الاحـد 21 شـوال 1425 هـ 5 ديسمبر 2004 العدد 9504
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

دبلوماسي بريطاني: على العرب ألا يقللوا من إنجازاتهم ولا يضخموا قيمة إنجازات الآخرين

المفكر المغربي علي أومليل في مؤتمر الفكر العربي: تعثر عملية التحديث عندنا راجع إلى عدم الثقة التاريخية بين الغرب والعالم الإسلامي

مراكش: «الشرق الاوسط»

خلصت ندوة «نماذج التغيير عند العرب وغيرهم»، التي تم تنظيمها أول من أمس، في إطار فعاليات المؤتمر الثالث لمؤسسة الفكر العربي بمدينة مراكش المغربية، إلى إبراز خصوصية إشكالية التحديث والإصلاح في العالم العربي وتميزها مقارنة مع غيرها من التجارب، خاصة اليابانية والصينية.

وقال المفكر علي أومليل (سفير المغرب في بيروت)، الذي قدم خلال هذه الندوة بحثا مقارنا حول تجارب العرب واليابانيين والصينيين، إن هذه الحالات الثلاث تشترك في أن الدافع للإصلاح هو التهديد الاستعماري.

وأضاف علي أومليل «لقد كان هنا وهناك وعي بخلل شامل في علاقة القوة مع الغرب، مجسما في القوة العسكرية، أي أن البداية كانت ضرورة إصلاح الجيش لمواجهة التهديد الخارجي.

وتحدث أومليل عن مختلف التجارب الإصلاحية التي عرفها العالم الإسلامي منذ القرن الثامن عشر على يد السلاطين العثمانيين، وتجربة محمد علي في مصر، والتجارب التونسية والمغربية، والتي بدأت كإصلاح للجيش، وامتدت إلى إصلاحات أخرى شملت التعليم والجبايات. غير أن هذه الإصلاحات باءت بالفشل بسبب التدخل الأجنبي من جهة وبسبب معارضتها من طرف الجماهير التي تضررت من ثقل الجبايات وتحرير التجارة، والتي أسلمت قيادتها للنخبة التقليدية المقاومة للتغيير.

وأوضح أومليل أن الاصطدام بالغرب أحدث تغييرا في مفهوم الإصلاح لدى المسلمين، فبعد أن كان الإصلاح من المنظور السلفي التقليدي مشدودا إلى الماضي، ويدور حول مقاومة آثار الزمان، الذي يحدث تآكلا في مجتمع المسلمين ويتسبب في ابتعادهم عن مجتمع سلفهم الصالح، بإنتاج عادات وآراء جديدة، ويحفر الهوة بين النص والواقع، أصبح القطب الجاذب للإصلاح في الأزمنة الحديثة هو المستقبل من خلال التطلع إلى السيطرة على الأشياء من أجل خلق حياة أفضل بدل التعلق بالماضي.

التغيير الثاني في منطق الإصلاح حسب أومليل، هو أن الإصلاحيين المسلمين في العصر الحديث أصبحوا يقبلون بالاقتباس من الأجنبي القوي، فيما كان الإصلاحيون السلفيون يعتقدون أن الإسلام يصلح نفسه بنفسه دون حاجة إلى ما يصلحه من خارجه.

ويرى أومليل أن الهزيمة العسكرية في حد ذاتها غير كافية لإحداث هذه التغييرات في منطق الإصلاح لدى المسلمين، مشيرا إلى أن المسلمين عرفوا في تاريخهم السابق العديد من الهزائم أمام قوى أجنبية بما فيها قوى أوروبية، ولم يتغير مفهومهم السلفي التقليدي للإصلاح، ولم يحدث ذلك لدى معاصري تلك الهزائم، في الأندلس وفي الحروب الصليبية، شعورا بالتأخر الحضاري للمسلمين تجاه الافرنج الغزاة.

ويضيف أومليل أن الذي غير منطق الإصلاح، مع صدمة المسلمين في العصور الحديثة بأوروبا، هو إدراك المسلمين أن وراء القوة العسكرية لأوروبا تقدما علميا وتقنيا، وتطورا في الإنتاج الاقتصادي، وتنظيما متطورا للدولة بمؤسساتها الإدارية والسياسية، وتقييدا للسلطة بالدستور، والمساواة أمام القانون وضمان الحريات.

وهكذا أصبح الإصلاحيون المسلمون المحدثون، ومهما كانت اتجاهاتهم بما فيها السلفي، يفكرون ضمن ثنائية التقدم والتأخر، وهو ما لم يفكر في إطاره قدماء الإصلاحيين. وانقلب اتجاه الإصلاح نحو المستقبل بدل حقبة من ماض ثابتة، وحتى لو حصل التعلق بها فهي تعاد قراءتها بمنظار الحاضر ومن أجل المستقبل. وأصبح التأخر بالنسبة للإصلاحيين المسلمين هوة مزدوجة، فصلت المسلمين من جهة عن أوروبا، ومن جهة أخرى عن الإسلام المعياري.

وأوضح أومليل أن تجارب الإصلاح في اليابان والصين ارتبطت بدورها ببداية التدخل العسكري والتجاري الاستعماري، وقال «في الحالات الثلاث، الغرب هو الآخر بامتياز، وهو باستمرار المفكر فيه والمقارن به والمتحدى، ولذلك فهو الحافز على الإصلاح حتى عند الذين حاولوا إلغاءه وتصفية الهوية الجماعية من آثاره، غير أن ضغط الحضور الأوروبي أقوى عندنا».

ويرى أومليل أن القرب الجغرافي والالتحام التاريخي للعالم العربي بأوروبا، شوش على عملية الإصلاح في العالم العربي، خاصة مع تفوق أوروبا وتهديدها للعالم العربي والإسلامي، فالأفكار والتنظيمات الإصلاحية الوافدة من الغرب، مهما كان الإعجاب بها، فهي وافدة في ركاب الضغط الاستعماري، ولذلك فإن الاعتراض على الغرب بازدواجية معاييره هو موقف قديم بدأ مع التوسع الاستعماري، فالغرب المنادي بالحرية هو نفسه الذي يسلب حرية الشعوب فيستعمرها، والغرب الذي ينادي بالديمقراطية والمساواة، يستغل الأهالي ويحتقرهم وينهب خيرات بلادهم، ولذلك، يقول، أومليل، إن الصدام مع الغرب كان أعنف عندنا مما كان عليه الوضع في بلد بعيد عنه مثل اليابان. وحين يتحدث كتاب غربيون اليوم عن صراع الحضارات، فهم يعنون أساسا صراع الإسلام والغرب، ولا يتحدثون بنفس الدرجة عن صراع مع الحضارات أو الأديان في الشرق الأقصى، ذلك أن هناك رواسب تاريخية نتيجة صراع طويل بين أوروبا والعالم الإسلامي، والتي أخذت تبرز الآن على السطح بسبب صعود الإسلام السياسي، وبسبب الحضور القوي الذي أصبح للمسلمين في أوروبا، والذي أخذ يخلخل النسيج الاجتماعي والثقافي للدول الأوروبية.

وأشار السفير أومليل إلى أن المعتقدات المشتركة بين المسيحية والإسلام والتراث الديني المشترك بينهما، لم يحدثا تقاربا بين الديانتين السماويتين، وإنما تسببا، على العكس من ذلك، في النزاع حول ملكية هذا الميراث المشترك وأماكنه المقدسة. وقال «إن أسباب تعثر عملية التحديث عندنا، ليس لأن الحداثة في أصولها غربية، وجاءت في ركاب الغرب الاستعماري فحسب، وإنما أيضا لعدم الثقة التاريخية بين الغرب والعالم الإسلامي للأسباب التي ذكرناها».

ومن جهته، اعتبر شيرارد كوبر كول، سفير بريطانيا في الرياض، أن على العرب ألا يقللوا من إنجازاتهم، وألا يضخموا إنجازات الآخرين، مثل الصين واليابان. وقال إن على العرب أن يضعوا نموذجا خاصا بهم نابعا من خصوصية تجربتهم وتاريخهم. وأشار إلى أن أخطاء الغرب الكثيرة، ومن ضمنها «وعد بلفور»، واحتلال العراق، تشكل أكبر عائق للتغيير في العالم العربي،

وأضاف «أن للمستقبل العربي ثلاثة مفاتيح، أولها اللغة العربية، التي تمثل جوهر الحضارة العربية، والتي يجب أن تحافظ على علاقتها بالحقيقة. والمفتاح الثاني هو الزعامة التي يجب أن تكون لديها رؤية للمستقبل، وأن تكون متفهمة لوجود معارضة للتغيير ولهاجس الخوف من الخارج. أما المفتاح الثالث فهو المدرسون الذين يجب رد الاعتبار لهم وإعطاؤهم مكانة الشرف التي تليق بهم في المجتمع».

وفي تعقيبه على مداخلة أومليل أشار الدكتور مسعود ضاهر، أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة اللبنانية، إلى أن أولى مهمات التغيير المطلوب هو العمل على تجاوز حالة الاغتراب التي يعانيها العرب على صعيد الأفراد والجماعات في المرحلة الراهنة. ودعا إلى تنشيط مؤسسات المجتمع المدني، وفسح المجال لمشاركة الشعب بحرية وفاعلية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقال إن هناك فجوة واسعة وعميقة بين حلم التغيير الذي يطمح اليه المواطن العربي منذ عصر النهضة وبين الواقع المأساوي الذي يعيشه العرب في عصر العولمة، وإنه لن يتم تجاوز ذلك الواقع عن طريق التبشير والوعظ، وإنما من خلال برامج عقلانية طويلة الأمد، وسلطة سياسية متنورة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال