الخميـس 10 رمضـان 1429 هـ 11 سبتمبر 2008 العدد 10880
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الأديب أحمد الملك: الأساطير وحفلات الزار تجذب القارئ الغربي

سوداني مهاجر وفائز بجائزة «صورة العالم» في هولندا

غلاف الكتاب
الخرطوم: شذى مصطفى

أحمد الملك من الأدباء السودانيين المهاجرين، يقيم في هولندا منذ أكثر من عشر سنوات، صدرت له عدة روايات ومجموعات قصصية. فازت روايته «المشير يبحث عن بيته في شارع الأرامل» بجائزة «صورة العالم» التي تختص بأدب المهاجرين وينظمها مركز الفنون بمدينة «خرونجن» بهولندا، ترجمت أعماله إلى الهولندية والفرنسية ولغات أوروبية أخرى. يعيش أحمد الملك في الغرب إلا أن كتاباته تتميز بأنها خالية من رائحة هذا الغرب أو قصص الهجرة أو صراع الثقافات كما هي حال معظم الأدباء السودانيين المهاجرين كجمال محجوب وليلى أبو العلا وطارق الطيب. روائي لا تزال أعماله تتمحور حول القرية التي نشأ فيها في السودان وأناسها وأحلامهم البسيطة، يغرف من معين الذكريات الذي لا ينضب، يصوغها بأسلوب ساخر وجذاب. «الشرق الأوسط» حادثت الروائي أحمد الملك وكان هذا الحوار:

> كيف كانت البدايات، ومن أثر فيك من الكتّاب؟

- في النصف الثاني من الثمانينات نشرت بعض محاولاتي الشعرية والقصصية في ملاحق ثقافية كانت تصدر في العهد الديمقراطي، وأواخر عام 1991 نشرت رواية «الفرقة الموسيقية»، وجاءت تعبيراً عن الصدمة من الغياب السريع للديمقراطية التي تفتح وعينا عليها. كنت آنذاك - وما زلت - مفتونا بالأدب الروسي وكذلك كتابات شينوا إشيبي والطيب صالح وعبد الرحمن منيف وفرانز كافكا وماركيز وأدب أميركا اللاتينية عامة.

> في مؤتمر أدبي هولندي طلب منك كتابة رواية عن اندماج المهاجرين وأجبت بما يعني استحالة ذلك، ألا ترى هذا تخاذلاً، خاصة أن هولندا يعاني مهاجروها من صعوبات كثيرة، وشهدت حوادث مأساوية؟

- أي ناشر أو مهتم بالأدب يبادر حين تبدأ في استعراض «بضاعتك» الأدبية التي ينتمي معظمها الى القرن الماضي، وكلها موسومة برائحة الطين والارض والناس البسطاء الذين نشأت بينهم، يسأل الناشر: هل كتبت شيئاً عن هنا؟ انهم يتشوقون لمعرفة رأيك في حياتهم، كيف تنظر وأنت القادم من بيئة مختلفة الى تفاصيل الحياة في مجتمعاتهم. يشعر الناشر بخيبة أمل حين تقول له، إنك لم تكتب عن إقامتك هنا شيئاً بعد وأنك لا تزال تجتر ذاكرتك لتعتاش على رزق ضئيل من صور شخصيات أحببتها، وكان عالمك ينتهي عند حدود أحلامها. تحاول أن تشرح له أن الخروج من الصورة التي اعتدت العيش فيها طوال سنوات، وصرت جزءاً منها، ممكن، لكنه لن يكون كاملاً بالطبع. ما سيحدث أنك سترى نفس الاشياء عن بعد، ستفقد بعض رباطك الوجداني معها، لكن نظرتك اليها من بعيد ستعطيك صفة أقرب للحياد وتظهر تفاصيل غامضة لم تكن لتراها وأنت جزء من تلك الصورة. ستنظر الى العالم الجديد من حولك، تسأل في البداية: من هؤلاء، لماذا أنا موجود خارج الزمان والمكان الذي أعرف؟ ثم تستعيد تدريجاً وعيك بعالم جديد من حولك، لكي تستمر الحياة، وتنظر إليه بمنظار العالم الذي تعرفه، وتلك هي المشكلة! والنتيجة: لا عنب الشام ولا بلح اليمن.. كما يقولون.

> هل تتعمد وصف تقاليد قروية عن الشياطين والزار لجذب القارئ الأجنبي الذي تستهويه هذه الغرائب الغامضة لمجتمعات بعيدة عنه؟

- قطعاً حين أقول إنني ما زلت استهدي في معظم ما اكتب بنفس الصورة القديمة التي كنت جزءاً منها، والاساطير الشعبية وطرق المعالجة المحلية والتداخل ما بين الواقع والاسطورة بحيث يصعب دوماً تمييز الخيط الرفيع بينهما، كل ذلك هو جزء من تلك الصورة. القارئ الأجنبي تستهويه معرفة عادات الشعوب الاخرى بصورة عامة. الكاتب الايراني المعروف جداً هنا في هولندا قادر عبد الله والذي أصدر مؤخرا ترجمة للقرآن الكريم باللغة الهولندية، وجدتْ كتاباته رواجاً في بداياتها، بسبب تعريفه للقارئ الهولندي ببعض عادات وتراث مجتمعه القديم.

> أعدت كتابة إحدى رواياتك بعد خروجك من السودان رغم أنها كانت مكتملة، هل الغربة تجدد رؤيتك للأشياء؟

- الحقيقة أنني لم أعد كتابة تلك الرواية بسبب تأثير الغربة، بل تحت تأثير الكتابات النقدية وآراء القراء التي وصلتني بعد نشر روايتي الثانية «عصافير آخر أيام الخريف». لاحظ معظم القراء ان قراءة تلك الرواية كان عملاً شاقاً يحتاج لمتابعة وتركيز. شخصيات كثيرة تتحرك في فضاء الرواية، بعضها يختفي ثم يعود ليصب مزيداً من الزيت على نار مسرح للأحداث أقرب للعبثي. شخصيات تنسلّ من باب الذاكرة لتعود من شبّاك وقائع تطفو على سطح العالم فجأة دون إنذار: فوضى كاملة! فهمت من تعليقات القراء وبعض النقاد أنه ربما مع تعقيدات الحياة وتسارع إيقاعها لم يعد الوقت مناسباً لسوريالية الحكي، وان الاسلوب البسيط المباشر أنفع للفكرة ووقت القارئ.

>كيف يختلف النقد العربي عن النقد الغربي؟

- ما قد يميز حركة النقد هنا ويجعلها مواكبة للإنتاج الأدبي والفكري هو وجود مؤسسات من جامعات ومنظمات تهتم بالأعمال الأدبية وتقدمها، والحقيقة أن الكتابة والنقد يتوازيان في تطورهما. ولا بد بالتالي أن تنعكس عملية الاهتمام بالكتابة والانتاج الفكري بصورة عامة على حركة النقد. من تجربتي الصغيرة من خلال كتابات ناقدين هولنديين عن رواية «الخريف يأتي مع صفاء»، لاحظت أنهما يركزان جلّ الجهد على فكرة الكتاب. هل بذل الكاتب جهداً لتوصيلها ومدى نجاحه في ذلك، ثم القيم الجمالية في العمل واستلهام التراث أو الثقافات المحلية باعتبار ذلك جزءا من تكنيك الكاتب لجذب انتباه القارئ ليعيش أجواء ثقافة أخرى. أما المؤثرات أو المنابع التي تختبئ وراء اللغة أو الحكاية فيشار لها دون ان تأخذ دوراً كبيراً في التقييم، بينما تجد حظاً أوفر - كما لاحظت - لدى نقادنا.

> تتحدث عن قيود عليك ككاتب يفرضها المجتمع الجديد (الغربي)، فما هي هذه القيود رغم الحرية الفضفاضة في المجتمع الغربي؟

- كنت أشير الى أنه في مقابل الحرية، كقيمة مهمة وأساسية للكاتب يفرض عليك المجتمع الرأسمالي أن تنخرط فيه على الاقل بالحد الذي يكفي لبقائك على قيد الحياة. بمعنى أنك ستظل دائما منشغلاً بالعمل او الدراسة ما قد يشغلك إلى حد ما عن الكتابة، رغم وجود برامج ومنظمات تساعد الكتّاب والفنانين بصورة عامة على نوع من التفرغ للكتابة كحرفة.

> ما مدى الترحيب بالأدب العربي في الغرب، وهولندا على وجه الخصوص، ومن هم الأدباء العرب الذين يلقون رواجاً؟

- قبل سنوات تحدثت مع ناشر هولندي وسألته نفس السؤال، أوضح لي ان الأدب العربي بصورة عامة لا يجد رواجاً كبيراً في هولندا. لاحظت خاصة في سنوات ما بعد أحداث 11 سبتمبر اهتماماً بالدراسات التي تتناول الثقافة الاسلامية بصورة عامة، وإن كان حظ القراءة بصفة عامة -حسب الناشر الهولندي - أفضل بالنسبة للكتابات الاوروبية خاصة الرواية الحديثة وكتابات أميركا اللاتينية.

> كيف كان فوز قصتك «المشير يبحث عن بيته في شارع الأرامل» بالجائزة الأولى في مهرجان صورة العالم؟

- فوزي بتلك المسابقة كان في بدايات وجودي في هولندا ولم أكن بعد قد كونت فكرة كاملة عن عالم الأدب هنا. كانت تلك خطوة أتاحتها مناسبة أدبية بادرت بها بعض المؤسسات الهولندية مع أحد الناشرين وقام بالتنسيق فيها الشاعر والكاتب العراقي موفق السوّاد، وقد شارك فيها عدد من الكتاب المهاجرين من عدة دول. هذا المهرجان الأدبي كان مقتصراً على كتابات المهاجرين والغرض منه تشجيع التعارف الثقافي لأن المجتمع الهولندي يعاني من مشكلة عدم وجود تواصل بين المهاجرين المقيمين على ارضه. وكان هناك عدد من المشاركين من دول أفريقية وعربية وآسيوية وأميركا الجنوبية، خاصة تلك الدول ذات الارتباط مع الثقافة الهولندية مثل سورينام وجزر الانتيل. بالنسبة للدول العربية، للمغاربة وجود مهم وعدد مقدر من المؤسسات الثقافية ولديهم كتّاب شباب يحققون نجاحات كبيرة في الكتابة، كما ان للعراقيين نتاجهم المتميز.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال