الاحـد 30 ربيـع الاول 1432 هـ 6 مارس 2011 العدد 11786
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سورية الكبرى.. الحلم والواقع

بعد أن تم تمزيق المشرق العربي إلى خمسة أقطار

«مشروع سورية الكبرى» المؤلفة: نجلاء سعيد مكاوي الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 2010
بيروت: سمير شمس

رفعت رايات الوحدة العربية مبكرا في المشرق العربي، وامتشقت القومية العربية سلاحا في مواجهة الحكم العثماني، وما إن وضعت الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) أوزارها بهزيمة السلطة العثمانية حتى انسحبت من المشرق العربي، وتم تمزيقه في عام 1920 إلى أقطار خمسة هي: العراق، سورية، لبنان، وشرق الأردن، وفلسطين، تنفيذا لاتفاقية سايكس - بيكو.

وفي أواخر الحرب العالمية الأولى، أكتوبر (تشرين الأول) 1918 دخلت القوات العربية بقيادة الجنرال الإنجليزي «اللنبي» دمشق، وأعلن فيصل قيام حكومة عربية تضم سورية الكبرى كلها، وتولت السلطات البريطانية في دمشق تنظيم الإدارة فيها.

نتيجة الاتفاقات السرية بين بريطانيا وفرنسا، لم يعمر تتويج فيصل على سورية الكبرى كثيرا، حيث وجهت فرنسا إنذارا إلى فيصل لقبول الانتداب الفرنسي لسورية، ورغم قبوله الإنذار فقد تقدمت القوات الفرنسية نحو دمشق وبعد معركة غير متكافئة في يوليو (تموز) 1920 في ميسلون، احتل الفرنسيون دمشق واضطر فيصل لمغادرتها إلى أوروبا وسقطت المملكة العربية في دمشق. لكن بريطانيا قدمت عرش العراق إلى فيصل، الذي توج ملكا عليه في أكتوبر 1921. اعتبرت المؤلفة أن إخراج الأمير فيصل من دمشق بداية مرحلة تاريخية جديدة في العلاقة بين سورية الكبرى والهاشميين. بدأت هذه المرحلة مع الأمير عبد الله بن الحسين وإمارة شرق الأردن.

كان عبد الله بن الحسين طموحا، إلى أن أتى دوره، بعد طرد أخيه فيصل من دمشق، فأخذ يرتب الأمور ليحل محل أخيه فيها، بذريعة استردادها من الفرنسيين. لكن بريطانيا أقنعته بأن يترك المسألة السورية ويكتفي بالإمارة التي صنعتها له. هذه الإمارة لم تكن كيانا منفصلا قبل عام 1920، فقد كانت في العهد العثماني متصرفية تابعة لولاية سورية، واستمرت كذلك في ظل حكومة فيصل العربية تدار من دمشق مباشرة. وهي منطقة فقيرة جدا، يسكنها نحو 200000 نسمة معظمهم من البدو، وتعتبر محطة للحروب القبلية وقطاع الطرق. وعندما خضعت دمشق لحكم الفرنسيين، تحولت إلى قاعدة للثوار السوريين، مما جعل الفرنسيين يفكرون في احتلالها، رغم أنها تابعة للنفوذ البريطاني، وكان ذلك هو السبب لأن تضع بريطانيا الخطط اللازمة لإدارتها.

ترى المؤلفة أن الأمير عبد الله حاول أن يوحد سورية الكبرى. وظل هذا المشروع في مقدمة مواضيع السياسة الخارجية لشرق الأردن على مدار ثلاثين سنة، منذ وصول عبد الله إلى عمان في عام 1921، وحتى اغتياله في عام 1951، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل، لا بل وترت العلاقات الأردنية العربية والأجنبية مما جعل الأمير عبد الله خلال فترة حكمه أكثر شخصية عربية إثارة للجدل.

وقد تمثلت محاولات الأمير عبد الله بهذا الصدد في مراحل. ففي المرحلة الأولى وبعد الاتفاق مع تشرشل لتأسيس إمارة شرق الأردن، شكل أول حكومة برئاسة رشيد طليع في أبريل (نيسان) 1921. وكان معظم رجال هذه الحكومة من أعضاء حزب الاستقلال العربي وقد لجأ هؤلاء، بعد القضاء على حكومة فيصل في دمشق، واتخذوا الإمارة نواة لتحرير سورية من الفرنسيين.

كان الاستقلاليون من مؤيدي وحدة «سورية الكبرى»، مما جعل تشكيلهم لأول حكومة أردنية تجسيدا لطموحات الأمير عبد الله. وكان كل رؤساء الوزراء الأردنية في الفترة من 1921 إلى 1931 من سورية، وكان هدفه من ذلك عدم فصل الأردن، ككيان، عن سورية واعتباره جزءا منها.

في المرحلة الثانية اعتبرت فرنسا التسوية الهاشمية - البريطانية عام 1921 التي أدت لتنصيب فيصل في العراق وعبد الله في الأردن انقلابا في موازين القوى في المنطقة، الهدف منه إلقاء سورية ولبنان في الفوضى والاضطراب، ومما عاظم ذلك الوعد البريطاني لعبد الله بعرش سورية. توجه عبد الله إلى الفرنسيين وبريطانيا في أكتوبر 1922 بطلب لتأسيس دولة واحدة من فلسطين وشرق الأردن وسورية ولبنان يتولى عرشها وتخضع للانتدابين البريطاني والفرنسي. لكن الحكومة البريطانية رفضت كما، أنها علقت إعلان الاعتراف باستقلال شرق الأردن على إرضاء عبد الله لفرنسا.

هكذا، لم يكن أمام الأمير عبد الله إلا التوجه إلى الفرنسيين أملا في مساعدتهم. وعندما قامت الثورة السورية في جبل الدروز عام 1925، فتعاون الملك مع الفرنسيين لإرضائهم واتخذ موقفا مضادا من السوريين. وهذا ما أدى إلى انحطاط مكانته لدى الوطنيين السوريين، وشكل عائقا أمام محاولاته للوصول إلى عرش دمشق.

وبينما كان نجم الملك فيصل يبزغ في سماء القومية العربية، مما جدد في مطلع ثلاثينات القرن العشرين أمل فيصل بالنسبة إلى عرش سورية، لم يجد عبد الله أمامه لتعويض مكانته سوى القيام بحركات تمرد ضد الحكم السعودي، فكادت القوات السعودية تجتاح شرق الأردن لولا تدخل الحكومة البريطانية التي سعت للسيطرة على نزعات عبد الله في عام 1933.

في عام 1934 تدخل الأمير عبد الله في الشأن الفلسطيني منتحلا صفة القائد الديني والزعيم السياسي، فسعى للحصول على تفويض الفلسطينيين للتحدث باسمهم مع البريطانيين، لكن الفلسطينيين رفضوا ذلك تماما لأنهم على ثقة من أي تدخل من الأمير في شؤونهم إنما يهدف إلى ضم فلسطين لشرق الأردن، ولشكهم أيضا في وجود علاقة بين الأمير والقيادة الصهيونية.

وفي عام 1937 شهد انتعاشا لمشروع الأمير عبد الله، فقد جاءت لجنة «بيل» الملكية البريطانية واقترحت هذه اللجنة تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية تلحق بشرق الأردن. وكان الأمير عبد الله الزعيم العربي الوحيد الذي وافق على مقترحات اللجنة بتقسيم فلسطين في حين رفضت بقية الدول العربية.

في المرحلة الثالثة دخل مشروع سورية الكبرى عند قيام الحرب العالمية الثانية (1939) عوامل ارتبطت بظروف الحرب والتزاماتها. كما أن الأمير عبد الله وضع طموحه في أوسع إطار فأخذ ينادي بعرش كل الدول المكونة لسورية الكبرى في وقت واحد. وأدت تطورات الحرب واستسلام فرنسا بسهولة، وإعلان القوات الفرنسية في سورية ولبنان ولاءها لحكومة فيشي، فافترض الأمير عبد الله بأن وصوله إلى حكم سورية أصبح قريب المنال، فأخذ يطالب بإلحاح في تحقيق وعد بريطانيا باستقلال سورية ووحدتها، وضم شرق الأردن إلى هذه الوحدة. لكن في عام 1941 قام رشيد عالي الكيلاني بانقلاب في العراق مستغلا الهزائم التي تعرضت لها بريطانيا فكانت الفرصة ليثبت الأمير عبد الله ولاءه لبريطانيا فأرسل عددا من قواته لإرشاد القوات البريطانية في الصحراء، وتنفيذ غارات على شمال العراق. كان نجاح بريطانيا في قمع هذه الحركة بمساعدة الجيش الأردني حدا فاصلا بين القوميين العرب والهاشميين. ولا يفوت المؤلفة أن تعرض للحزب القومي السوري وهو الحزب العربي الوحيد الذي ارتكزت مبادئه وأهدافه على الدعوة إلى وحدة سورية الكبرى ولكن من خلال رؤية مختلفة. أسس هذا الحزب أنطون سعادة في عام 1932، وجمع حوله الكثير من الأتباع إلى أن غادر لبنان تحت اضطهاد السلطات الفرنسية ليعود في عام 1947.

اعتقد سعادة أن سورية أمة تامة، وقومية مستقلة، والوطن السوري يمتد من سلسلة جبال طوروس في الشمال الغربي، وجبال زاغروس في الشمال الشرقي، إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب، ومن البحر السوري (المتوسط) في الغرب شاملة جزيرة قبرص، إلى قوس الصحراء العربية في الشرق، ويعبر عنه بالهلال السوري الخصيب ونجمته قبرص. كان موقف الحزب معارضا لدعوة الملك عبد الله بتوحيد سورية الكبرى، حيث إن قادته كانوا يتبعون منهجا وطنيا استقلاليا. يقوم على الحفاظ على استقلال سورية ولبنان وعلى العمل لتخليص فلسطين وشرق الأردن.

على أي حال فإن فكر سعادة الذي عبر عنه نشاط الحزب، بداية منذ عام 1947 مثل مرحلة بذاتها من مراحل الدعوة إلى توحيد سورية الكبرى تختلف في خصائصها وأسلوب القائمين عليها، واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1949 عندما دفع سعادة حياته ثمنا لأفكاره ومعتقداته.

وتعرض المؤلفة مصير مشروع سورية الكبرى بعد إعلان دولة إسرائيل عام 1948 حتى اغتيال الملك عبد الله في عام 1951. في هذه الفترة عمل الملك عبد الله على عرقلة قيام حكومة عموم فلسطين، واتهم بالخيانة بعد تخلي الجيش الأردني عن اللد والرملة. وتعرض المؤلفة للعلاقات ذات الصلة بمشروع سورية الكبرى بعد انقلاب حسني الزعيم في سورية عام 1949، وانقلاب سامي الحناوي وأديب الشيشكلي في السنة نفسها، الذي وجه سورية نحو المحور السعودي - المصري، معلنا بذلك عداءه للمعسكر الهاشمي.

كانت سورية، خاصة بعد حرب 1948 داخل دائرة الصراع الدولي، وسورية الكبرى كما ترى المؤلفة كان مشروع الأمير الذي تحول إلى ملك عام 1946، مشروعا خاصا استند إلى وعد شفهي مبكر من وزير المستعمرات البريطاني، تشرشل، بأن تعمل بريطانيا على توليه عرش سورية، فصرف الأمير الوعد البريطاني دون أن يمحصه في ضوء الوعود البريطانية السابقة الكاذبة، على الأقل منذ مراسلات الحسين - مكماهون. فعرض المنطقة طوال ثلاثين سنة لهزات وتقلبات في سبيل تركيبة متنافرة لا تجتمع ولو عرضيا ليجلس على عرش سورية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال