الاثنيـن 15 شـوال 1422 هـ 31 ديسمبر 2001 العدد 8434
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

سارتر والوجودية في بغداد الستينات

عدميون وعبثيون ومثقفون لا يقرأون من الكتب إلا عناوينها في «بابا سارتر» لعلي بدر

دمشق: فيصل خرتش
تنفصل رواية «بابا سارتر» لعلي بدر عن الرواية التقليدية بواسطة طرائق متنوعة، كتقطيع السرد والغموض في احداث الرواية ومتابعة افكار الرواية لتشكل فلسفة خاصة بها. وعلى طريقة ألف ليلة، تستدعي الرواية اطاراً داخل اطار، فالراوي الواعي بالعملية الروائية، يدخل الى المتن الحكائي من خلال ادعائه بأنه سيؤلف، أو يكتب، سيرة احد الاشخاص، ويكلف بذلك من قبل اثنين «حنا يوسف» حفار القبور ذي السحنة المرعبة وصديقته الخليعة التي كان يطلق عليها اسماً توراتياً غريباً (نونو بهار)، هما من اغوياه بكتابة سيرة حياة الفيلسوف العراقي الذي كان يقطن محلة الصدرية ابان الستينات، ويمول هذا المشروع، تاجر عراقي نصف مجنون، نصف معربد، غير شريف بالمرة، يطلق على نفسه (صادق زاده).

والحكاية الخارجية تتعلق بعملية كتابة الحكاية الداخلية، فتبدو العلاقة بين الحكايتين علاقة تداخل على المستوى الروائي، ومعنى هذا ان الحكاية الداخلية ليست مستقلة عن الحكاية الخارجية، كلتاهما متشابكتان في كل واحد، لإعطاء صورة متكاملة عن العراق الثقافي، فترة الستينات وما بعدها.

* ثقافة شفوية

* يدقق علي بدر كثيرا في التفاصيل الصغيرة، وفي بحثه عن ما يخص الفيلسوف يتجول في بغداد ويعيد الى الذاكرة الاماكن والاشخاص والاشياء التي كانت تلك الايام، لا بل انه يعيد الحياة اليها من خلال معرفته الاليفة لها. يبدأ الراوي بكتابة، او برسم، التفاصيل الدقيقة لحياة عبد الرحمن، فيلسوف الصدرية الذي كان يعيش حياة سارتر الى حد التطابق، انه يشبهه في كل شيء، تسريحة شعره، نظارتيه، اهله، وكان يتمنى لو كان الوجود عادلا ومتساويا واخلاقيا، حتى يكون اعور ليتشابه مع عور سارتر. وهذا العور كان يترك لديه شعورا قاسيا مهدما، حتى حين كان يعيش في باريس عاصمة الوجودية، يحضر لدراسة الدكتوراه في الفلسفة الوجودية في جامعة السوربون اواخر الخمسينات، ولئن فشل في دراسته وترك العلم لاهله فقد عاد بزوجة شقراء فرنسية على عادة العراقيين (فإن لم يكن بالعلم فبمصاهرة أهل العلم على الاقل)، كما قال نوري السعيد يوما. عاد عبد الرحمن من باريس الى بغداد، اوائل الستينات، عودة ابدية، مع زوجته الفرنسية، معللا النفس بحياة فلسفية دون شهادة في الفلسفة، فاستقبله المثقفون بعاصفة من التصفيق والتشجيع، فأطلق عبارته الشهيرة (ما معنى الشهادة في عالم لا معنى له).

ابتداء من هذه اللحظة يتابع الكاتب رصد حياة الشارع الثقافي في بغداد وبيروت وانتشار الوجودية بين المثقفين واستقبالهم لعبد الرحمن الذي اصبح فيلسوف الصدرية بلا منازع وطبقت شهرته العالم العربي، حتى كتب له يوما سهيل ادريس يطالبه فيها بكتابة مقالات وجودية لمجلة «الآداب» ووقعتها معه زوجته عايدة، وقد رفض عبد الرحمن هذا الامر بصورة قاطعة، بحجة انه يفكر فلسفيا باللغة الفرنسية، ولذا لا يمكنه نقل افكاره باللغة العربية. وفي الواقع كانت ثقافته تستند الى الكلام، لا الى الكتابة، كما كانت ثقافة اغلب مثقفي جيله وهي: الجلوس في المقاهي والتحدث بصورة لا نهائية على طق الدومينو وشخير النارجيلة صباحا، الرقود في السينمات متراصين على الكراسي الخلفية عصرا، وفي المساء العربدة في الملاهي والبارات والاماكن العامة، الكتب لا تقرأ منها الا عناوينها ولا يعرف احد منها الا العروض المتيسرة في الصحف والمجلات الادبية، ومع ذلك ممالك تبنى في الكلام وممالك تهد، عروش يهزها الكلام ويخلخلها ومدن يصنعها الكلام ويؤسسها، وليس هنالك في واقع الامر من كان بامكانه ان ينقذ جيلا بأكمله لا يكتب لانه لا يريد ان يكون مخدوعا وجزءا من هذه الترسانة التي صبها الاستعمار والرجعية والجاحدون. «وهكذا كان عبد الرحمن متكلما، لأن الكلام يحقق له عدمية حقيقية لا مجازا، يمنحه فلسفة واقعية لا فكرة استعمارية، كان عبد الرحمن متكلما لا كاتبا، كان فيلسوفا لا دجالا» ص.52، اما لماذا كان سارتر يكتب، فلكي يترجم الى العربية، فلو لم يكن يكتب فمن اين كنا سنسمع به.. سارتر شيء آخر.

* السخرية الجادة

* ويتفنن الروائي وهو يرسم عالم اسماعيل حدوب والحياة اليومية التي يحياها لينتهي به المطاف الى رسم صورة بانورامية للعالم السفلي الذي تعيشه هذه الفئة في بغداد الخمسينات والستينات.

كان اسماعيل يبحث عن المال، أي مال وبأية وسيلة، وكان شاؤول، الثري اليهودي، يبحث عن تابع ليستغله، يؤمن شاؤول ان اسماعيل ضالته، فيأخذه وينظفه ويجعله تابعا له، لكن هذا القناص اللامع ادرك ما كان يريده منه شاؤول وقلده وخدعه ثم تركه وركض وراء عبد الرحمن فيلسوف الوجودية، لأن وجوديته واضحة اكثر من ماركسية شاؤول. كان اسماعيل يريد ان يعيش على حساب غيره. فالحياة لا يمكن الوصول إليها إلا بالمال، والمال لا يمكن الوصول إليه إلا بالأدب والأدب بحاجة الى مال وصكوك وصرف ونقد، ولكن على حساب التجار والوسطاء والسماسرة والسياسيين.

اصر الفيلسوف على الالتزام باسماعيل، لانه اختار حريته والحرية التزام، وهكذا كانت الفلسفة بالنسبة الى اسماعيل اعظم واخطر بكثير من الحديث النظري عن مستعمرة السعادة التي يحلم بها شاؤول ورواد صالونه من الأدباء الذين ينظرون للحداثة.

تمسك اسماعيل بصداقة ووجودية الفيلسوف، لأنه ذهب الى فرنسا ورأى الوجودية بأم عينيه، هنا لم يروها، انما حلموا بها وتصوروها وتخيلوها. وكان عبد الرحمن لا يرى في الوجودية «إلا الشعور بالغثيان، غثيان مستديم من كل ما هو سياسي واجتماعي واخلاقي وحياتي» ص. 111.

وبعد اربعة اعوام كان اسماعيل قد خان عبد الرحمن مع زوجته الفرنسية، ابنة خالة سارتر وسارت الفضيحة في كل مكان، مات عبد الرحمن او قتل او انتحر، وابنة خالة سارتر عادت الى منزل سارتر، وكان المثقفون العراقيون يقولون ان سارتر لا يعرف اين يخبئ وجهه من الفضيحة، ولم يبق من عبد الرحمن سوى جاكتة صوفية سوداء وكحلية موضوعة على اكتاف اسماعيل حدوب.

تتأهب احداث الرواية صعودا، ثم تعود بها الى البدايات او تنتقل في محطات عديدة، عبر مدن وعواصم عدة، تغذيها شخصيات متنوعة، ظريفة وجادة، غنية، دنيئة أو وضيعة، والكاتب في كل ذلك يبرع في تحريك الشخوص عبر منطوقها الفكري والثقافي، المتدني او الراقي، رجل الشارع والغانية والفيلسوف الذي كان وجوديا مذ كان طفلا، واعادت باريس حقل تجربته بتطبيقه لفلسفة العبث عمليا، تلك التي كان يعيشها في ليل باريس كل يوم. وخلال ذلك تتغلغل طفولته، ومراهقته وما علق منها بالذاكرة لتفسح المجال بالكشف عن سبب هذا الخراب الداخلي، بخاصة علاقته بوالديه وبالخادمة رجينا وسعدون السايس والبستانية والغسالات والخادمات والسواق والعربنجية «إذ كان يرى فيهم حياة أخرى، غير تلك التي كانت تحتفظ بها عائلته والعوائل الراقية الممدنة التي تخفي قذارتها تحت الياقات اللماعة والقمصان البيضاء المنشاة» ص.181.

انك لتستغرب وانت تقرأ رواية «بابا سارتر» من كل هذه المعلومات التي حشدها المؤلف في روايته. انه المؤلف العارف المحيط بكل شيء، يأتيك بالمعلومات والمعارف، بل انها تتدفق عبر النسيج الروائي لتشمل الاسواق وبيوت الناس وعاداتهم وتقليدهم ونسيجهم الاجتماعي، دياناتهم وطوائفهم، الملل والنحل، تاريخ العراق منذ العثمانيين الى استعراض الجيش الانكليزي في شارع الرشيد الى الملكية فالجلاء.

* «بابا سارتر» رواية علي بدر

* دار الريس ـ بيروت

* الطبعة الأولى مايو (أيار) 2001

* 261 صفحة

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال