الخميـس 15 ذو الحجـة 1430 هـ 3 ديسمبر 2009 العدد 11328
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«السيدة من تل أبيب» .. ثلاثية الحب والحياة والموت

تفوح بعطر روايات كنفاني وجبرا وحبيبي وخوري والطيب صالح وتسير على خطاها

لندن: عطاء الله مهاجراني

«السيدة من تل أبيب» كتاب فريد. عليّ أن أقول أولا، إن هذه الرواية الرائعة تسير على خطى روايات إميل حبيبي، والطيب صالح، وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإلياس خوري؛ حيث يفوح منها عطر تلك الروايات. وأعتقد أن أحد ميزات هذه الرواية الأساسية، هو ارتباطها بجذور تاريخ فلسطين والأدب العربي. وكما قال إسحق نيوتن في خطابه لروبرت هوك: «إذا استطعت أن أرى لمسافة أبعد، فذلك لأنني أقف على أكتاف عمالقة»؛ وبالفعل يقف ربعي المدهون على أكتاف هؤلاء الروائيين، كما في مثال القطرة والبحر. فطالما بقيت القطرة في البحر تظل خالدة، لكنها تصبح لا شيء خارجه؛ إذ تتبخر سريعا ما أن تلامسها أشعة الشمس.

كتابة عرض لرواية، كما تبدو لي، تشبه إلى حد كبير كتابة الرواية نفسها! كروائي، تبذل أقصى جهد تستطيعه كي تخلق عالما جديدا، وعندما تكتب نقدا أو تحليلا لرواية، عليك أن تستكشف ذلك العالم، وتستكشف المناطق الخفية في تلك الرواية؛ فمثلا إذا كانت الرواية محيطا، فسوف تجد تيارات حلوة وأخرى مُرّة تتدفق فيه.

دعني أذكر لك مثالا آخر لإسحق نيوتن، الذي اشتهر بنظرية الجاذبية، نظرية أخرى ملائمة جدا للتحليل الروائي؛ هي نظرية الألوان التي تأسست حول ما لاحظه نيوتن من أن المنشور الزجاجي يحلل اللون الأبيض إلى عدد من ألوان الطيف التي تشكل مجالا مرئيا. وبمعنى آخر، فتحليل الرواية هو ذلك المنشور؛ فأنا أريد إبراز الألوان المتعددة في رواية «السيدة من تل أبيب».

أولا: هناك ثالوث خاص في تلك الرواية؛ حيث لدينا الأب والابن والروح القدس. وما زال الثالوث يمثل لغزا في المسيحية؛ فهم ثلاثة وفي الوقت نفسه واحد، وهو واحد ولكنه في الوقت نفسه ثلاثة. دعني أقول لك إن الأب هو الراوي والمبدع، والابن هو البطل، والروح القدس هو ذلك التيار من الخيال المبدع. ودون التركيز على الثالوث، فسيكون من المستحيل التعرف على جوهر المسيحية؛ ففي رواية «السيدة من تل أبيب» يمكننا أن ندرك الثالوث الحقيقي. يقول المدهون على لسان الراوي: «وهكذا وجدتني مؤلفا وبطلا وراوية» (ص 256). أعتقد أن ذلك النوع من الوضوح يمثل ثغرة في الرواية! فكما يقول هيمنغواي: أنت تفسد الرواية عندما تشرح كافة التفاصيل الخفية للقارئ. إذ يجب أن تظل صامتا مثل الزهاد الهنود! وذات مرة قال الروائي والشاعر النمساوي الشهير ديفيد معلوف إن العدو الحقيقي للرواية هو الثرثرة!

على أية حال، فإن المعلق والمؤلف والبطل ـ المدهون، ودهمان، وعادل ـ هم ثلاثة أشخاص لهم روح وجوهر واحد فريد. من الواضح للغاية أن أصل مدهون ودهمان هو الدهن! اللون! أرى أن ربط نظرية الألوان برواية المدهون أمر مثير للغاية. حيث يشبه ذلك الرسم بالزيت! فكما تعرف، فإن الظل في الرسم بالزيت لا يقل أهمية عن الضوء، ولذلك عرف رامبرانت بـ«سيد الظل والضوء».

الظل والضوء، الحقيقة والحلم، الحب والكراهية، الحياة والموت، جميعها أضداد ترتبط بعلاقة متبادلة. في العمارة الإيرانية القديمة، كانت هناك غرفة تعرف بمنزل العين، وهي عبارة عن غرفة تغطي المرايا جدرانها بالكامل، وبالتالي يلعب الضوء بانعكاس الشخص على المرايا في تلك الغرفة، وهو ما يشبه إلى حد كبير رواية المدهون.

فلدينا ثلاثة أبطال رئيسيين، الراوي دهمان، وعادل، ودانا. لكل واحد منهم قصته الخاصة. بل دعني أقول إن هذه الرواية تتألف من ثلاث قصص رئيسية. لكن ثمة قصة رابعة ملموسة تقع في قلب الرواية، هي قصة دانا.

الحب، والحياة، والموت جوهر الثالوث الذي تشكله تلك القصص الثلاث التي تمثل الضوء بينما تمثل القصة الرابعة الظل.

فلدينا ثلاثة تيارات من الحب والحياة.

1- يسافر الراوي إلى فلسطين للالتقاء بأمه وليرى وطنه ولكي يؤلف روايته الرابعة حول عادل البشيتي وليلى.

2- تسعى دانا وراء الحب. ودانا ممثلة جميلة يسعى وراءها الكثير من المحبين (الجنرال نور الدين، وإيهود، وأبرومفيتش). تكتشف دانا أنها حامل ولكنها لا تعرف لمن الجنين، ويصبح مصيرها شتاتا جديدا، ولا يستطيع القارئ أن يمحو من ذاكرته صوت بكائها. لماذا كانت تبكي؟ لأنها أخفقت في علاقاتها. وبعدما قررت أن تكشف السر، قتلت (من الذي قتلها؟)، وبالتالي ظلت صامتة إلى الأبد. يبدو أن حياتها والجزء المتعلق بعشاقها يشبه إلى حد كبير قصة داليدا! حتى وجهها وشعرها! فقد كتبت داليدا في الورقة التي تركتها عندما انتحرت:

«لقد أصبحت الحياة غير محتملة.. سامحوني».

وعندما تلقت دانا رسالة نور الدين بدأت ترقص. (ص: 194 ـ 195)

وكانت كل من داليدا ودانا مغنيتين.

لقد وجدت حبي في بورتوفينو

آه.. يا نوردينو

وجدت فيك الأحباب.

ولكن في الحقيقة نور الدين لم يكن سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

3- عثر عادل على محبوبته ليلى.

«قفز عادل من مكانه وهو يصيح وسط المقهى الذي لم يكن فيه لحسن الحظ غيرنا... ليلي عايشه يا عادل... أنت وين يا ليلاي وعمري كله؟» (ص:272)

جذور عادل لم تضرب عميقا في ألمانيا، فهناك فارق كبير بين عادل ووليد دهمان، فدهمان كان قد استقر في لندن وكان سعيدا للغاية بهويته الجديدة؛ ففي الصفحة الأولى من القصة الأولى يقول الراوي ـ المدهون: «وضع جواز سفره البريطاني في جيب قميصه فوق القلب مباشره!» (ص: 3)

ويعني ذلك أن دهمان كان يستشعر بقلبه جواز سفره البريطاني. ومثل المدهون، فإن دهمان فلسطيني ولديه جواز سفر بريطاني!

أنا الآن شخصية مهمة جدا بالفعل، مدرج في فئة الأجانب (ص:171)

هذه أزمة هوية، فإذا أردت أن تحظى بالاحترام، فيجب أن تكون أجنبيا في وطنك. هنا خيط رفيع بين البكاء والضحك.

من جهة أخرى، يمكننا أن نجد أرضية مشتركة بين تلك القصص والأبطال الثلاثة؛ وهي الحب والحياة. فصراخ عادل ورقصه هما مظهرا حب وحياة بالإضافة إلى الحب والحياة المفقودين! فالحب كالتيار الذي يتدفق في قلب الرواية ومثل العلم الذي يرفرف على شجرة الأكاسيا التي تقع إلى جوار قبر والد دهمان.

فليلى هي محبوبة عادل ولكن أي ليلى؟

وهل يشبه عادل المجنون الذي قال:

أمر على الديار ديار ليلى

اقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حبُ من سكن الديار

فالحب والأرض يمتزجان معا.

ثانيا: أعتقد أن المدهون نجح في مزج الحقيقة والخيال معا في تلك الرواية؛ حيث لا توجد بينهما حدود. فأحيانا يبدو من المحال أن نخلط الحقيقة بالخيال، وكما تقول الفلسفة الهندوسية فنحن نحتاج إلى عين ثالثة. وقد وجد المدهون تلك العين الثالثة.

عادل البشيتي وأنا كيان واحد من ظل وحقيقة... (ص:174)

أحببت عادل البشيتي في الرواية أكثر منه في الحقيقة. عادلي الذي وضعت فيه شيئا مني، البطل الذي كان أكثر صدقا من الحقيقة... (ص:300)

لو كنت مكان المدهون لحذفت تلك الجملة!

ثالثا: استخدم المدهون لغة رائعة سواء على مستوى اللغة الفصحى أو اللهجة العامية. وعلى الرغم من أن رواية «باب الشمس» لإلياس خوري وتجربة عبد الرحمن منيف الفريدة «مدن الملح»، قد مهدتا الطريق أمام رواية المدهون، فإن اللهجة العامية في رواية المدهون لها مذاق خاص. يقول منيف: «لا شك في أن موضوع العامية مغامرة خطرة...» (عبد الرحمن منيف «الكاتب والمنفى» المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001 ص:107).

أعتقد أن المدهون قبل تلك المغامرة الخطرة ونجح. فعلى سبيل المثال عندما كانت والدة وليد تشرح رؤيتها حول الحياة وموقفها منها كانت لغة الحوار فريدة:

« بيهمش يمه.. هذا بس عشان أول ليلة إلك في لبلاد.. بكره بتتعود.. إحنا بينا وبينك بطلنا من زمان نحس ابئشي. والله كنا ننام والقصف شغال.. طب طاخ دف، بف دب وبب، طج طنج شلاخ.. ولا معنا خبر، اتعودنا؟ عيشتنا كلها خربطة في خربطة.. والله يمه لما يكون الجو هادي والدنيا ساكتة وما في صوت بيصيبني قلق وما بعرف انام...» (ص: 246). لو كان هذا الجزء قد كتب بالفصحى، لجاء مفتعلا مثل زهور بلاستيكية؛ بلا رائحة أو حياة.

في النهاية أرغب في إلقاء الضوء على بداية الرواية، حيث كانت مذهلة! فقد بدأت الرواية بكلمة «غدا»، حيث يمكنك أن تدرك جوهر الرواية بأكملها من الفقرة الأولى....

«غدا صباحا يصل وليد دهمان إلى قطاع غزة. لا تصدق أمه الخبر. تعتبره إشاعة، خرافة، مثل عودة الفلسطينيين إلى بلادهم».

مما لا شك فيه بالنسبة لي، أن رواية «السيدة من تل أبيب» خطوة عظيمة.

* الكتاب: السيدة من تل أبيب

* المؤلف: ربعي المدهون

* الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال