الاربعـاء 24 رجـب 1428 هـ 8 اغسطس 2007 العدد 10480
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

تقديم الشعبوية باعتبارها سياسة

استحكمت في العالم العربي ووصلت أعلى مستوى لها في الفترة الناصرية في مصر

جمال عبد الناصر
أحمدي نجاد
أمير طاهري

يأتي صوت يهدر عاليا: «تم القضاء على العدو. أبطالنا في طريقهم إلى تل أبيب». كان ذلك في يونيو (حزيران) 1967 والصوت المسموع قادم من محطة «صوت العرب»، من القاهرة، وهو صوت أحمد سعيد، أبرز الدعائيين لدى الرئيس المصري جمال عبد العبد الناصر. طبعا، لم يكن لما كان سعيد يردده أي شيء من الصحة. ففي الوقت الذي كان يصرخ بملء حنجرته معلنا النصر كانت الجيوش العربية قد عانت أسوأ هزيمة خلال قرون مع خسائر هائلة في الأرض. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اعتبار حديث سعيد مجرد كذبة. فجمهور محطة صوت العرب كان يحب ما يذكره سعيد ويفضله عن التقرير المستند إلى الحقائق. وهم لا يهتمون إذا كان ما يردده صحيحا أم غير صحيح.

يحاجج الأكاديمي الفرنسي بيير أندريه تاغويف بأن ما كان يقوله احمد سعيد هو كذبة لكنه في الوقت نفسه كان حبكة لرواية. ولعل ذلك صحيح لأن تاغويف خبير بالسياسات الشعبوية الجاذبة للجماهير والتي استحكمت في العالم العربي منذ أواخر الأربعينات ووصلت أعلى مستوى لها مع بروز الآيديولوجية العبد الناصرية في مصر.

وفي كتابه على الموضوع: «الوهم الشعبوي»، يتردد المؤلف بوصف هذا النوع من السياسة باعتبارها آيديولوجيا. وهو محق في ذلك. فالشعبوية هي أسلوب أكثر منها محتوى لبرنامج سياسي. وهدفها هو إرضاء الجماهير لجعلها تشعر بأنه حالتها جيدة حتى حينما تسير الأمور مسارا سيئا.

بشكل ما، الشعبوية قديمة قدم السياسة نفسها. وهي تظهر في كل المجتمعات وفي كل الأوقات على الرغم من درجات كثافة مختلفة. لم يكن سقراط وتلميذاه افلاطون وزينوفون يحبان الديمقراطية بسبب قناعتهم الخاطئة أنها أرض خصبة لتكاثر الشعبوية. فحينما تضعف الديمقراطية بسبب الحرب أو الأزمة الاقتصادية مثلما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى انتشرت الشعبوية مثل النار الهائجة. لكنها من الممكن تزدهر أيضا في الأنظمة الاستبدادية كما جرى أثناء حكم شاه إيران خلال السبعينات.

وظاهرة الشعبوية تتكرر دائما. ففي الوقت الذي ظننا فيه أنها اختفت برزت لنا شخصيات شعبوية مثل رئيس فنزويلا، هوغو تشافيز، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلوسكوني، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وغيرهم.

يحلل تاغويف أنواعا من الشعبوية تضرب جذورها بعمق حتى في ديمقراطيات أوروبا الغربية، وهذه تشمل المجاميع المعارضة للعولمة التي اعتبرها بعض الشعبويين بأنها سبب كل الشرور، والخوف من الأغراب وتجلت السياسات في هذا المجال بالخطب الشعبية المعادية للمهاجرين. وفي الفترة الأخيرة تمكن الشعبويون من تحويل الأكثرية الفرنسية والهولندية كي تصوت ضد النص الذي يقترح دستورا للاتحاد الأوروبي.

واستخدموا مجموعة أنواع من الخوف بما فيها الخوف من فقدان السيادة القومية والخوف من دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي والتحكم به بسبب عدد سكانها. وهناك موضوعة أخرى مفضلة لديهم هي معاداة أميركا. فهو أسلوب سهل توجيه اللوم على الولايات المتحدة في كل شيء يحدث ولا يحبه الشعبويون. فعلى سبيل المثال قاد أحمدي نجاد اقتصاد إيران إلى الكارثة على الرغم من دخل النفط الكبير مع ذلك وبدلا من مراجعة سياساته يوجه اللوم على «الآلة الأميركية».

وفي الوقت الذي يكون فيه معظم الشعبويين ديماغوجيين فإنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه.

وحسب ما يراه تاغويف فإن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار.

كذلك فإن معظم جمهورها هو من الأميين والجماهير الفقيرة خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ «البروليتاريا الرثة» أو بقاع المجتمع.

من الخطأ افتراض أن الشعبوية تجذب هذا القطاع من الناس. فـ «كذبة كبيرة» تستطيع أن تجذب تقريبا الجميع شرط أن تكون الحقيقة البديلة بشعة ومؤلمة. ففي حالة الناصرية على سبيل المثال انجذب إليها الكثير من المثقفين بل وحتى رجال الأعمال أكثر من الجماهير العربية الفقيرة.

تعمل الشعبوية بأفضل شكل حينما تقدم خليطا من الحقائق والأكاذيب. فعلى سبيل تستطيع أن تسلط الضوء على المعاناة الحقيقية للشعب لكنها تمزجها مع وعد بتجاوز هذه المعاناة وهذا هو وعد كاذب تماما.

يمكن القول إن أكبر النتائج الكارثية للشعبوية هو قدرتها على اقناع عدد كبير من الشعب وغالبا ما يشكلون الأكثرية للقبول بالسلطة المطلقة للفرد أو لمجموعة من الزعماء. لم يخبر عبد الناصر على سبيل المثال الشعب المصري عما كان يجري فعلا. ولم يستشر مساعديه حينما قرر البدء بالحرب.

وممارسة السلطة غير المشروطة هي دائما خطيرة خصوصا حينما تنطلق من أفضل النوايا.

كذلك تزدهر الشعبوية على تصعيد الكراهية ونشرها بين الناس. إنها تعمق كراهية الانسان الضعيف تجاه القوي، الفقير تجاه الغني، أولئك الذين تحت السلم تجاه أولئك الموجودين في أعلاه، وحينما تكون هناك أقليات فإنها تصبح العنزات الضالة التي تحول إلى طرف مسؤول عن كل مصائب الأغلبية.

صفة سلبية اخرى تكتسبها الشعبوية تتمثل في تصميمها على التعويض بأهداف سياسية ـ اجتماعية عقلانية بأخرى لا عقلانية. على سبيل المثال، كانت الأرجنتين بحاجة ماسة إلى إصلاح زراعي وتصنيع خلال حكم بيرون لمواجهة متطلبات السوق الوطنية. بدلا من ذلك قام بيرون الذي كان شعبويا نموذجيا بالسير في سياسة تدميرية تهدف إلى تحويل الأرجنتين إلى قوة أساسية بعد الولايات المتحدة.

غالبا ما ينجح الشعبويون في تأسيس ما يبدو دولة قوية. لكن دولة كهذه غالبا ما تقوم على حساب إضعاف المجتمع.

يمكن للشعبوية أن تقود إلى حرب بشكل نزاع عسكري مع البلدان الجارة وكصراع طبقي داخل البلد. وتروج الشعبوية إلى ثقافة شخصية القائد إلى حد التزلف. وهذا يعزز في الوقت نفسه مزيجا من التخابث والغرور، ويتم تقديم الشراهة باعتبارها سياسة.

لكن تاغويف يظهر أن الشعبوية مرض عابر. وهي تتسبب في إيذاء المجتمعات التي تصيبها. لكن في نهاية المطاف تختفي من دون أن تترك أي أثر لها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال