الاربعـاء 24 جمـادى الاولـى 1427 هـ 21 يونيو 2006 العدد 10067
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المثقفون يحكمون الحصار حول علي سالم وهو يكسره بشريط مسجل

بعد 12 سنة من بدء زياراته التطبيعية لإسرائيل

القاهرة: أسامة عبد اللطيف

يعاني الكاتب المسرحي علي سالم من مقاطعة شبه جماعية لاعماله، من قبل المثقفين بسبب تأييده للتطبيع مع اسرائيل وزياراته المتكررة لها، منذ توقيعها اتفاقية السلام مع مصر. علي سالم لم يتمكن من تقديم اي عمل مسرحي منذ ما يزيد عن عشر سنوات، بسبب الحصار المضروب حوله، ولم يجد أمامه، في النهاية، لكسر الطوق سوى اصدار شريط كاسيت سمح بتداوله، وحظر الاتجار به، وهو بعنوان «أقوى الضحكات». وقصد علي سالم من الشريط أن يحول اعماله إلى كلام مسموع وبصوته، يساهم في ترقية ثقافة الشارع، كما يقول.

هنا حوار مع علي سالم، الذي كان وسيظل مشاغبا حتى بعد بلوغه السبعين من عمره:

> في البداية كيف تقضي وقتك هذه الأيام؟

ـ اشغل نفسي بكتابات صحافية، رغم عدم سعادتي بذلك. فأنا كاتب درامي أولا، وهذا يسعدني اكثر من أي عمل آخر، ولي أعمال درامية لم تر النور حتى الآن، من بينها مسرحيتان من فصل واحد، ومسرحيتان طويلتان. منذ 4 سنوات قدمت مسرحيتين للمسرح القومي هما «رجلان وامرأتان»، و«كابوس الكومبارس»، لكنني لم أتلق أي رد عليهما حتى الآن رغم موافقة رقابة المسرح علي النصين، كما أن نشاطي في اصدار الكتب لم يتوقف علي الرغم من حالة العزلة التي يحاول البعض فرضها علي، فأصدرت «أقوى الضحكات» الذي يضم اعمالي القديمة الفكاهية، وصدر لي في مارس (آذار) الماضي «كلمات للضحك والحرية».

> هل أنت نادم علي ما صرحت به من آراء سياسية فيما يتعلق باسرائيل؟

ـ قدمت أعمالاً للمسرح القومي، كما قلت لك، وأنا أسأل: هل خسروني بإرادتهم ام مرغمين على ذلك؟ واتصور ان هناك من يتعمد ان يستبعد اي ابداع جيد. ولا بد ان نعترف بأن هناك فساداً حقيقياً فى الدراما، وهو فساد يؤدي بصاحبه للسجن! وفي هذه الظروف مستحيل ان يظهر من هم مثلي. وإياك أن تصدق ان موقفي من السلام له علاقة بما يحدث لي. الأمر كله مجرد تصفية حسابات ابداعية لا اكثر ولا اقل. انا موجود واعمالي كذلك، اما ان يصل الأمر الى حد ان يمنع مجموعة من الهواة اعمالي من التقديم، فهذا يعني وجود جهات تتعمد ايذائي. وأنا مع ذلك، لا أرى نفسي ضحية، ولا اعتقد ان هناك مبدعاً من جيلي يحتل المساحة التي احتلها. يكفي أن آخر كتبي نفد بعد ثلاثة ايام من طرحه. وليس لدي ما أشكو منه، وفي نفس الوقت، أعرف انهم سعداء بخسارتي كمبدع، ولدي قناعة تامة بأن كل اعمالي ستجد طريقها إلى المسرح يوما ما. حاليا اشغل نفسي بمشروع يجعلني اصل ككاتب مسرحي للجمهور مباشرة، بدون أي وساطة او عناصر مساعدة من ممثلين ومصممي ديكور واعلانات منتج وغيرها. فقد قررت عمل شركة فردية سميتها «صوت الفكاهة»، أسجل من خلالها كل اعمالي الكوميدية بصوتي على اشرطة كاسيت وأقراص مدمجة. وأنا في انتظار محاولات تعطيلي، من الذين يسعدهم منعي من مواصلة مشواري الابداعي.

> لكن كثيرون يرون أن موقفك المؤيد للتطبيع وليس إبداعك، هو سبب حالة المنع التي تتحدث عنها؟

ـ شيء مؤلم ان اظل لمدة 12 عاما ارد على مقولات لا معنى لها. فهل سمعت عن اي مثقف في اي دولة من دول العالم، عوقب كما فعلوا معي، لأنه اقام علاقات طبيعية مع المثقفين الاسرائيليين وآمن بالسلام؟ أريد ان اؤكد ان العلاقات الطبيعية مع اسرائيل ليست هما من هموم المصريين. المواطن المصري مهموم بمشاكله وحياته والدروس الخصوصية والتوتر الذي يحيط به، وما يحدث في العراق وفلسطين. الشعب المصري مع السلام، وكان هذا واضحا عندما أيد قرار السادات بالسلام، وحتى الآن لم يناقشني احد في حقيقة ايمان الشعب المصري بالسلام. كل ما تعرضت له على مدار السنوات الماضية هو مجرد سب وشتم لشخصي كإنسان. وانا مندهش لذلك، وكثيرا ما طالبت من هاجموني بالانتقال من صراع الحرب الى تنافس السلام، وللاسف ظل الاعلام المصري يصدر اعلانات حرب ودعاية سوداء ضد العلاقات المصرية ـ الاسرائيلية، لنكتشف بعد فترة ان المسألة لم تكن اكثر من ذريعة لنهب اموال البلد. فهم يتعاملون بمنطق الحق كله معهم، والباطل من نصيب الآخر، ايا كان هذا الآخر. وانا ليس عندي حق وباطل، وكل ما في الامر موقف سياسي وثقافي. أنا كاتب مثقف، وبعد ان خضت هذه الحروب وخسرت فيها أحباء، اكتشفت أهمية السلام وضرورة ان نتعرف على هؤلاء الناس، وكيف نتنافس معهم سلاما. وأتصور ان المثقفين المصريين لا بد ان يشعروا بالغيرة من تفوق إسرائيل الدولة الصغيرة عليهم في مجال التصدير. وارى أن الهرب من السلام هو عجز ورعب، ليس له ما يبرره. وانا حتى الآن لم تعرض لي أي مسرحية في اسرائيل. كان هناك مشروع لم يكتمل لعرض مسرحية «كاتب فى شهر عسل». ادعي انها تهاجم النظام المصري، دون ان يكلف احد من هؤلاء نفسه بالعودة الى الوراء او متابعة اعمالي. فهذه المسرحية نشرت في مصر عام 1975، وعرضتها من انتاجي عام 1982.

> ألم تفكر في إنشاء فرقة مسرحية تقدم أعمالك؟

ـ احتاج لأموال كثيرة، ولن أمد يدي لجهة أجنبية لأسباب ليس لها علاقة بالوطنية. فى فترة سابقة كنت أستطيع إنشاء فرقة مسرحية بمبلغ 10 آلاف جنيه، الآن المسألة تحتاج لملايين، هناك خلل في الإنتاج المسرحي. لجأت لكثيرين لكن اسمى وحده يخيفهم، هناك من يخاف من الاقتراب مني، حتى لا يتعرض لمضايقات خاصة. اننا لا نعرف بالضبط من هم أعداء السلام في مصر.

> بعض المثقفين والكتاب يرون أن علي سالم ارتكب ذنب التطبيع، وكان لا بد من عقابه.. ما تعليقك؟

ـ هذا نفاق.. انا مارست دوري كمثقف مسؤول، وأشك كثيرا في ان الذي يمنع ابداع علي سالم، يمكن ان يحتفظ بشىء آخر له أهمية. هذه نرجسية والذى يفرط في ابداع مبدع، لا تصدق أن لديه شيئاً مهماً يستطيع التعبير عنه. هو يداري فشله وعجزه من خلال منع واعاقة ابداع الآخر.

> آخر ما عرض لك كان مسرحية «خشب الورد» عام 1986. هذا يعني انك بعيد عن المسرح حتى من قبل اعلان موقفك من التطبيع؟

ـ أنا في القائمة السوداء منذ عام 1970 وكل ما عرض لي كان مصادفة. وعموما يمكن افساد اي عرض مسرحي بتآمر صغير لا يظهر في الوثائق. وهذا ما حدث بداية التسعينات لعدم عرض مسرحية «البترول طلع في بيتنا»، التي جرت البروفات عليها على المسرح القومي، وتوقفت عندما طلب بعض الممثلين تعديلات، بحجة انها ضد القومية العربية، لكنها عرضت في فرق الأقاليم.

> هل تشعر بالنفي والإقصاء؟

ـ النفي كلمة كبيرة. وأنا أدفع ثمن ما أؤمن به، ولو ان الناس ترفضني ما اشترت كتبي، عمري الآن سبعون سنة، ولا اخدع نفسي عندما اعتبر انني أعبر عن احلام الشعب المصري وآماله، كما أن عندي قناعة ان سلامنا مع اسرائيل، حمى المنطقة من الفوضى. ولا ابالغ ان قلت ان الطفرة في تنمية الخليج، لم تكن لتحدث لولا السلام المصري ـ الاسرائيلي. وفي رأيي ان مهاجمة السلام توفر حماية للفساد وللذين يرفضون اي تغيير وتطور في مصر، لأن أي علاقة طبيعية مع اسرائيل، تعني عمل علاقات طبيعية بين المصريين وانفسهم.

> هل تفترض في الإسرائيليين حسن النية؟

ـ أنت لا تتعامل مع عصابة، أنت تتعامل مع حكومات، والسياسة ليس فيها نوايا بل فيها اتفاقات.

> ولكنهم لا يلتزمون باتفاقاتهم؟

ـ لم يحدث، أحضر لي أي اتفاق تراجعوا فيه في اتفاقية السلام المصرية ـ الاسرائيلية. ان ما تقوله هو ما يروجه المتطرفون لنظل أسرى الخوف. ولا بد أن نتغاضى عن قائمة الأحزان التي تعود لثلاثينيات القرن الماضي. كل ما يهمني ان نعيش في هذه المنطقة دون ان تتحول الى خراب، وان ندرك ان التطرف لا يترك اي انسان في مأمن.

> هل تشعر بعدم الأمان لأن الأغلبية ليست معك؟

ـ الأغلبية لا تطمئن المبدع والمفكر، ووجودها في جانبه كثيرا ما يكون عيبا وليس ميزة. فالحقيقة ملك فرد بعدها يكتشف الناس صحة ما يراه. وأنت تذكرني برجل السياسة الذي كان يخطب، ووجد الناس تصفق له، فسأل أحد مساعديه: هل أخطأت في شيء!؟ وعندما وافقت الأغلبية على فصلي من اتحاد الكتاب، سألت: الا يعتبر من يشتري كتبي أغلبية؟ وهذا يكفيني، فأنا لا أريد شيئا آخر ولا اطالب باتفاقية سلام، فالسادات وقعها.

> هل تشاهد مسرحا هذه الأيام؟

ـ لم اعد أطيق ذلك من فترة بعد أن تصور البعض أن التهريج هو الكوميديا.

> ماذا عن اول شرائط مشروعك؟

ـ هو محاولة مني لمواصلة الإبداع مع من يتابع أعمالي من المصريين. ولا ننسى ان شرائط الكاسيت صار لها جمهور وبخاصة ممن لا يقرأ منهم، حتى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري لجآ لذلك الأسلوب للتعريف بآرائهما وما يفكران فيه. إلا ان الفارق بيني وبينهم، انهما يذيعان أشرطتهما فور تسجيلها دون رقابة، أما أنا فلا بد ان احصل على 18 موافقة، منها 6 بعد إنشاء الشركة. وعموما قررت ان أشارك في ثقافة الشارع، لأجد لنفسي مكاناً بين أشرطة الأرصفة. وقريبا ستجد أعمالاً لي في مجال الفيديو، من خلال مدينة الإنتاج الإعلامي. وهناك فيلم ستقوم ببطولته ليلى علوي، وإذا لم تجد منتجاً له، ربما تنتجه بنفسها.

* سيرة ذاتية

> 25 مسرحية هي رصيد علي سالم، ومع ذلك فإن الكثير من الشباب، لا يعرفون عنه اليوم سوى انه أحد رواد الدعوة للتطبيع مع اسرائيل، خاصة أن آخر اعماله المسرحية قدمت منذ ما يزيد على العشرين عاما. ولعل مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي تعد من اشهر المسرحيات المصرية في القرن الماضي، هي أكثر أعماله اقترانا به.

بدأ علي سالم نشاطه بالتمثيل في عروض ارتجالية بدمياط، بلد نشأته في خمسينات القرن الماضي. التحق بعدها بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، ثم عمل بعدة فرق صغيرة، قبل ان يعين في «مسرح العرائس» ويتولى مسؤولية «فرقة المدارس» ثم «فرقة الفلاحين».

أول مسرحياته التي قدمته كاتبا محترفا كانت «ولا العفاريت الزرق»، ثم كتب مسرحية «حدث في عزبة الورد»، ليقدمها ثلاثي أضواء المسرح جورج وسمير والضيف، بعد بروفات 9 ايام فقط، واستمر العرض 4 اشهر في سابقة من نوعها في وقتها. من اشهر أعماله «مدرسة المشاغبين»، التي قدمت نجوما احتلوا صدارة الساحة الفنية لفترة طويلة، مثل عادل أمام وسعيد صالح ويونس شلبي بجانب أحمد زكي وهادي الجيار. وفي عام 1994 بدأت زيارات علي سالم لإسرائيل التى تكررت 15 مرة، ورشحته جامعة إسرائيلية للدكتوراه الفخرية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال