الاحـد 03 ربيـع الثانـى 1433 هـ 26 فبراير 2012 العدد 12143
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

مؤسس «ويكيبيديا» لـ»الشرق الاوسط»: نحتاج مساهمة العرب في الموسوعة

جيمي ويلز بعد انتصاره في معركته ضد «سوبا» و«بيبا»

جيمي ويلز مؤسس «ويكيبيديا»
سوسن الأبطح

جيمي ويلز، مؤسس «ويكيبيديا»، يزور لبنان ودولا عربية أخرى، بهدف حض العرب على زيادة مساهمتهم في هذه الموسوعة العالمية. فاللغة العربية لا تزال ضعيفة على ويكيبيديا، وعلى أبنائها أن يستيقظوا ليغذوا محتواها على الشبكة. كيف تعمل «ويكيبيديا»؟ وكيف تطوع ملايين المساهمين حول العالم بالمجان ليكتبوا ويصححوا ويفيدوا ويستفيدوا؟ ما مدى مصداقية معلوماتها؟ وما هي تطلعاتها للمستقبل؟ أسئلة يجيب عنها ويلز في هذه المقابلة.

جيمي ويلز، مؤسس موسوعة «ويكيبيديا»، هو إحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في العالم اليوم، بحسب مجلة «تايمز». وإذا كان الرجل قد أطلق مشروعه هذا مع لاري سانكر عام 2001 فهو يعتبر اليوم المسؤول الحقيقي والفعلي عن هذه الموسوعة العالمية التي يدخلها نحو 470 مليون شخص شهريا ليستفيدوا من محتواها، وليشاركوا في تغذيتها بملايين المعلومات. ويلز زار لبنان منذ أيام وعلق في ثلوجه الجبلية الغزيرة ما يزيد على ساعتين، وهو متوجه إلى فاريا لحضور مؤتمر حول الصناعة التكنولوجية تنظمه «مينا كريستال». الرجل لا يخفي اهتمامه بإنعاش ويكيبيديا العربية، ويعرب عن فرحته بالنجاح الذي حققه وهو يقف في وجه إقرار قانوني «سوبا» و«بيبا» الأميركيين، اللذين يهددان حرية التعبير على الشبكة الإلكترونية، وله تطلعات واسعة لتطوير مشروعه. أسئلة كثيرة ومثيرة تدور في ذهن من يقابل جيمي ويلز، هنا محاولة للإجابة عن بعضها..

* ماذا كانت نتائج الإضراب الذي قامت به «ويكيبيديا» يوم 18 يناير (كانون الثاني) الماضي، بالشراكة مع مواقع أخرى، وحجبت محتواها على الإنترنت للاعتراض على ما بات يعرف بقانوني «سوبا» و«بيبا»، اللذين يسمحان للسلطات بمعاقبة أي موقع يتهم بالقرصنة؟

- حققنا نجاحا باهرا. فبعد الإضراب الذي نفذناه توقفت كليا كل النقاشات حول هذين القانونين الجديدين، لمدة سنة على الأقل، وتمكنا من تجميد الموضوع، لكن في الوقت نفسه نقوم باتصالات حثيثة، وثمة نقاشات بدأناها مع فاعلين معنيين بالأمر مثل هوليوود و«غوغل»، لنرى ما إذا كان بمقدورنا الوصول إلى تسوية توافق عليها كل الأطراف. وحين أقول كل الأطراف لا أعني فقط هوليوود أو «غوغل»، وإنما أيضا «هيئة الإخوة الإنترنتية» التي أمثلها، لأننا في سعي حثيث لإيجاد حلول تناسب الجميع.

* بدا موقع «ويكيبيديا» وكأنه يقود المعركة ضد قانوني «وقف القرصنة على الإنترنت» و«حماية الملكية الفكرية» في الكونغرس، فهل أنتم راضون عن النتائج؟

- أنا سعيد للغاية بهذه النتائج. فقد اتصل نحو 10 ملايين شخص بالكونغرس اعتراضا واحتجاجا، حتى إن النظام التليفوني هناك توقف كليا عن العمل وأصيب بالشلل بسبب الضغط الهائل للمتصلين الذين ساندونا ووقفوا إلى جانبنا، وأيدوا الإضراب.

* أنتم في «ويكيبيديا» الأكثر حماسة للوقوف في وجه هذه القوانين الجديدة.. هل ستكونون من أكثر المتضررين منها في حال أقرت؟

- لا أبدا، نحن ما يعنينا هو أن تبقى الشبكة الإلكترونية حرة ومفتوحة من دون قيود. هوليوود هي من أكثر الجهات تضررا، لأن الناس يقرصنون الأفلام والموسيقى والأغاني بشكل كبير، ويضعونها على الشبكة من دون مقابل. لكن ما هو الحل؟ هل الحل هو أن نجعل الإنترنت موضوع رقابة صارمة، وأن نترك المجال لجهات رسمية وحكومية أن تتحكم كما تشاء بحجب المحتوى، أو معاقبة المواقع وملاحقة المشاركين بشكل اعتباطي؟ نحن معنيون بالحرية بشكل أساسي، وتحديدا حرية الرأي والتعبير.

* أنت اليوم مؤسس ومشرف على أكبر موسوعة في تاريخ البشرية، لا بل وأكثرها شعبية على الإطلاق، أي أنك صاحب سلطة واسعة، فكيف توظف هذه السلطة؟

- ما يعنينا بشكل أساسي هو أن نؤمن الوصول الحر لكل الناس إلى المعرفة. كل شخص في العالم له الحق في أن يعرف ما يريد عن الموضوع الذي يشاء، أن يعرف ما يريد حول التاريخ أو القادة السياسيين أو أي من العلوم. من حق كل إنسان أن تكون له نافذة مفتوحة على ما يحب أن يتعلم. وإذا كانت لنا سلطة، فنحن نستخدمها لهذه الغاية، وسنواصل مهمتنا لنبقى جزءا فاعلا في شبكة الإنترنت القوية.

* لكن الربح مهم وأنتم تحتاجون إلى المال أيضا؟

- طبعا.. نحن نفتح باب التبرعات سنويا، والناس يتحمسون لدعمنا، وهم يسهمون بشكل فعال للغاية.

* وهل هذا يكفي لتمويل «ويكيبيديا»؟

- نعم.. هذا نهجنا منذ 11 سنة، وأنا على ثقة بأن بمقدورنا أن نستمر بتبرعات الناس، ونحقق كل ما يريدون. حملة التبرعات الأخيرة جمعنا خلالها أكبر مبلغ وصلنا في أقصر مدة. أكثر من ذلك فإن التبرعات كانت كافية هذه السنة بل وتفيض عن حاجتنا، لذلك فإن المبلغ المتبقي سنستخدمه السنة المقبلة. وبذلك نكون قد تمكنا من تأمين جزء من تمويل العام القادم.

* كم عدد الموظفين في «ويكيبيديا»؟

- إنهم نحو 100 شخص.

* هذا عدد ضئيل جدا لموسوعة فيها ملايين المواضيع، كيف تعملون إذن لتصححوا وتراقبوا الكم الهائل من المواد التي تكتب على الموقع؟

- هذا العمل تقوم به هيئة من الكتاب الفاعلين الذين نثق فيهم ونعرفهم، وهم يقومون بعمل الخطط اللازمة، وينتخبون من بينهم أشخاصا عندهم مهارة مراقبة المواد، والحكم عليها إذا ما كنت تتضمن محتوى مشينا يتوجب حذفه، أو معلومات يستحسن تغييرها أو التدخل لتصحيحها.

إنه نظام اجتماعي فعلي هو الذي يحرك ويكيبيديا، ولا يقاد أبدا كما مؤسسات الناشرين المحترفين. نحن أمام مشروع تطوعي بالكامل من الناس الذين يسهمون في الكتابة إلى هيئة الكتاب التي تتدخل لتضبط ما ينشر عند الضرورة.

* لكن ما الذي يدفع الناس للكتابة والمساهمة بشكل مجاني.. هذا تطوع يحتاج جهدا وصبرا؟

- (يضحك) يمكن أن نختصر الإجابة عن هذا السؤال بأن نقول إن هناك سببين رئيسيين.. السبب الأول هو الرغبة في المشاركة. إذ يشعر الإنسان بأنه يسهم في كتابة شيء ما في لغته يصل إلى كل الناس. وهذا أمر يستسيغه كثيرون ويحبونه. فأن تقضي وقتك في الكتابة والمشاركة في هذا العمل الجماعي هو أكثر فائدة من قضاء الوقت في ألعاب الفيديو أو مشاهدة التلفزيون. هناك في العالم من يحب أن يصرف وقته في ما هو مفيد ويقدم نفعا للآخرين. أما السبب الآخر فهو التسلية، فحين أتحدث مع الناس عن «ويكيبيديا»، فإن أول ما يتحدثون عنه هو المتعة، ويقولون إنهم يتسلون كثيرا بالمشاركة والكتابة. لولا هذان العنصران لما كان لهذا المشروع أن ينجح.

* حين بدأت مع شركائك عام 2001 في تأسيس «ويكيبيديا» هل تصورت أن المشروع سيلقى هذا النجاح الكبير؟

- ليس الأمر مستغربا. في البداية لفتني أن مجموعة من المبرمجين يقومون بعمل برامج «سوفت وير» مفتوحة، أي أن الدخول إليها يمكن أن يكون متاحا للجميع. ولاحظت أيضا من خلال علاقتي بالإنترنت كم أن الناس يخوضون في نقاشات حول مواضيع مختلفة، مثل السياسة أو التاريخ. ووجدت أنهم يتكلمون ويتكلمون من دون تعب. خطر لي أن هذه الطاقة الهائلة لدى الناس لا بد أن توظف في مكان ما للاستفادة منها. من هنا جاءت فكرة إشراك الناس بواسطة هذه البرمجيات في مشروع جماعي يستثمر هذه الطاقات الإنسانية الهائلة.

* «ويكيبيديا» ليست مشروعا منفردا، هناك مشاريع تشاركية عديدة أطلقتها لها علاقة بالمكتبات أو إصدار صحيفة جماعية من عمل متطوعين. لكن لغاية الآن المشروع الأكثر تألقا وشعبية هو موسوعة «ويكيبيديا». ما هي رؤيتك المستقبلية لهذا المشروع؟

- أمران أساسيان هما من أولوياتنا، ونود الاستثمار فيهما بشكل واسع.. أولا، لا تزال هناك صعوبات في عمليات التحرير والكتابة التي يقوم بها الناس. لذلك نريد أن نحدّث ونبسط عملية التحرير ليتمكن المشاركون من العمل بطريقة أسلس وأسهل، لأننا ببساطة نسعى إلى توسيع قاعدة المحررين، لتنويع مصادرنا من المشاركين معنا. فكلما كثر عدد المساهمين تحسنت بشكل تلقائي قيمة المضمون. ونحن نقول مثلا لمن عنده اهتمام بالتكنولوجيا إن «ويكيبيديا» هي مكان مدهش للمساهمة بمعلوماتك. فهناك مبرمجون تستطيع أن تفيدهم بأفكارك. وموسوعتنا هي المكان الأنسب لتدلي بدلوك لأن ثمة من يهتم بما عندك، ويمكن أن ينتفع به. الأمر الآخر هو أن «ويكيبيديا» تتطور كثيرا، وبسرعة في مختلف اللغات، وستبقى الموسوعة تنمو بشكل مطرد وتتعدد لغويا.

* هل صحيح أن الموسوعة موجودة في 250 لغة؟

- هذا يتوقف على طريقة حساباتنا. أنا أقول إننا موجودون بنحو 200 لغة أو أكثر بقليل، لأن بعض اللغات لا يزال حجمها صغيرا جدا. نحن لا نعتبر أن لغة ما صارت موجودة فعلا على الموسوعة إلا حين نرى آلاف الناس يدخلون ويسهمون بها، وقراء آخرين يستفيدون، عندها يمكن احتسابها كلغة تتفاعل في «ويكيبيديا».

* وماذا عن اللغة العربية، هل فعلا أنها لا تمثل أكثر من 1 في المائة من حجم الموسوعة الكلي؟

- لست متأكدا من نسبة 1 في المائة، اللغة العربية ليست من أصغر اللغات على ويكيبيديا، لكنها من اللغات المتوسطة. بعض العرب يكتبون بالعربية أو الإنجليزية، مما يحرم المشاركة العربية من جهودهم. لذلك بالطبع لا يمكن مقارنة العربية بلغات باتت كبيرة على «ويكيبيديا» مثل الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية. لكن ما لا يعرفه البعض أن العربية بدأنا في التعامل معها بعد اللغات الأوروبية بسنتين لأسباب تقنية بحتة، وهو أننا لم نكن نتحكم بشكل جيد في الكتابة من اليمين إلى اليسار. لكن بمجرد أن حلت هذه المسألة بدأنا باللغة العربية، لذلك فإن فارق الزمن بين إطلاق العربية واللغات الأوروبية له تأثيره أيضا. أنا حاليا أزور الدول العربية، وأشجع الناس على المساهمة، وأقول لهم نحن بحاجة لمشاركتكم معنا بلغتكم.

* وهل تستعيضون عن هذا النقص بترجمة بعض المواضيع من اللغات الأخرى إلى العربية؟

- نحن لا نحبذ هذه الحلول. نقوم ببعض الترجمات القليلة جدا، ونعتبر أن الترجمة ليست حلا جيدا، ونفضل أن يدون كل ناطقين بلغة مواد موسوعتهم بأسلوبهم وعلى طريقتهم، ووفق رؤيتهم للأمور.

* لا تزال إحدى مشاكل «ويكيبيديا» هي المصداقية. بعض الأساتذة يقولون لطلابهم لا تعودوا إلى «ويكيبيديا» لأنها غير موثوقة، فما ردكم على ذلك؟

- من الممكن أن نقول للتلميذ لا تعتمد على «ويكيبيديا»، أو لا تستمع لموسيقى «البوب» على الإنترنت، لكنه لن يصغي أبدا. فكل الأولاد يعودون لـ«ويكيبيديا» في دراستهم، وفي كل الأوقات. وأنا أرى أنه من الخطأ أن نقول للطلاب لا تستخدموا «ويكيبيديا»، وإنما يتوجب أن نقول لهم تعلموا كيف تستخدمون «ويكيبيديا». نقول لهم «ويكيبيديا» تصلح لأن تكون نقطة البداية، لكنها ليست نقطة النهاية. حين نبحث عن إجابة عن سؤال، حين نود معرفة معلومة سريعة، حين نحتاج تكوين فكرة عن موضوع معين، فإن ويكيبيديا هي الوجهة المناسبة لنا.

وأقولها بثقة، عندنا مواضيع ومواد في بعض اللغات تفوق أهمية ودقة أهم الموسوعات. فكلما زاد عدد المشاركين ارتفعت جودة المادة وارتفعت قيمتها العلمية. ومع ذلك أقول أن تكون «ويكيبيديا» ذات جودة عالية هو إحدى أولويات اهتماماتنا.

* إذن ما أفضل السبل لاستخدام «ويكيبيديا»؟

- أفضل طريقة للتلاميذ مثلا هي أن يعتبروها نقطة انطلاقتهم في البحث عن أمر ما، أو لتكوين فكرة عامة عن موضوع يهمهم. لنفترض مثلا أن تلميذا يقرأ رواية عن اليابان، ووجد في القصة أحداثا عن قنبلة هيروشيما. سيقول في نفسه لقد سمعت شيئا عن هذا الموضوع لكنني لا أذكر ما هو. عندها يعود إلى «ويكيبيديا»، ويستطيع أن يفهم بشكل أفضل ما هي الظروف التي واجهت الجنود هناك وكيف كان الجو العام.

لكن حين يفكر في كتابة ورقة عن الموضوع ربما سيحتاج إلى مصادر أخرى. «ويكيبيديا» هي نقطة الانطلاق الأسهل والأسرع، لكن من ناحية أخرى سيكون من السيئ جدا أن يلجأ الطلاب إلى عملية النسخ واللصق عن الموسوعة لعمل بحثهم، فهذا ما لا نتمناه.

لهذا أقول إنه على الأساتذة أن يوجهوا طلابهم ويعرفوهم على طريقة استخدام الموسوعة، لكن ليس من الحكمة أن يطلبوا منهم عدم استخدام «ويكيبيديا».

التعليــقــــات
فاطمة الزهراء موسى، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/02/2012
أكيد أنه لم يعد ملائما اعتماد التبرعات كوسيلة لتمويل موسوعة معرفية شاملة في ظل الجدال الدائر بشأن
تنظيم مجالات التبرعات وأهدافها بشكل يستجيب لشروط الحكامة الجيدة.
 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال