الاحـد 04 شعبـان 1422 هـ 21 اكتوبر 2001 العدد 8363
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

جبال المدينة المنورة وحرّاتها... شواهد على أحداث تاريخية مهمة

المدينة المنورة: «الشرق الاوسط»
عادة ما تكون التضاريس الجغرافية أكبر شاهد تاريخي على الحضارات والحقبات الزمنية المرتبطة بها، وفي التاريخ الاسلامي يمكن القول أن بعض الجبال كانت وما زالت شاهداً مهماً على حقب واحداث تاريخية مهمة.

وفي المملكة العربية السعودية تسجل الجبال في منطقة المدينة المنورة بصورة خاصة، وقائع كثير من المعارك والغزوات التي صنعت محطات التاريخ الاسلامي. فجبل أحد اشتهر بالموقعة التاريخية التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة.

وتشير مصادر مثل «معجم البلدان» و«معالم الحجاز» أن جبل سلع يتمتع بمكانة تاريخية متميزة إذ وقعت عدة أحداث مهمة على سفوحه أو بالقرب منه، منها غزوة الخندق.

وعلاوة على الجبال، تتميّز المدينة المنورة بوجود الحرّات (جمع حرّة ـ والحرّة هضبة او تلة بركانية)، وللعلم تغطي الصخور والحجارة البركانية السوداء هذه الحرّات فتجعلها شديدة الحرارة في الصيف. وتشير في هذا الشأن مصادر تاريخية مثل «وفاء الوفاء» و«عمدة الاخبار» أن حرّة واقم اكتسبت هذه التسمية نسبة إلى شخص أو جماعة من العماليق نزلوا فيها.

وفيما يلي نبذة عن أبرز جبال وحرّات المدينة المنورة:

* جبل أحد:

* جبل أحد من أهم المعالم الطبيعية في المدينة وأظهرها، ويمتد أحد كسلسلة جبلية من الشرق إلى الغرب، مع ميل نحو الشمال، في الجهة الشمالية من المدينة. معظم صخوره من الجرانيت الأحمر، وأجزاء منه تميل ألوانها إلى الخضرة الداكنة والسواد، وتتخلله تجاويف طبيعية تمسك مياه الأمطار أغلب أيام السنة، لأنها مستورة عن الشمس، وتسمى هذه التجاويف «المهاريس». يبلغ طول جبل أحد سبعة كيلو مترات، وعرضه ما بين 2 ـ 3 كيلومترات، وهو يبعد عن المسجد النبوي الشريف خمسة كيلو مترات تقريباً، وتنتشر على مقربة من جبل أحد عدة جبال صغيرة، منها جبل ثور في شماله الغربي، وجبل عينين في جنوبه الغربي، ويمر عند قاعدته وادي قناة ويتجاوزه غرباً ليصب في مجمع الأسيال. ورواية غزوة أحد معروفة.

فقد زحف مقاتلو قريش وحلفاؤهم إلى المدينة للانتقام من المسلمين والثأر لقتلاهم في غزوة بدر التي وقعت في السنة الثانية للهجرة وتصدى لهم المسلمون في هذا المكان. ووضع رسول الله الرماة على جبل عينين وأوصاهم بألا يغادروه مهما كانت الظروف حتى يأتيهم أمره. ودارت المعركة ورجحت كفة المسلمين وبدأ المشركون بالهرب، وظن معظم الرماة أن المعركة حسمت لصالح المسلمين فنزلوا من الجبل من دون ان يلتفتوا لنداءات أميرهم وتبعوا المشركين سعياً وراء الغنائم. وهنا انتهز خالد بن الوليد، قائد فرسان قريش وحلفائهم من المشركين ـ ولم يكن قد أسلم بعد ـ الفرصة فالتف بفرسانه بسرعة من حول الجبل مباغتين بقية الرماة فقتلوهم، ثم هاجموا المسلمين من خلفهم فتشتت صفوفهم واستشهد منهم سبعون، منهم حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله. ثم انسحب المشركون ودفن الشهداء في موقع المعركة عند قاعدة جبل أحد، بينه وبين جبل عينين.

* جبل سلع:

* يقع جبل سلع غربي المسجد النبوي على بعد خمسمائة متر تقريباً من سوره الغربي، ويبلغ طوله كيلاً واحداً تقريباً، وارتفاعه80 متراً، وعرضه ما بين 300 ـ 800 متراً. وهو يمتد من الشمال إلى الجنوب ويتفرع منه أجزاء في وسطه على شكل أجنحة قصيرة باتجاه الشرق والغرب. ويتكون هذا الجبل من صخور بازلتية لونها بني داكن، ويميل إلى السواد في بعض المناطق. ولجبل سلع مكانة تاريخية متميزة إذ وقعت عدة أحداث مهمة على سفوحه أو بالقرب منه، اهمها وأشهرها غزوة الخندق التي تجمع فيها المشركون في جهته الغربية، وكان يفصل بينه وبينهم الخندق الذي حفره المسلمون في السنة الخامسة للهجرة، وكان سفح جبل سلع مقر قيادة المسلمين إذ ضربت خيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورابط عدد من الصحابة في مواقع مختلفة منه. وعند قاعدة الجبل سكنت منذ العهد النبوي قبائل عدة. ثم إبان العهد العثماني شيدت على قمته عدة أبنية عسكرية مازالت آثارها باقية حتى الآن. وحالياً يحيط العمران بالجبل من كل ناحية، بحيث صار جزءاً من حدود المنطقة المركزية للمدينة المنورة.

* جبل عينين:

* جبل صغير، يقع قرب جبل أحد، وفي الجهة الجنوبية الغربية منه في المنطقة التي وقعت فيها غزوة أحد سنة ثلاث للهجرة، لذلك يسمى أيضاً جبل الرماة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع الرماة عليه قبيل الغزوة، وأوصاهم بحماية ظهور المسلمين ومنع تسلل المشركين من خلفه. ويمتد هذا الجبل من الشمال إلى الجنوب مع شيء من الميل نحو الشرق وبقربه مجرى وادي العقيق، وهو قليل الارتفاع بني عليه في العهد العثماني مسجد صغير وبعض البيوت لكنها أزيلت اخيراً. وقد تضاءل حجمه وارتفاعه بمرور الزمن بسبب ارتفاع مستوى الأرض المجاورة له بالطمي الذي كانت تخلفه السيول من وادي العقيق، وبسبب تحسين المنطقة وشق الطرق حولها. لذلك تبدو بقاياه اليوم دون ما كانت عليه من قبل. وقد دفن عدد من شهداء أحد بقربه من جهةالشمال.

* جبل ثور:

* جبل صغير، يقع خلف جبل أحد من جهة الشمال، وهو الحد الذي يبدأ منه حرم المدينة شمالاً، ويمتد جنوباً إلى جبل عير، وذلك لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور». وقد وصفه بعض المؤرخين بأنه مدوّر أقرب إلى الحمرة خلف أحد عن يساره. وقد شكلت لجان رسمية لتحديده بدقة من بين مجموعة الجبال المتقاربة في المنطقة.

* جبل سليع:

* جبل صغير، يقع شرقي جبل سلع، تفصل بينهما منطقة صغيرة كانت تسمى ثنية عثعث، وسكن على سفحه وحوله بنو أسلم من المهاجرين. وقد بنى عليه جماز بن شيحة ـ وهو احد أمراء المدينة في العهد المملوكي 70 قصراً محصناً واتخذه مقراً له. وفي عهد السلطان العثماني سليمان القانوني امتد سور المدينة من خلفه وبنيت عليه بعض أبراج السور والقلعة. وضمن التنظيمات الحديثة للمنطقة المركزية المحيطة بالحرم اقتطعت مساحات من قاعدته وسفحه وبقي منه الجزء المرتفع ليدل على وجوده التاريخي.

* الجماوات:

* الجماوات ثلاثة جبال غير كبيرة تقع في الجهة الغربية من المدينة المنورة على امتداد قسم من وادي العقيق. وكلمة جماوات (جمع جماء ـ ومن معاني هذه الكلمة الشاة التي ليس لها قرون). ويروى أن هذه الجبال سميت بهذا الاسم لأن قسمها العلوي منبسط لا قمم له. وتتوالى هذه الجماوات من الغرب إلى الشرق مع ميل واضح نحو الشمال على النحو التالي: جماء العاقر ـ وتسمى أيضاً جماء العاقل ـ وهي أبعدها عن المدينة، وجماء أم خالد، وتقع شمال جماء العاقر، وجماء تضارع، وهي أقرب الجماوات إلى المدينة.

* جبل ذباب:

* جبل صغير أسود، يقع في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي، ويبعد عن سوره الحالي أقل من كيلو مترا واحدا، ولا يتجاوز ارتفاعه عشرين متراً.. ويروى أنه سمي بهذا الاسم نسبة إلى رجل من اليمن، قدم إلى المدينة وقتل بعض أهلها فقتل وصلب على بعض صخوره. وكانت الطريق الخارجة من ثنية الوداع الشامية تمر به فيراه الداخلون والخارجون، كما أن الخندق الذي حفره المسلمون في السنة الخامسة للهجرة يمر من قاعدته الغربية. وتذكر بعض الكتب التاريخية أنه ضربت قبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه، كما عقدت له فيه عقد راية لبعض الصحابة عنده، لذلك بني فوقه مسجد أثري صغير سمي مسجد الراية أو مسجد ذباب. وفي وقتنا الحاضر غطى العمران معظم الجبل، وأصبح المسجد الأثر المميز للجبل.

* جبل عير:

* يقع جبل عير في المنطقة الجنوبية الغربية من المدينة المنورة، ويبعد عن المسجد النبوي ثمانية أكيال، ومتوسط عرضه سبعون متراً، وارتفاعه عن سطح البحر حوالي 955 متراً. وهو جبل طويل يمتد من الشرق إلى الغرب، وسطحه مستو ليس له قمة لذلك سمي بجبل عير تشبيهاً له بظهر الحمار الممتد باستواء. يبلغ طوله ألفي متر تقريباً، وكما سبقت الإشارة يعد جبل عير الحد الجنوبي لحرم المدينة المنورة.

* حرّة واقم:

* هذه الحرّة تسمى أيضاً الحرّة الشرقية، وهي هضبة طويلة ممتدة شرق المدينة، فيها مجموعة تلال، وفيها أراضٍ منبسطة. ويروى أنها تحمل اسم واقم نسبة إلى شخص أو جماعة من العماليق نزلوا فيها. كما يروى أن التسمية قصد بها الدلالة اللغوية لكلمة واقم، وهي الحاجز. ففي القاموس «وقمت الرجل عن حاجته إذا رددته».

وتشكل حرّة واقم حاجزاً طبيعياً يحمي المدينة من شرقها، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل السير عليها، ولكنها لا تخلو من ممرات ضيقة وقابلة للحراسة. وعلى الجانب الغربي من حرّة واقم سكنت قبائل عدة قديماً للاستفادة من حمايتها الطبيعية ومن الأودية التي تنحدر منها. وتاريخياً يرتبط اسم هذه الحرّة بمعركة دامية وقعت عام 63 هـ عندما خلع معظم أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، فأرسل يزيد جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة بن رباح المرّي، وحفر الثائرون الخندق وتحصنوا خلفه. ونزل جيش مسلم بن عقبة في أدنى الحرّة حيث اعطى قائده الثائرين مهلة ثلاثة أيام للعودة إلى الطاعة ولهم الأمان. لكنهم بعدما رفضوا استطاعت مجموعة من فرسانه بقيادة مروان بن الحكم التسلل من إحدى ثغرات الحرّة مباغتة المرابطين خلف الخندق. وادى هذا الاختراق لانتصار جيش مسلم وارتكابه مجازر دامية في المدينة. وفي عام 654 للهجرة ثار بركان قوي من إحدى تلال هذه الحرّة، وطالت ثورته قرابة ثلاثة أشهر وازدادت المقذوفات البركانية في المنطقة. وفي العصر الحاضر زحف العمران إلى طرف حرّة واقم واستطاعت الآليات الحديثة أن تمهد قسماً واسعاً فيها انتشرت عليه أحياء سكنية جديدة.

* حرّة الوبرة:

* وتسمى أيضاً الحرّة الغربية لأنها تقع في الجهة الغربية من المدينة. وهذه الحرّة أقل وعورة من حرّة واقم، وتتخللها مساحات منبسطة صالحة للعمران، وتظهر فيها عدة تلال وقيعان تتجمع فيها مياه الأمطار. وهي تمتد من مسجد القبلتين شمالاً إلى محاذاة مسجد قباء جنوباً، وكانت تشكل حاجزاً طبيعياً يحمي المدينة من جهتها الغربية وجزء من جهتها الجنوبية. وكانت مزارع النخيل الكثيفة تغطي المساحات المنبسطة منها، وليس لها سوى منافذ قليلة أشهرها ثنية الوداع التي يخرج منها المسافرون إلى مكة. وفي العصر الحديث ايضاً استصلح قسم كبير من أراضيها وزحف العمران إليها.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال