الخميـس 14 جمـادى الثانى 1429 هـ 19 يونيو 2008 العدد 10796
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

طه محمد علي: أنا تلميذ في مدرسة المطالعة.. ولن أتخرج منها إلا للقبر

سيرة ذاتية عن شاعر فلسطيني ومختارات شعرية بالإنجليزية

الناصرة: ابتهاج زبيدات

«صفورية هي التي جعلتني شاعرا»، هذا ما قاله لنا الشاعر الفلسطيني، طه محمد علي، الذي ورد اسمه مؤخرا في لائحة «أهم شعراء القرن الماضي».

وصفورية تلك، ما هي الا قرية عربية كانت تربض في قلب الجليل الفلسطيني، مشهورة بصفاء مياه نبعها وخصوبة بساتينها، التي ما زالت تنهل من ذلك النبع، المعروف باسم «القسطل». وهي واحدة من 531 قرية فلسطينية هدمت ودمرت على ايدي القوات العسكرية الاسرائيلية في عام 1948. اهلها شردوا بالكامل، قسم منهم تحول الى لاجئ في الوطن، يسكن على جبل في مدينة الناصرة يطل على اطلال بلدتهم والقسم الآخر ما زال مشرداً في مخيمات اللاجئين في الاردن وسورية ولبنان.

الشاعر الذي صنعته صفورية، طه محمد علي (77 عاماً)، يعشق تلك القرية حتى الثمالة. عندما كان فتى صغيرا، شرد وعائلته يومها فحطوا الرحال في لبنان، لكنهم ندموا، فانتهزوا اول فرصة للعودة ونجحوا. يسكن اليوم مع افراد عائلته الصغرى، في مدينة الناصرة، وبالتحديد في حي بئر الأمير الذي يعتبر حي لاجئين، حيث ان غالبية سكانه لاجئون من قرى معلول والمجيدل وصفورية. في الماضي البعيد دأب ابو نزار على زيارة قريته وأطلالها، لكنه اليوم يتهرب من زيارتها: «في كل مرة ازورها أصاب بالمرض، أنفعل. لا استطيع تفسير مشاعري، لذا قررت التوقف عن الزيارة، أنا اضع مشاعري في القصيدة».

احدى المستشرقات كتبت السيرة الذاتية للشاعر محمد علي، بعد مرافقتها له مدة أربع سنوات. عندما طلبت منه مرافقتها الى صفورية رفض، وكتب قصيدة عامية بعنوان «ريتك ما تصرفيها»، يوضح فيها سبب امتناعه عن زيارة صفورية. نشرت في ديوانه الاخير «ليس إلاّ». وتأتي زوجته ام نزار الينا بصورة قديمة باللونين الاسود والابيض لقرية صفورية قبل هدمها، فيشير لنا بموقع بيته الذي لم يبق منه سوى مكانه الذي يعرفه بالتحديد.

التقيناه بعد عودته من جولة شعرية في الولايات المتحدة الامريكية لمدة 17 يوماً، بدعوة من جامعة هارفارد للتوقيع على الطبعة الرابعة من ديوانه المذكور، الذي سمي بالانجليزية (So What). خلال ظهوره في تلك الجامعة وست جامعات أخرى، التقى مجموعات كبيرة من المحاضرين والطلاب الأجانب وأولياء امورهم، ومجموعات من الجالية العربية التي تعيش هناك، حضروا خصيصاً للاستماع اليه. في واحدة من الأمسيات التي اقيمت تكريماً له فاق عدد الحاضرين الخمسة آلاف شخص.

«الأمر الغريب الذي لا انجح في تفسيره في المرات السبع التي زرت فيها امريكا، هو كيف تباع كتبي هناك بآلاف النسخ وتنفد بسرعة، أنا اتحدث بالأساس عن أناس امريكان، بينما هنا في الوطن بصعوبة تباع ألف نسخة خلال سنة وسنتين»، قال بشيء من العتاب الذي لا يخلو من الألم. لكن ابا نزار لم يكتف بقراءة قصائد من أشعاره التي ترجمت حتى الآن الى 12 لغة أجنبية، وانتهز فرصة وجوده في الدولة العظمى مناسبة للتحدث عما تفعله القيادة السياسية الأمريكية في العراق وأفغانستان وكذلك في الشرق الأوسط. وهنا يوضح: الشعب الامريكاني شعب طيب، بسيط وودود، يجب الفصل بينه وبين السياسة الامريكية السيئة. الامريكان لا يهتمون بالسياسة الخارجية لدولتهم بقدر ما يهتمون بالقضايا الداخلية التي تشغلهم، الشؤون الصحية، التعليم، الشوارع، المدارس والجامعات... الخ. «التناقض الموجود في امريكا بيّن وواضح». في زيارتي الأخيرة، قرأت عدة اعلانات لبيع بيوت ومكاتب فارغة جاء فيها «ادفع مائة دولار وخذ بيتاً، هذا يدل على ازمة اقتصادية أحد اسبابها الحروب التي تشنها امريكا على عدة دول في آن واحد».

لكن اكثر ما يحزن الشاعر طه محمد علي هو حالنا كعرب، «عندما رأى كيف يتجول الناس في امريكا في كل مكان، يقرأون في الطريق، في القطار، والكتاب بالنسبة لهم شيء ضروري واساسي وليس كماليات، وهم على استعداد للسفر مسافات طويلة للاصغاء الى كلام يحبونه، كما فعل البعض معي. لكن حزني تبدله رغبة في احداث تغيير في عالمنا العربي، للتعامل مع الكتاب كمحط حضارة وثقافة وعلم. لكن لا اعتقد بأن هناك امكانية للتغيير في المستقبل المنظور».

الخروج من مسقط رأسه صفورية لم يحوله الى لاجئ فحسب، بل حرمه من متابعة حقه في مواصلة تعليمه. عندما غادرها كان في الصف الرابع الابتدائي فقط. لكن ابا نزار الذي يؤمن بأن حب الحياة المشحون بكل حبة من تراب صفورية كان سلم الصعود لتحدي تلك الصعوبات. أقام حانوتا صغيراً قريبا من كنيسة البشارة، في مركز مدينة الناصرة، يبيع فيه التذكاريات للسياح الاجانب. خطوته هذه اربحته امرين الاول: المطالعة، وبالتالي تطوير لغته العربية التي افرزت عشرات القصائد والقصص الروائية، والثاني، تعلم اللغة الانجليزية لفظا وقراءة وكتابة حتى بات يتقنها. «من سنة الـ 50 وحتى الآن انا موجود في مدرسة لن أتخرج فيها الا للقبر. لا تمر فترة طويلة دون ان اكتسب شيئاً في العربية او الانجليزية، ومكتبتي مقسومة الى لغتين، ممثلما احفظ قصيدة كاملة للمتنبي وامرئ القيس، احفظ قصيدة كاملة للشاعر الانجليزي كريستوفر مارلو.

وعندما كان عمري ثماني سنوات قرأت الف ليلة وليلة وعنترة، وابو زيد وتغريبة بني هلال، والقرآن الكريم وغيرها عندما كان اترابي يلعبون ويلهون». ويتابع: «محل التذكاريات، ساعدني كثيراً ايضا من ناحية الوقت. فلو كنت بقالا لكان العمل متواصلا، بينما هنا السياح يأتون على فترات».

هكذا كنته احدى المجلات الفلسطينية المحلية، عندما نشرت عددا خاصا حول ابو نزار بعنوان «عاشق صفورية».

«انظري.. انا اكتب عن طفولتي ومدارج الصبا في حياتي، ومن الطبيعي ان اكتب عن صفورية». ويتابع: «ما حدث لصفورية بالنسبة لي كارثة من الصعب تفسيرها، لكن اكثر ما يعنيني في صفورية الطفولة والتراب الذي هو اول ما مس جلدي، اعمالي القصصية والشعرية هي نتيجة التفكير بهذا. صفورية هي من صنعني شاعرا».

احد الآراء التي يقولها بعض النقاد عن شعر طه محمد علي، هو انه يكتب قطعاً نثرية، وليس شعراً. ويعلق على ذلك بقوله: «لا يعنيني كثيرا ان يكون ما اكتبه شعرا او غير شعر. هي كتابة. دار النشر تسميها شعراً وانا اسميها قصيدة منثورة. أحد الاشخاص الطيبين كتب ذات مرة: كتابة طه جيدة لكن لماذا يصر ان يكون هذا شعراً؟. انا اجيبه الآن - يا اخي الكريم انا لا اصر على انه شعر، هذه كتابة عليها بصماتي وهذا يكفي. لا يعنيني ان تسميه «منثوراً»، أو «شعراً»، أو «مشعورا». أنا اكتب بأسلوب خاص، ومن يريد ان يسميه شعرا او نثرا او مجرد كتابة له ما يريد ولست معنيا بأن يكون له اسم محدد».

سألناه عن المساحة المسموحة للشاعر حتى يستطيع الخروج عن قواعد الشعر فأجاب: «لنفترض بأن الشعر العربي مائدة غنية بأشهى اللحوم والمأكولات، على نفس المائدة يوجد صحن بقدونسية صغير، لكن هناك من يحبه وهناك من لا يريده، وهكذا الشعر. بكلمات أخرى، مائدة الشعر العربية واسعة جدا لدرجة تتحمل فيها جميع الخيارات والذي يبقى هو الجيد في اعتقادي».

الشاعر طه محمد علي الذي عرف اسمه عالمياً وبيعت كتبه بعشرات ألوف النسخ، يكشف امامنا بأن هناك اصدارا جديدا له تحت الطبع، معتذرا عن تقديم أية قصيدة منه. سألناه الى أي مدى أخذ حقه في مجتمعه كشاعر وقصصي؟ فقال: «هناك من يعتقد بأنني لم آخذ حقي كما يجب، بينما انا اقول ان ما حصلت عليه هو أكثر من حقي. ترجمت اعمالي لعدة لغات والاحتفاء بي والإقبال الذي حظيت به هو اكثر مما استحق».

وننهي حديثنا معه حول الشعر العربي والتغيرات التي طرأت، ليقول «العرب يرون في الشعر ديوان العرب، لكن اقبال العربي على القراءة وحظه منها كحظه من الاقتصاد والسياسة والمباحث الاجتماعية. الاهتمام منخفض. الشعر يتقدم واهتمام الناس يتراجع وهذا يدل على ان الامة العربية في مرحلة متدهورة. فإذا كان ما اشار إليه تقرير الامم المتحدة حول المستوى المتدني للتعليم في العالم العربي صحيحاً، فكيف يمكن ان يكون هناك قراء؟».

التعليــقــــات
عبدالفتاح الزاهد، «كندا»، 22/06/2008
يعجبني تواضع الأستاذ طه محمد علي، ونحن في انتظار إصداره الجديد.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال