الاحـد 08 شعبـان 1432 هـ 10 يوليو 2011 العدد 11912
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الإيثار يزيد من مشاعرنا الإيجابية

عالم نفس أميركي يدرس طبيعته وخصائص الأشخاص الذين يتصفون به

غلاف الكتاب «الإيثار عند البشر» المؤلف: دانيال باتسون
لندن: صفات سلامة

حظيت سمة الإيثار بالكثير من الدراسات والأبحاث، واكتشف العلماء أن هناك منطقة في الدماغ ترتبط شدة نشاطها ارتباطا مباشرا بدرجة الإيثارية لدى كل فرد، كما وجد العلماء أن الإيثار يرتبط بالسعادة والصحة الجسمية والنفسية للفرد، حيث يقلل الضغوط النفسية والتوتر، ويزيد إفراز مسكنات الألم الطبيعية (الإندورفينات).

ومن بين الكتب المهمة الصادرة حديثا حول موضوع الإيثار، كتاب «الإيثار عند البشر»، من تأليف عالم النفس الأميركي دانيال باتسون أستاذ علم النفس الاجتماعي التجريبي في جامعة كانساس الأميركية، وأحد أبرز المتخصصين في مجال الإيثار، فقد ركزت أبحاثه على مدى 30 عاما على دافعية الإيثار، ونشر أكثر من 100 بحث وفصل حول هذا الموضوع، وله نظرية «التعاطف يؤدي إلى الإيثار»، والتي أسهمت بشكل كبير في فهم طبيعة الإيثار والدوافع المحيطة به.

ويعد كتاب باتسون مراجعة شاملة للكثير من الدراسات والنظريات والتجارب المعملية المتعلقة بالإيثار والتي أجريت على مدى الـ35 عاما الماضية، كما يعرض بالتفصيل لنظرية الدافع للإيثار والبحوث ذات الصلة بعلم الأعصاب. وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، حيث يتناول في الجزء الأول نظرية الدافع للإيثار، والجزء الثاني للأدلة التجريبية، أما الجزء الثالث فيتناول فوائد الإيثار ومسؤولياته في المجتمع البشري.

وتتلخص فروض نظرية باتسون «التعاطف يؤدي إلى الإيثار» (Empathy - Altruism) في أن البشر قادرون على إبداء التعاطف، الذي يمكن تعريفه على أنه ملاحظة أن هناك شخصا ما في حاجة والاهتمام به ورعايته، أو القدرة على قراءة مشاعر الأشخاص الآخرين، أو أن تضع نفسك مكان شخص آخر، وهذا التعاطف يؤدي إلى الإيثار، الذي يمكن تعريفه على أنه حالة دافعية هدفها الأساسي زيادة سعادة ورفاهية الأشخاص الآخرين.

يقول عالم النفس «دانيال ستيرن»، إن التعاطف يبنى على أساس الوعي بالذات، فبقدر ما نكون قادرين على تقبل وإدراك مشاعرنا، نكون قادرين على قراءة والتعرف على مشاعر الآخرين. فجذور الرعاية والاهتمام بالآخرين تنبع من القدرة على التعاطف، وانعدام أو النقص في مشاعر التعاطف مع الآخرين يؤدي للكثير من الاضطرابات النفسية والسلوكيات والانحرافات الاجتماعية غير المقبولة.

ومن خلال دراسات علماء علم نفس النمو على التعاطف وجدوا أن جذور التعاطف يمكن غرسها في الإنسان منذ مرحلة الطفولة، فالأطفال منذ اليوم الأول لولادتهم يشعرون بالاضطراب والتوتر عند سماع طفل آخر يبكي، ومثال ذلك ما جاء في دراسة عالم النفس مارتن هوفمان، المختص في التعاطف، بأن طفلا عمره عام قام بجذب أمه نحو صديقه الطفل الذي يبكي لتواسيه وتخفف عنه، متجاهلا أم صديقه الطفل الموجودة بالحجرة. وطفلة أخرى عمرها عام تضع إصبعها في فمها إذا جرحت إصبع طفلة أخرى، لتتبين هي أيضا إن كانت ستشعر بالألم والأسى أم لا. ويرى هوفمان أن جذور الفضيلة أو الأخلاق موجودة في القدرة على إبداء مشاعر التعاطف، بمعنى أن تتصور نفسك في مكان الآخرين، وهذه القدرة هي التي تدفع الأفراد لمشاركة الآخرين في محنتهم والتحرك لفعل أي أشياء لمساعدتهم. ويرى هوفمان أن التعاطف مع الآخرين ينمو بشكل طبيعي منذ السنوات الأولى لمرحلة الطفولة ويستمر مع امتداد العمر.

وقد بينت دراسات ماريان راديك يارو وكارولين زان وإكسلر من المعهد القومي الأميركي للصحة النفسية، أن جزءا كبيرا من اختلاف الأطفال في درجة التعاطف مع الآخرين يرجع إلى كيفية تدريب الآباء لأطفالهم، فقد تبين أن الأطفال الأكثر تعاطفا مع الآخرين هم من تضمن تدريبهم لفت انتباهم بشدة لما يسببه تصرفهم من آلام لشخص آخر، مثال أن يقال لهم «انظر كيف جعلتها تشعر بالحزن» بدلا من «كان سلوكك سيئا وفيه شقاوة»، كما تبين أيضا أن تعاطف الأطفال مع الآخرين يتشكل مع رؤيتهم لردود فعل الآخرين مع شخص يشعر بالألم والأسى، فمع محاكاتهم لما يرونه، ينمو معهم مخزون من استجابات التعاطف.

ويبدي باتسون في كتابه اهتماما كثيرا بما إذا كان التعاطف يؤدي فعلا إلى سلوك الإيثار لدى البشر أم لا، كما يؤكد على أهمية وجود قاعدة عاطفية قوية لدينا لتحقيق سلوك الإيثار، فهذه القاعدة هي التي تحثنا على رعاية وتحقيق السعادة للآخرين، ويشير إلى أن مشاعر التعاطف ومساعدة الآخرين تؤدي على ما يبدو إلى مزيد من المشاعر الإيجابية في أنفسنا. ويرى أن جذور السلوك الإيثاري تكمن في كيفية رعاية واهتمام الوالدين بتنشئة أطفالهما عليه والذي سيؤدي لميل وانخراط أطفالهم في أعمال الإيثار.

خلاصة القول، إن الإيثار من الأخلاق والسلوكيات الحميدة التي أكدت عليها مختلف الأديان والثقافات. وحتى لا تصبح حياتنا صحراء قاحلة من المشاعر والأحاسيس وحتى لا نفقد إنسانيتنا ولا نعيش لأنفسنا فقط، ومن أجل دوام علاقات الألفة والمحبة بين البشر، علينا إحياء الإيثار من خلال مفردات الخطاب الديني، كما يمكن من خلال أساليب التنشئة الاجتماعية وبخاصة في الأسرة والمدرسة، ومنذ المراحل الأولى لنمو الطفل، أن ننمي لدى أجيالنا الناشئة سلوك الإيثار والتعاطف وغيرهما من مشاعر وسمات إنسانية إيجابية يمكن أن تساعدنا على فهم أنفسنا وإدراك مشاعرنا ومشاعر الآخرين، وأن نضع أنفسنا مكانهم ونتبنى مشاعرهم وأحاسيسهم وآلامهم، ومساعدتهم والتعاون معهم على وقف شعورهم بالألم، بهدف تحسين العلاقات الاجتماعية وحل الصراعات بين البشر والإسهام في اعتدال موازين المجتمعات.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال