الاحـد 19 جمـادى الاولـى 1432 هـ 24 ابريل 2011 العدد 11835
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

لماذا اندلعت الثورة الفرنسية؟

مبادئها لا تزال تلهم الشعوب ومنها العربية

باريس: هاشم صالح

قام بتأليف هذا الكتاب الباحث الفرنسي جان كليمان مارتان، الأستاذ في جامعة السوربون ومدير معهد التاريخ الخاص بالثورة الفرنسية. وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: الثورة - الثورة المضادة، وتشكيل الأمة الحديثة في فرنسا بين عامي 1789 - 1799.

وفي هذا الكتاب الجديد يقدم لنا المؤلف صورة واضحة جدا عن الثورة الفرنسية بكل أحداثها ومراحلها المتقلبة وإنجازاتها. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: لقد تحققت الثورة الفرنسية خلال بضعة أشهر فقط من 17 يونيو (حزيران) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1789. ولكنها بدأت في الواقع منذ الخامس من شهر مايو (أيار) من نفس العام. نقول ذلك على الرغم من أنه لم يحصل أي حدث ثوري عنيف في ذلك اليوم.

فالملك لويس السادس عشر كان قد دعا ممثلي الأمة الفرنسية للاجتماع في قصر «فرساي» في ذلك اليوم بالذات من أجل التناقش حول الإصلاحات التي ينبغي اتخاذها. ولكنه ما كان يعلم أن الثورة الفرنسية ستندلع بعد بضعة أسابيع لكي تطيح به وبكل عائلته التي حكمت البلاد منذ قرون وقرون.

والواقع أن الشخصيات التي دعيت للاجتماع في ذلك اليوم المشهود كانت تنتمي إلى الطبقات الثلاث التي تشكل الشعب الفرنسي، أي طبقة الكهنة وكبار رجال الدين، ثم طبقة النبلاء الأرستقراطيين أي أبناء العائلات كما يقال، ثم طبقة بقية الشعب: أي معظم سكان فرنسا. الطبقتان الأوليان كانتا تتمتعان بامتيازات ضخمة مادية ومعنوية. فكان يكفي آنذاك أن تولد في عائلة نبلاء أو عائلة من كبار الكهنة المسيحيين لكي تفتح أمامك أبواب الدولة والتوظيف والثروة على مصراعيها. أما إذا شاء لك الحظ العاثر أن تولد في طبقة شعبية أو فلاحية فالويل لك. كان معظم أبناء الشعب الفرنسي آنذاك خدما عند الكهنة والطبقة الأرستقراطية.

وضد هذا الوضع المهين واللاإنساني اندلعت الثورة الفرنسية، وبالتالي فقد كانت ثورة من أجل العدالة والحرية بالدرجة الأولى. والآن لماذا تندلع الانتفاضات العربية؟ ألم تتحول بعض الأنظمة إلى مجرد عائلات تحكم بلدانا بأسرها وتتحكم بالثروة القومية؟ والشعب ألم يصبح خادما عند هذه العائلات بالذات؟

هذا وقد افتتح الاجتماع المهيب مطران مدينة نانسي «لافار». وهاجم في خطابه أخطاء فلاسفة التنوير وترف البلاط الملكي في آن معا. وقارن بينه وبين فقر الفلاحين في الأرياف الفرنسية. وقال ما معناه: لا يجوز أن يكون الغنى الفاحش في جهة والفقر الفاحش في جهة أخرى.

ومعلوم أن ممثلي الفلاحين والطبقات العمالية والشعبية كانوا قد أسمعوا صوتهم في القصر بهذا الاتجاه. وقالوا للملك بأن الشعب يتضور جوعا لأن الضرائب أثقلت كاهله. ثم قالوا للملك: إن الشعب يدفع كل شيء، أما الكبار، أي الأغنياء جدا، فلا يدفعون شيئا للخزينة العامة، فهل هذا معقول يا جلالة الملك؟ هل يعقل أن يدفع الفقير الضرائب ولا يدفعها الغني الفاحش الثراء؟

ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: كم كان عدد النبلاء الأرستقراطيين في فرنسا آنذاك؟ نحو ثلاثمائة ألف شخص في بلد يصل عدد سكانه إلى ثلاثين مليون نسمة تقريبا. كل الشعب كان يخدم هؤلاء النبلاء الإقطاعيين الذين يتوارثون الامتيازات والمناصب أبا عن جد منذ مئات السنين. وضد هؤلاء اندلعت الثورة الفرنسية التي رفعت الشعار التالي: حرية، مساواة، إخاء. بمعنى أنه لا يوجد بعد اليوم ابن ست وابن جارية وإنما يوجد شعب واحد مؤلف من مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وكانت تلك ثورة في العقليات لم يسبق لها مثيل في التاريخ. من هنا جاءت أهمية الثورة الفرنسية التي تحولت إلى نموذج أعلى لكل الثورات التي ستجيء لاحقا.

ولكن الثورة اندلعت أيضا ضد طبقة رجال الدين التي كانت تستغل الشعب مثل طبقة النبلاء وإن بطريقة أخرى. فقد كانت تخدّره بالمواعظ المسيحية التي تطلب منه القبول بواقعه البائس مقابل الوصول إلى الجنة في العالم الآخر. لقد لعب رجال الدين دور الدعاية الديماغوجية للعهد القديم عندما أقنعوا الشعب بعدم الثورة عليه. وكانوا يلحون في مواعظهم يوم الأحد على الفكرة التالية: إن الثورة على الحاكم تعني الثورة على الله لأن ملك فرنسا هو ظل الله على الأرض.

ولكن بما أن الفلاسفة كانوا قد نقضوا هذه الفكرة من قبل فإن الشعب المستنير وبخاصة في المدن راح يتجرأ على إعلان غضبه الشديد على الوضع القائم. ومعلوم أن جان جاك روسو أحد ملهمي الثورة الفرنسية كان قد ركّز على الفكرة التالية: وهي أن الناس خلقوا متساوين في البداية ثم اختلفت أوضاعهم بعدئذ وانقسموا إلى فئتين متمايزتين: فئة النبلاء والأغنياء المالكين للأرض، وفئة الفلاحين الفقراء الذين يشتغلون في الأرض كعبيد دون أن يملكوا شيئا. وبالتالي فالملكية هي أساس التفاوت بين البشر، وهي التي أدت إلى كل هذا الظلم الذي أصاب الفلاحين الذين يشكلون أغلبية الشعب الفرنسي. وفي خطابه الشهير عن أصل الظلم واللامساواة بين البشر فكك روسو كل الأفكار القديمة التي تبرر الامتيازات والتفاوتات الطبقية وقال بأنه لا أصل لها ولا شرعية على الإطلاق.

وكان هذا الخطاب بمثابة إعلان حالة حرب على النظام القائم وامتيازات الطبقات العليا حتى قبل أن تندلع الثورة الفرنسية بثلاثين سنة على الأقل. ولهذا السبب احمرت الأعين على روسو ولاحقوه في كل مكان وأقضوا مضجعه.

وبالتالي فالفلاسفة كانوا قد مهدوا الأرضية وزرعوا البذور الفكرية التي تفتحت لاحقا وأدت إلى اندلاع الثورة. فالثورة لم تنشأ من العدم أو لم تكن ممكنة لولا أن المشروعية القديمة التي تبرر الامتيازات قد سقطت على يد فلاسفة التنوير، أو قل أصيبت في الصميم على الأقل وحلت محلها مشروعية جديدة هي مشروعية حقوق الإنسان والمواطن.

والواقع أن الشرعية الإلهية للملك لويس السادس عشر كانت قد سقطت في نظر قادة الثورة والطبقات البورجوازية المستنيرة من الشعب. ولكنها كانت لا تزال قوية في نظر غالبية الفلاحين الفقراء الذين يعتقدون بأن الملك هو بالفعل ظل الله على الأرض.

ولهذا السبب فإن الصراع بين كلا التيارين الجمهوري والملكي سوف يستمر فترة طويلة بعد سقوط النظام الملكي، وذلك لأن طبقة النبلاء والكهنة ظلت تدافع عن النظام القديم وتجر وراءها قسما لا يستهان به من الشعب الفرنسي المغلوب على أمره والجاهل.

ولكن البورجوازية المستنيرة نجحت في نهاية المطاف في قلب النظام الإطلاقي المستبد وإحلال النظام الجمهوري البرلماني محله. وهو نظام قائم على الانتخابات وسيادة الشعب لا على الحق الإلهي للملوك. فالمشروعية لم تعد في يد الكهنة وإنما في يد الشعب وإرادته الحرة.

على هذا النحو راحت تتصارع في فرنسا مشروعيتان: مشروعية الملك والكنيسة المسيحية الراسخة الجذور منذ مئات السنين من جهة، ومشروعية التصويت الشعبي وحقوق الإنسان والمواطن من جهة أخرى، وهي حديثة العهد. والواقع أن الثورة لم تكن تريد في البداية أن تقلب الملك وإنما أن تحول فرنسا إلى نظام ملكي دستوري لا نظام ملكي استبدادي أو إطلاقي كما هو سائد. بمعنى آخر كانت تريد أن تفعل كما فعلت إنجلترا.

ولكن تدافع الأحداث وتفاعلاتها غير المتوقعة أدت إلى نوع من الراديكالية المتشددة التي طالبت بإسقاط النظام الملكي بل وقطع رأس الملك وزوجته ماري أنطوانيت. على هذا النحو اتخذت الثورة الفرنسية طابعا دمويا ما كان أحد يتوقعه في البداية.

نلاحظ أن المؤلف يتوقف عند كل هذه المراحل التي مرت بها الثورة من خلال الفصول المتتابعة للكتاب.

فالفصل الأول يتحدث عن كيفية ولادة الثورة الفرنسية أو اندلاعها. وأما الفصل الثاني فيتحدث عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تختمر أو تعتمل في أعماق فرنسا منذ عدة عقود من السنين. فالبلاد كانت جائعة تقريبا، أو قل إن القسم الأكبر من الشعب كان جائعا في حين أن النبلاء والكهنة والأغنياء كانوا يعيشون حياة البذخ والإسراف في القصور. وهذا هو السبب الأساسي لاندلاع الثورة الفرنسية في الواقع. وهذا أحد الأسباب الأساسية للانتفاضات العربية حاليا. فاحذروا أيها الحكام والأغنياء، يا من تكدسون المليارات في الداخل والخارج. احذروا من يوم عصيب..

وهذا ما لم يفهمه لويس السادس عشر إلا بشكل متأخر وبعد فوات الأوان. نقول ذلك وبخاصة أن حاشيته أو بطانته أخفت عنه حقيقة الصورة. وزاد من تفاقم الأوضاع سوء المحاصيل الزراعية في العام الذي سبق الثورة مباشرة أي عام 1788. وهكذا أصبح القمح نادرا وبالتالي فلم يعد هناك خبز أو طعام. ومعلوم أن الخبز هو المادة الأساسية للشعب. وعندما يجوع الإنسان يثور أو يصبح ميالا للتمرد على النظام القائم. فالجوع كافر لا يرحم.

أما الفصل الثالث من الكتاب فيتحدث عن أزمة الثقافة السياسية في فرنسا آنذاك. فالشعب لم يعد يقدس شخص الملك كما كان يحصل سابقا، أو قل أصبح يقدسه بشكل أقل. وتأثير الكهنة ورجال الدين لم يعد قويا كما كان عليه الحال في العصور الماضية، وذلك لأن الأفكار الثورية والتنويرية كانت قد انتشرت في صفوف الشعب بما فيه الكفاية.

وأما الطبقة البورجوازية فكانت قد تخلصت كليا من الأفكار القديمة التي تخلع القدسية على النظام السائد. وكانت أفكار فلاسفة التنوير قد انتشرت في صفوفها وتغلغلت إلى أعماقها. وبالتالي فلم تعد تشعر بالمهابة القدسية أمام النبلاء والأرستقراطيين ورجال الدين كما كان يحصل سابقا. وهذا ما دفع بها إلى الثورة عليهم وبكل حقد أحيانا لأنهم مصّوا دم الشعب وتمتعوا بخيراته وعرق جبينه على مدار القرون.

ضمن هذه الأجواء ينبغي أن نموضع الأمور لكي نفهم سبب اندلاع الثورة الفرنسية.

أما الفصل الرابع من الكتاب فقد كرّسه المؤلف لدراسة الموضوع الهام التالي: الثورة الفرنسية تؤدي إلى تجديد البلاد والخروج من الروتين ومستنقع الجمود والركود. لا ريب في أن الثورة تهدم وتدمر، ولكنها في ذات الوقت تدخل حيوية جديدة إلى البلاد وتفتح آفاقا واسعة لم تكن في الحسبان.

وهذا ما يؤدي إلى تجديد الطاقات وشحذها من جديد. أما استمرارية الوضع القائم على ما هو عليه فإنه يعرقل الانطلاقة ويخنق الحيوية والطاقات الجديدة التي تريد أن تعبر عن نفسها. بهذا المعنى فإن الثورة الفرنسية كانت حظا لفرنسا على الرغم من كل شيء.

لقد أدت إلى ولادة فرنسا من جديد ومن تحت أنقاض العنف الثوري. وأصبحت فرنسا الجديدة حيوية مليئة بالنشاط والأمل، أصبحت مختلفة عن فرنسا القديمة الجامدة التي وصلت إلى الجدار المسدود. أما الفصل الخامس من الكتاب فيتحدث عن الطرق أو الآفاق الجديدة، التي فتحتها الثورة الفرنسية وكيف أنها غيّرت العلاقة بين الدين والسياسة، أو بين الشعب والحكم، أو بين الأغنياء والفقراء. أما الفصل السادس من الكتاب فيتحدث عن الخط المتصاعد واللامرجوع عنه للثورة بعد أن بلغت زخما معيّنا. هذا في حين أن الفصل السابع يتحدث عن فشل الرعب الثوري الذي قام به روبسبيير والذي أدّى إلى قطع رأسه تحت المقصلة في نهاية المطاف. ويتحدث المؤلف في الفصلين الأخيرين عن وصول الثورة نفسها إلى الجدار المسدود وكيف أنقذها نابليون بونابرت في آخر لحظة وأكملها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال