الاحـد 02 ذو الحجـة 1424 هـ 25 يناير 2004 العدد 9189
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

العثور على بقايا أثرية في الإمارات عمرها 7 آلاف سنة

أحمد عثمان

عثر في دولة الإمارات العربية المتحدة أخيراً على أقدم مستوطنة مبنية من الحجارة يرجع تاريخ بنائها إلى سبعة آلاف سنة أي قبل ألفي عام من جلوس الفراعنة على عرش مصر. وقد تمكنت الوحدة الأثرية الإماراتية التي تعمل بالتعاون مع وكالة الحفاظ على البيئة، من الكشف عن هذه القرية في منطقة محمية بجزيرة مروة الغربية بأبو ظبي، على بعد 60 ميلا غرب العاصمة الاماراتية.

وبدأت أعمال الكشف في ربيع العام الماضي، عندما تولت البعثة فحص مجموعة من التلال الحجرية وعثرت بينها على ثلاث بنايات شيدت من الحجارة، وتمثل هذه المساكن أقدم طراز وجد في البلاد، لها حوائط سمكها 18 بوصة وترتفع إلى ثمانية أمتار في بعض المواضع. وعثر رجال الآثار كذلك في الموقع ذاته على رمح حجري ورأس لسهم طوله ثلاث بوصات من حجر الصوان. كما وجدت بقايا متكسرة لمدقة يد (هاون) كانت تستخدم في طحن الطعام. ولكي يتمكن الباحثون من تحديد تاريخ هذه المساكن، أرسلوا عينات من الرماد الذي وجدوه في أرضياتها إلى مركز البحث في بريطانيا، لفحصه عن طريق نظام الكربون المشع. وجاءت النتيجة لتؤكد أن هذه المساكن كانت مستعملة في العصر الحجري المتأخر، أي منذ حوالي سبعة الاف سنة. وعلى هذا فإن جزيرة مروة تحتوي على بقايا أثرية تمتد منذ العصر الحجري وحتى العصر الإسلامي.

يبدو أن جزر أبو ظبي كانت تمثل مركزا حضاريا مهما منذ العصر الحجري المتأخر، إذ سبق العثور على بقايا بنايات مستديرة في جزيرة دلما شيدت على أعمدة خشبية خلال السنوات العشر الماضية. وهنا ايضا بينت فحوص الكربون المشع التي أجريت على عينات الخشب، أن هذه المنشآت ترجع إلى سبعة آلاف سنة. كما وجد الآثاريون العديد من قطع الفخار للأواني التي استخدمها المواطنون القدامى لحفظ الطعام والشراب ترجع الى نفس الحقبة التاريخية، وتدل على وجود مستوطنات عديدة منتشرة في هذه الجزر.

وتبين الصورة الآن ان سكان جزر أبو ظبي القدماء وكانوا ـ مثل الفينيقيين ـ تجاراً يركبون البحر وينقلون البضائع.

وبينما كان تعامل الفينيقيين يجري بين مصر وبلدان البحر المتوسط، جاء تعامل الإماراتيين بين العراق (أرض الرافدين) وبلدان المحيط الهندي. كذلك تبين ان سكان منطقة الامارات استأنسوا بعض الحيوانات كالغنم والماعز منذ الأزمنة القديمة إلى جانب صيد الغزال والحيوانات البحرية مثل الأسماك والدلافين والسلاحف والمحار. وكانت تجارة اللؤلؤ من أهم الأعمال التي يقوم بها السكان حتى في ذلك الماضي السحيق. وأظهرت كشوف جزيرة دلما كذلك أن السكان بدأوا منذ تلك الحقبة في استثمار نخيل التمر للمرة الأولى، اذ تعتبر نواة التمر التي عثر عليها في الموقع أقدم دليل أمكن الكشف عنه في الجزيرة العربية على أكل هذه الثمار.

* ميناء أم القيوين

* على صعيد آخر، بدأت اعمال الكشف الأثري في المنطقة في إمارة أم القيوين (الامارات الشمالية) في منتصف ثمانينات القرن الماضي منذ حوالي عشرين سنة عندما تقرر بناء مطار جديد في محاولة لانقاذ ما يمكن أن يكون مدفونا تحت الأرض من بقايا. عندئذ وصلت فرق الكشف الأثري من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا والدنمارك. وتعاونت كلها لمسح منطقة الدور التي خصصت لبناء المطار والتعرف على ما تحتويه من آثار. يوجد موقع الدور على الساحل وهو الموقع الساحلي الكبير الوحيد بين قطر ومضيق هرمز وفيه وجدت مستوطنات بشرية ترجع الى حوالي ألفين وخمسمائة سنة. وللعلم تطل الدور على بحيرات ضحلة تحتوي على العديد من الجزر، وبينما انصرفت باقي الفرق الى مواقع اخرى، استمر عمل البعثة البلجيكية في الدور حتى عام 1995. وتبين للآثاريين ان هذه المنطقة الصحراوية كانت مأهولة بالسكان منذ منتصف الألف الأول قبل الميلاد، وبلغت مساحتها حوالي ثلاثة كيلو مترات مربعة. وتحولت الدور التي ما زال اسمها القديم مجهولاً حتى الآن إلى ميناء تجاري في بداية التاريخ الميلادي منذ ألفي سنة، وقد وجدت بها عدة آبار للمياه. وكانت المراكب المسافرة الى شمال الهند تتوقف بالدور للحصول على تموينها من المياه ومواد الغذاء. كما كانت البواخر التجارية تمر بها في طريقها الى نهر الفرات بجنوب العراق، حيث تقوم قوافل الجمال بنقل البضائع من هناك الى موانئ البحر المتوسط.

تضاءلت أهمية ميناء الدور بعد ذلك بعد عصر الامبراطور الروماني تراجانوس عندما قطع الطريق التجاري الواصل الى جنوب العراق. واختفت المدينة تماما مع نهاية القرن الثاني للميلاد.

هذا وكشفت بعثة الآثار البلجيكية العاملة في موقع الدور العديد من مظاهر الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في منطقة الخليج منذ ألفي عام، قبل ستة قرون من ظهور الإسلام. وأزاحت الرمال عن قلعة صغيرة مربعة كانت تحمي ميناء الدور، ولكن الغريب في هذه المدينة هو العثور على المقابر منتشرة بين الأحياء السكنية وليست خارج المدينة كما هي العادة، حيث كان السكان يدفنون موتاهم بالقرب من مساكنهم.

إلا أن أهم مكتشفات البعثة البلجيكية في هذه المنطقة يظل معبد ميناء الدور القديم. اذ عثر المنقبون على بقايا مبنى مربع طول كل من أضلاعه ثمانية أمتار شيد من الحجارة وتغطي أسطح أسواره الخارجية طبقة من الجص المزخرف. ولا تزال بقايا الاسوار ترتفع الى حوالي متر و 30 سم، تميل قليلا الى الداخل مثل اسوار المعابد المصرية. للمعبد مدخلان يتجهان نحو الشمس في شروقها وغروبها، أحدهما في جهة الشرق والآخر في الجهة الغربية. ووجد حوض حجري داخل المعبد مسجل عليه تسعة اسطر من الكتابة الآرامية، تؤكد ان هذا المعبد بني لتقديس الشمس. ويؤكد هذا ما ذهب اليه الاثري السعودي نبيل الشيخ اخيراً عند تحديده لهوية معبد عثر عليه في منطقة «سعر» يرجع الى حضارة دلمون منذ 4 آلاف سنة حيث أكد أنه بني لاستقبال اشعة الشمس عند بداية فصل الصيف. ويبدو أن الشمس كانت هي المعبود الرئيسي لمنطقة الخليج في الأزمنة القديمة.

في داخل المعبد وجدت قاعدتان رومانيتان للتماثيل من البرونز. وتمثال للصقر الذي يرمز الى الشمس من الحجر الجيري. وحول المعبد عثر على اطنان من الرماد التي نتجت عن حرق خشب النخيل عند ممارسة طقوس العبادة وتقديم القرابين. كما وجد مذبحان خارج أسوار المعبد أحدهما هرمي الشكل والآخر مستطيل.

ايضاً توصل الاثريون الى ان منطقة الخليج العربي هي المقصودة من الكتابات الأكادية القديمة التي تحدثت عن موانئ تجارية في الخليج في بلاد دلمون، التي كانت تشمل ما هو الآن المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وجزيرتي البحرين وفيلكة عند الكويت وتمتد جنوبا على ساحل الامارات حتى عمان. وتشير الأدلة الأثرية الى أن الأقوام التي سكنت هذه المنطقة كانت سامية تنتمي الى الجزيرة العربية، ولم تأت من موقع آخر. وبسبب موقعها الاستراتيجي المطل على الخليج، أصبحت منطقة الخليج مركزا تجاريا مهماً ولعبت دورا كبيرا في نقل وتبادل السلع بين بلاد السند بأرض باكستان الحالية ومنطقة عمان في جنوب الجزيرة، وأرض الرافدين في العراق. وكانت اهم ما تصدره عمان هو خام النحاس حيث وجدت بها عدة مناجم لهذا المعدن الذي كان يستخدم في انتاج الآلات والأسلحة، كما صدرت السند النحاس كذلك والاخشاب الى العراق الى جانب الــــعاج والأحجار الكريمة والطيور، وصدرت أرض الرافدين الاقمشة والمواد الغذائية عبر البحرين. وكانت منطقة دلمون بالخليج العربي تصدر الثوم والتمر الذي اشتهر بكبر حجمه، وكانت ارضها تعتبر بمثابة منطقة سوق حرة يأتي إليها التجار من كل مكان للبيع والشراء.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال