممثل جيننكز بوش كشخصية مرعبة جداً، في المشهد الذي فيه يوضح لأحد الساسة العرب مغزى حربه على افغانستان، ومن بعدها حربه على العراق، بقوله: «ان الرب أمرني بذلك».

اللحظات المؤثرة والحيوية في العرض هي خاتمته، حيث يعطي هير الكلمة الأخيرة لمغترب عراقي يعيش في المنفى الممثل رعد الراوي. يدخل حين يخرج الجميع وهو يبتلع مونولوجه الداخلي بمرارة: «لقد جاءوا لإنقاذنا، ولكن.. بدون خطة».. ثم يوجه من بعد سؤاله إلى الجمهور قائلاً: هل يوجد أحد بينكم من أحصى عدد القتلى من العراقيين؟

هذا السؤال الذي لا يحب الغربيون، عادة، الاجابة عنه!

في هذه الدوكودراما، يرسم هير بورتريه لزعماء العالم قائلاً:

«حين تنتخبون أناساً مثل هؤلاء، فهذا أمر يحصل.....»..

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال