الاربعـاء 04 رجـب 1426 هـ 10 اغسطس 2005 العدد 9752
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«الإصلاح الديني»: تنافس مراوغ بين الإصلاحيين والحداثيين

بمناسبة مئوية الإمام محمد عبده

دمشق: ناظم مهنا

لعله من الرائع أن نتذكر في دمشق رائداً من رواد النهضة العربية والإسلامية، هو الإمام محمد عبده، وقبله في حلب رائدا آخر لا يقل عنه أهمية، هو: عبد الرحمن الكواكبي، صاحب الكتاب العظيم «طبائع الاستبداد». وكان قد دعي إلى المناسبتين عشرات الباحثين والمحاضرين من جامعات عربية وأوروبية. وكان غالبية المفكرين المشاركين هم من المعنيين بقضايا النهضة، هذه القضايا، التي يتبين للأسف، اننا برغم مرور مائة عام نجد أنفسنا لا نزال نستعيدها، لا لنطبقها ولا لنتخذ منها موقفاً نقدياً واضحاً، بل لمجرد إحياء المناسبة أو الاحتفالية، التي أهم ما فيها، هو التواصل الحميم، والذي بات فلكلورياً، بين المترافعين(المفكرين ) والجمهور.

في الندوة التي عقدت في دمشق عن «الإصلاح الديني عند محمد عبده»، وشارك فيها مفكرون يمثلون التيارات الفكرية التقليدية الموجودة في سوريا منذ ثلاثينات القرن الماضي، وهي: الماركسية، والقومية، والإسلامية، والليبرالية المتعثرة. وياله من تحالف محمود اجتمع تحت عنوان الإصلاح الديني! ولكن أي إصلاح ديني، هل هو الإصلاح الديني الذي سعى إليه المصلح العظيم محمد عبده وأخفق في مسعاه، أم هو إصلاح من نوع جديد تفرضه الظروف الوليدة، والمتغيرات التي تعصف بنا كل هنيهة؟!.

الإصلاح الذي نادى به محمد عبده ورفاقه، هو في جوهره دعوة للعودة إلى الأصول. وهذا ما قاله الدكتور أحمد برقاوي في الندوة: «إن محمد عبده أراد أن يعود بالإسلام إلى براءته الأولى». وبقليل من التدقيق، يتبين لنا ان هذا ما يدعو إليه كل الأصوليين اليوم. لا بل ان الأصوليين، وأشدهم تطرفاً، يشتركون مع الحداثويين في الدعوة إلى الإصلاح الديني، كل على طريقته.

توفيقية الثنائيات المتضاربة

* واجه الإمام محمد عبده التخلف الحضاري للمسلمين والمقترن بالاستبداد السياسي وبالحملة الاستعمارية الأوروبية على بلاد المسلمين، بالسعي الدؤوب إلى الإصلاح والتجديد على كافة المستويات، وبشكل خاص في مجال إصلاح فهم الدين وإطلاق الاجتهاد، وإصلاح اللغة، وإصلاح السياسة.

ودعا عبده المسلمين إلى الاستفادة من الغرب والحداثة، والنظر في الأسباب التي أدت إلى تقدم الغرب وتخلف المسلمين. غير أن هذه النزعة الإصلاحية عند محمد عبده ورفاقه على أهميتها، لم تستطع أن تتجاوز تقليديتها، وأرادت أن تكيف المفاهيم الغربية مع التراث، ووقعت في الثنائية التوفيقية القائمة على (العقل والإيمان) و(العلم والدين) و(الشرق والغرب)، واستعاضت عن الديمقراطية بالشورى، وتقربت من السلاطين والحكام لتحضهم على تبني النظام الدستوري.

وفي رأي الراحل هشام شرابي، أن الأيديولوجيا الإصلاحية في ذاك الوقت، بالرغم من تأييدها اللفظي للحكومة الدستورية، والديمقراطية التمثيلية، تمسكت بالمبادئ التي تدعم الحكم الثيوقراطي.

وهو ما برز تماما عند الكواكبي مثلاً، فهو رغم هجومه على الاستبداد، دعا إلى إقامة خلافة إسلامية، ومجلس شورى. أما الإمام محمد عبده، رائد التنوير الإسلامي، فقد دفع ثمن مشاركته في ثورة أحمد عرابي عام 1882ومناهضته للخديوي إسماعيل والخديوي توفيق وتنديده لخضوعهما للاحتلال، حيث سجن ثلاثة أشهر، ونفي ثلاث سنوات في بيروت وباريس، وعاد بعدها إلى مصر وأعلن هجره للسياسة، وأن هدفه الإصلاح لا الثورة. هذا النكوص على المستوى الشخصي، تكرر مع معظم دعاة الإصلاح في عصر النهضة وما تلاها، وهو يذكر بما جرى منذ أيام مع سيد القمني، إذا صح أنه استتاب وتاب!

تلامذة محمد عبده: علمانيون وإسلاميون

وبعد وفاة الإمام محمد عبده عام 1905 انقسمت مدرسته التجديدية إلى اتجاهين; اتجاه علماني: ( قاسم أمين، سعد زغلول، علي عبد الرازق، وطه حسين ... (اتجاه إسلامي: (محمد رشيد رضا، وجمعية الشبان المسلمين، ثم الاخوان المسلمين ..). إذاً العودة إلى الإسلام الأول; الإسلام الصحيح، وتجريد الإسلام مما لحق به من خرافات في عصور الانحطاط، مع الدعوة لإحياء الاجتهاد، ونبذ الجمود داخل المجتمعات الإسلامية .. ولكن ماذا بعد؟ هل هذا هو الإصلاح الديني الذي لم يتحقق أبداً، وهل هذا يكفي الحداثويين العرب من قوميين وماركسيين وليبراليين لكي يبنوا عليه الدولة الحديثة؟! أم كما قال الشاعر محمود درويش: «ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة ـ ومعكوساً ـ ما أصغر الفكرة ما أكبر الدولة». وليس هذا نكراناً لأهمية أفكار عصر النهضة ودعاتها، بل استهجان للاتكاء والاجترار الدائم، الذي يعبر عن عجز فكري، وهروب من مواجهة القضايا الأكثر راهنية. فالإصلاح الديني مطلب عايشه المسلمون منذ قرون، ولكنه لم يتحقق حتى في الزمن الذي كان بالإمكان أن يتحقق فيه، ولعل إصلاح الدولة والمجتمع; الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي، أكثر إلحاحاً اليوم وأكثر واقعية وربما يمهد لإصلاح ديني، ويدخلنا كشركاء وفاعلين في العصر الحديث. والغريب أن هذه النزعة الإحيائية الجديدة، شهد عصر النهضة حركة مماثلة لها في مطلع القرن العشرين، تمثلت في الدعوات السلفية إلى استلهام الماضي والسير على هدي السلف الصالح. واليوم تواجه الإحيائية الجديدة المشكلة ذاتها، فهي في حالة عزلة وانكماش، فمع كل ما يحيط بها من استهداف خارجي، وما تعانيه من ركود وتأزم، تجد نفسها غير قادرة على فعل شيء إلا التمسك بتواصليتها الموهومة مع عصر النهضة. وهي في ذلك تضع نفسها في تنافس مع الأصوليين،على تركة عصر النهضة، وتيار الإصلاح الديني تحديداً. فإذا كانت الدعوة المشروعة للإصلاح الديني التي قادها الإمام محمد عبده، قد أخفقت في عصرها، حين لم يكن التفاوت الحضاري بيننا وبين الغرب بلغ هذا المبلغ، فكيف بنا اليوم وقد استفحل المرض إلى درجة بات فيها سؤال النهضويين التراجيدي: (كيف تخلفنا وتقدم الغير) سؤالاً رومانسياً .

واليوم ونحن نعيش تحت هاجس التفتت والتقوقع، علينا أن نسأل أسئلة أكثر تراجيدية، لأن الإجابات عليها كلها محبطة. وأول هذه الأسئلة، لماذا فشلنا في تحقيق النهضة بعد مرور مائة عام من الدعوة إليها والكفاح من أجلها من قبل نخبة مقدامة؟! وثاني الأسئلة، ما هو الحل، وكيف نخرج من هذا الانسداد، ونعبر إلى الدولة الحديثة؟ وهل إرادة الإصلاح موجودة بالفعل عند النخبة السياسية والثقافية وفي المجتمع؟ أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة هي بمثابة تكريم معرفي لذكرى الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال