الاربعـاء 26 ذو الحجـة 1427 هـ 17 يناير 2007 العدد 10277
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

رحيل الهادي آدم صاحب أغنية «أغداً ألقاك» ولعنتها لا تزال تطارده

الخرطوم: شذى مصطفى

لم تمض أيام قليلة على رحيل الشاعر السوداني، الهادي آدم حتى خرجت «المجموعة الكاملة» لأعماله عن «دار أروقة للنشر». المجموعة تضم دواوينه الثلاثة: «كوخ الأشواق» الذى صدر بالقاهرة عام 1966وفيه قصيدته الشهيرة التي غنتها أم كلثوم باسم «أغدا ألقاك» في بداية السبعينات، وديوان «عفوا أيها المستحيل» و«نوافذ العدم» ومسرحية شعرية باسم «سعاد».

ولد الهادي آدم عام 1927بقرية الهلالية، تلقى تعليمه العالي بمصر وتدرج في السلك التعليمي حتى المعاش، فلم يتمكن يوما من التفرغ للشعر أو التأليف. ويقول الشاعر سعد الدين إبراهيم «ظل الهادي آدم مخلصا لمهنته، وهو أشبه في هذا بنجيب محفوظ، وقد تدرج في وظيفته الى أن صار مشرفاً تربوياً بوزارة التعليم، كما اللافت أنه لم يتأثر بمدرسة شعرية واحدة، ولم يكن ينتمي لتيار أيديولوجي كما أقرانه من الشعراء السودانيين الذين درسوا بمصر كالفيتوري ومحيي الدين فارس وتاج السر الحسن المعروفين بيساريتهم الصارخة، وبرأيي أنه كان رائدا في التمثيل الشعري في السودان بمسرحيته الشعرية «سعاد» التي خرجت الى النور عام 1955، والتي أهداها الى الاتحاد النسائي دعما منه لتحرير المرأة من التقاليد البالية التي تؤثر على تقدمها».

في ديوانه «نوافذ العدم» الذي خرج الى النور عام 1996جمع قصائد كتبها منذ السبعينات للبنان ودمشق وفلسطين ولثورة أبريل 1986 وأفريقيا، وقصائد أخرى لمشاهد من الحياة، كقصيدة نثرية عن «الزار» راسما صورة دقيقة لأحداثه وأبطاله يقول فيها «وهناك فلانة تحتضر/ والغرفة توشك تنفجر/ والشيخة تدنو منها تتنهد/ وبيمناها منديل أحمر/ضمخه المسك ووشاه العنبر/ وبيسراها علبة عسجد/تفتحها كبتول تتعبد/ وغطاء تجذبه جذبة/ فإذا بفلانة تنهض في جلبة/ وتدور مرارا في الحلبة/ وخروف ذبحته في الدار/ شربت من دمه الحار»، وأخرى بعنوان «تموت الذرى» في رثاء مذيع تلفزيوني رحل شابا عن الحياة وكان قد تألق في برنامج شهير يهتم برعاية المعوقين في التسعينات ولم يرث المذيع فقط، بل رثى بلادا ظل قدرها أن تختطف يد المنون العاملين بجد والمخلصين لها، وما أصدقه!، فكتب:

أرى طالع الأوطان كالناس منهم الحظي ومن أمسى له الحظ جافيا

كذاك بلادي كلما ذر شارق من الأفق لم يعدم من الدهر راميا

وفي نعي عبد الناصر كتب قصيدة عنوانها «أكذا تفارقنا؟»:

أكذا تفارقنا بغير وداع يا منية الأبصار والأسماع

أكذا تفارقنا وسينا لم تزل تجتاح بين ثعالب وسباع

وشواهق الجولان عند مكابر متزايد الآمال والأطماع

والقدس في أيدي اللئام تشبثوا فيها بأشرف تربة وبقاع

ورغم قصائده التي تناولت العديد من المواضيع، بالشعر الحر والمقفى إلا أن قلة من الناس يعرفونها، فكما أن بعض الأدباء يكونون «أسرى» للعمل الفذ الذى يطغى على باقي الأعمال الأدبية وأشهرهم الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«أولاد حارتنا» لمحفوظ، فكذا الحال كان مع الهادي آدم فلا يذكر اسمه إلا ويعقبه التعليق «شاعر قصيدة أغدا ألقاك».

كل الشعراء كانوا يحلمون بأن تغني قصائدهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم ويلحنها الموسيقار الكبير عبد الوهاب، وعند زيارتها للخرطوم نهاية الستينات وبعد الاستقبال الكبير لها، قررت أن تغني قصيدة لأحد شعرائها، وكان أن وقع اختيارها على قصيدته «الغد» التي حولت اسمها الى «أغداً ألقاك» وغنتها عام1971 بمسرح «قصر النيل» ليسمعها الجمهور العربي من الخليج الى المحيط. وكانت سعادة الهادي آدم كبيرة بهذا العمل، إلا أنه لم يتوقع أن تصبح حياته أسيرة هذه القصيدة، فرغم دواوينه الثلاثة التي تضم أكثر من مائة قصيدة كتبت منذ أربعينات القرن الماضي وحتى نهاية التسعينات، لم يغن أحد من الفنانين السودانيين أياً من قصائده، ولم يتناولها النقاد بالقدر الكافي من الاهتمام أو الدراسة. ويحكي الصحافيون أنهم عندما يريدون إجراء حوار معه، كان يشترط عليهم بشدة قبل الحوار ألا يسألوه إطلاقا عن قصيدة «أغدا ألقاك»، فيخيب مسعى الصحافي ويظل يدور في فلكها عله يظفر بحديث أو بشيء جديد عنها. وكان الهادي آدم يكتب مقدمات دواوينه الشعرية بنفسه، واللافت أنه لم يشر أبدا لقصيدة «أغدا ألقاك» في أي من المقدمات ولا الى غنائها من قبل أم كلثوم، بل المدهش أن إصدارة المجموعة الكاملة التي خرجت بعد أيام قليلة من وفاته جاءت فيها قصيدة «أغدا ألقاك» بعنوان «الغد». فالهادي آدم ظل محافظا على اسمها الأول في محاولة «يائسة» منه لعدم لفت نظر القارئ إليها حتى لا تكون «جوهرة» الديوان. لكن يبدو أن لعنة «أغدا ألقاك» ـ إذا ما جاز التعبير ظلت تلاحقه، فقد منح وسام الجمهورية الذهبي بسببها، وكذلك كرمته السفارة المصرية بالخرطوم مؤخرا، وبعد وفاته في شهر ديسمبر الماضي نعته وسائل الإعلام والملفات الثقافية بالصحف بـ «رحل صاحب أغدا ألقاك» وأدرج نص القصيدة ومناسبة غنائها، فظلت هي القمة التي وصل إليها باكرا جدا على ما يبدو!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال