السعودية تحتفي بيومها الوطني الـ83 بنمو مطرد فكريا واقتصاديا وخدماتيا

الذكرى تحل وسط مفهوم الأمن والأمان والعيش الكريم

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن
TT

تحتفي المملكة العربية السعودية، قيادة وشعبا هذا اليوم، بذكرى إعلان الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن توحيد بلاده، تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، واعتماده اسم «المملكة العربية السعودية»، في التاسع عشر من شهر جمادى الأولى من سنة 1351هـ (23 سبتمبر 1932) بعد أن وحدها في كيان واحد مترامي الأطراف في حجم قارة، وذلك بعد ملحمة توحيد استمرت 32 عاما، أرسى خلالها قواعدها وبنيانها، سائرا في ذلك على نهج أسلافه من آل سعود، لتنشأ في ذلك اليوم دولة فتية تزهو بتطبيق شرع الإسلام، وتصدح بتعاليمه السمحة وقيمه الإنسانية في كل أصقاع الدنيا ناشرة السلام والخير والدعوة المباركة باحثة عن العلم والتطور سائرة بخطى حثيثة نحو غد أفضل لشعبها وللأمة الإسلامية والعالم أجمع.

لذا تحلّ مناسبة اليوم الوطني والمملكة ترتقي سلم المجد نحو مزيد من العزّ والازدهار والنماء، لتتبوأ بين أمم الأرض أعلى المراتب، وتسهم في خدمة الإنسانية بقيادة رشيدة عاملة بجد وتفانٍ بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده والنائب الثاني.

يستعيد أبناء السعودية ذكرى توحيد بلادهم وهم يعيشون واقعا جديدا، خطط له خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو واقع حافل بدوره بالمشاريع الإصلاحية، بدءا بالتركيز على إصلاح التعليم والقضاء، مرورا بالإصلاح الاقتصادي، وصولا إلى بناء مجتمع متماسك، عماده الوحدة الوطنية.

وبالعودة إلى التاريخ، فقد ارتسمت على أرض السعودية مسيرة توحيد في ملحمة جهادية تمكن فيها الملك عبد العزيز من جمع قلوب أبناء وطنه وعقولهم على هدف واعد نبيل، قادهم في سباق مع الزمان والمكان في سعي لعمارة الأرض إلى إرساء قواعد وأسس راسخة لوطن الشموخ على هدى من كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمين صلى الله ‌عليه وسلم، فتحقق للملك عبد العزيز هدفه، فنشر العدل والأمن بتيسير الله وفضله، واستمر في العمل من أجل ذلك سنين عمره.

ويستذكر اليوم أبناء السعودية هذه الذكرى المشرقة باعتزاز وتقدير للملك عبد العزيز في شكر للنعمة والدعاء لمن عمل على تحققها في هذه البلاد مترامية الأطراف ولمواطنيها فكان الخير الكثير بوحدة أصيلة حققت الأمن والأمان بفضل من الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل جهاده وعمله الدؤوب.

ومثلما يستلهم السعوديون من ذكرى التوحيد همة وعزيمة لمواصلة العمل والعطاء للرقي وطنا وشعبا وأمة. يقف الباحثون والمؤرخون وقفة تأمل وإعجاب في تاريخ هذا الكيان الشامخ على البناء وتخطي العوائق والصعاب والتغلب على كل التحديات، بفضل من الله وتوفيقه أولا ثم بالإيمان القوي والوعي التام بوحدة الهدف وصدق التوجه في ظل تحكيم شرع الله والعدل في إنفاذ أحكامه لتشمل كل مناحي الحياة.

وكانت الدولة السعودية الأولى 1157هـ قامت بمناصرة الإمام محمد بن سعود دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الهادفة إلى العودة إلى الإسلام الصحيح وتصحيح المعتقدات مما شابها من الشبهات والجهل ولذلك قام بجهود كبيرة في مؤازرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتطلعاته إلى مجتمع تتمثل في جميع شؤون حياته سمات المجتمع المسلم الصحيحة.

وتعاهد الإمام والشيخ في ذلك العام على التعاون للعودة بالمجتمع‌ في جزيرة العرب إلى عقيدة الإسلام كما كانت عليه في صدر الإسلام، ووفقا لما جاء به رسول الأمة محمد عليه الصلاة والسلام، وسارا على هذه السبيل لتحقيق هذا الهدف الكبير، بعد ذلك تتابع جهاد آل سعود منطلقين من ذات المنطلق فلم تنطفئ جذوة الإيمان في قلوب الفئة المؤمنة بانتهاء حكم الدولة السعودية الأولى، بعد زهاء 46 عاما بسبب التدخل الأجنبي.

وفي عام 1240هـ قامت الدولة السعودية الثانية بقيادة الإمام المؤسس الثاني تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، الذي واصل ومن بعده أبناؤه، نهج أسلافهم نحو 68 عاما حتى انتهى حكم الدولة السعودية الثانية عام 1308هـ، نتيجة عوامل داخلية.

وبزغ فجر اليوم الخامس من شهر شوال من عام 1319هـ، إيذانا بعهد جديد حيث استعاد الموحّد الباني الملك عبد العزيز مدينة الرياض ملك آبائه وأجداده في صورة صادقة من ‌صور البطولة والشجاعة والإقدام، فوضع أولى لبنات هذا البنيان الكبير على أسس قوية هدفها تحكيم شرع الله والعمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‌، وواصل الملك الموحد جهاده لإعلاء كلمة الله ونشر عقيدة التوحيد الصافية والعودة بالأمة في هذه البلاد المباركة إلى دين الله عودة نصوحا على نهج قويم يحوطه الحزم وقوة الإرادة.

ولم يفت في عضد الملك عبد العزيز ورجاله المخلصين قلة العدد والعدة وانطلق من الرياض بذلك الإيمان الصادق في جهاده حتى جمع الله به الصفوف وأرسى دعائم الحق والعدل والأمن والأمان‌، فقد توحدت القلوب على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبالتالي توحدت أرجاء البلاد وأينعت تلك الجهود أمنا وأمانا واستقرارا، وتحول المجتمع من قبائل متناحرة إلى شعب متحد ومستقر يسير على هدي الكتاب والسنة.

وتفيأ المواطن في هذه البلاد الأمن والأمان، ومثله أحس بذلك الشعور الحاج والمعتمر وزائر مسجد الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأصبحت السبل إلى الحرمين الشريفين آمنة ميسرة «وهي الغاية التي كانت هاجس الملك عبد العزيز، الذي لا يفارقه بغية خدمة دين الله وخدمة المسلمين كافة».

ومثلما أرسى دعائم الحكم داخل بلاده على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، اعتمد الملك عبد العزيز النهج نفسه في علاقات بلاده وسياساتها الخارجية، لذا انطلاقا من هذا النهج وهذا التوجه الإسلامي القويم دعا إلى التعاون العربي والتضامن الإسلامي وأسهم إسهاما متميزا في تأسيس جامعة الدول العربية، واشترك في الأمم المتحدة عضوا مؤسسا، كما سجّل له التاريخ مواقف مشهودة في كثير من الأحداث العالمية والقضايا الإقليمية والدولية.

وفي مطلع الخمسينات الميلادية من القرن الماضي، رحل الملك عبد العزيز (رحمه الله) بعد أن أرسى منهجا قويما سار عليه أبناؤه من بعده لتكتمل أطر الأمن والسلام وفق المنهج والهدف نفسه المستمدين من شرع الله المطهر؛ كتاب الله وسنة رسوله، كان الملك سعود (رحمه الله) أول السائرين على ذلك المنهج والعاملين في إطاره حتى برزت ملامح التقدم واكتملت هياكل عدد من المؤسسات والأجهزة الأساسية في الدولة، وجاء من بعده رائد التضامن الإسلامي الملك فيصل، فتتابعت المنجزات الخيّرة وتوالت العطاءات وبدأت المملكة في عهده تنفيذ الخطط الخمسية الطموحة للتنمية.

وتدفقت ينابيع الخير عطاء وافرا بتسلم الملك خالد الأمانة، فتواصل البناء والنماء خدمة للوطن والمواطن بخاصة والإسلام والمسلمين بعامة واتصلت خطط التنمية ببعضها لتحقق المزيد من الرخاء والاستقرار، وازداد البناء الكبير عزا ورفعة وساد عهد جديد من الخير والعطاء والنماء والإنجاز بعد مبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، ملكا على البلاد.

وتميزت الإنجازات في عهد «الفهد» بالشمولية والتكامل لتشكل عملية تنمية شاملة في بناء وطن وقيادة حكيمة فذة لأمة جسّدت ما اتصف به الملك فهد من صفات كثيرة، من أبرزها تمسكه بكتاب الله وسنة رسوله وتفانيه في خدمة وطنه ومواطنيه وأمته الإسلامية والمجتمع الإنساني أجمع في كل شأن وفي كل بقعة داخل الوطن وخارجه إضافة إلى حرصه الدائم على سن الأنظمة وبناء دولة المؤسسات والمعلوماتية في شتى المجالات، مع توسع في التطبيقات قابلته أوامر ملكية سامية تتضمن حلولا تنموية فاعلة لمواجهة هذا التوسع.

ولم تقف معطيات الملك فهد عند ما تحقّق من منجزات شاملة، فقد واصل الليل بالنهار عملا دؤوبا يتلمس من خلاله كل ما يوفر المزيد من الخير والازدهار لهذا البلد وأبنائه فأصبحت ينابيع الخير في ازدياد يوما بعد يوم وتوالت العطاءات والمنجزات الخيّرة لهذه البلاد الكريمة.

وترك نبأ وفاته أثرا وحزنا عميقين في نفوس أبناء بلاده والمقيمين فيها والأمتين العربية والإسلامية بخاصة والعالم بعامة، لفقد قائد فذّ نذر نفسه لخدمة دينه وأمته ‌منذ اضطلاعه بمسؤولياته وعمل بإخلاص وتفان من أجل قضايا الأمة والعالم أجمع.

وفي يوم الاثنين 26/ 6/ 1426هـ الأول من أغسطس (آب) 2005 بايعت الأسرة المالكة السعودية، الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد ملكا على البلاد وفق المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، وبعد إتمام البيعة أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية اختيار الأمير سلطان بن عبد العزيز (رحمه الله) وليا للعهد، حسب المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم، حيث بايع المواطنون، يتقدمهم أصحاب السمو الملكي الأمراء ومفتي عام المملكة، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس مجلس الشورى والعلماء والمشايخ والوزراء وكبار قادة وضباط القوات المسلحة والأمن العام، الملك عبد الله والأمير سلطان بن عبد العزيز على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، بينما وجه خادم الحرمين الشريفين في الثالث من أغسطس 2005 كلمة للمواطنين والمواطنات قال فيها: «اقتضت إرادة الله عز وجل أن يختار إلى جواره أخي العزيز وصديق‌ عمري خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود تغمده الله ‌برحمته وأسكنه فسيح جناته، بعد حياة حافلة بالأعمال التي قضاها في طاعة الله وفي خدمة وطنه وفي الدفاع عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية. في هذه الساعة الحزينة نبتهل إلى الله عز وجل أن يجزي الراحل الكبير خير الجزاء عما قدمه لدينه ثم لوطنه وأمته، وأن يجعل كل ذلك في موازينه، وأن يمنّ علينا وعلى العرب والمسلمين بالصبر والأجر».

وأضاف: «إنني إذ أتولى المسؤولية بعد الراحل العزيز، وأشعر أن الحمل ثقيل وأن الأمانة عظيمة أستمد العون من الله عز وجل وأسأل الله سبحانه أن يمنحني القوة على مواصلة السير في النهج الذي سنه مؤسس المملكة العربية السعودية العظيم جلالة الملك عبد العزيز آل سعود طيب الله ثراه، واتبعه من بعده أبناؤه الكرام رحمهم الله، وأعاهد الله ثم أعاهدكم أن أتخذ القرآن دستورا والإسلام منهجا، وأن يكون شغلي الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة ثم أتوجه إليكم طالبا منكم أن تشدوا أزري وأن تعينوني على حمل الأمانة وأن لا تبخلوا علي بالنصح والدعاء».

كما أعرب خادم الحرمين الشريفين في أول جلسة لمجلس الوزراء يترأسها بعد مبايعته ملكا على البلاد، التي عقدت في الثالث من شهر رجب لعام 1426هـ بقصر اليمامة في مدينة الرياض ‌عن ألمه والشعب السعودي وأمة الإسلام لوفاة الملك فهد بن عبد العزيز الذي اختاره الله لينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، وتوجه إلى الله عز وجل أن يتغمد الراحل الكبير بواسع رحمته ومغفرته ويسكنه فسيح جناته، وقال الملك عبد الله: «لقد فقدنا والعالم بأسره قائدا فذا وزعيما نذر حياته لتحقيق الازدهار الشامل لبلاده والرخاء الدائم لشعبه وإحقاق الحق ونصرة وإعانة المظلوم والإسهام الفاعل الشجاع في توطيد السلام والأمن والاستقرار في أنحاء العالم».

وأكد أن بلاده «لن تحيد عن السير في النهج الذي سنه ‌جلالة الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن، وسار عليه من بعده أبناؤه الملوك البررة متمسكة بشرع الله الحنيف والسنة النبوية المطهرة، مدركة مسؤولياتها الجسام بوصفها مهبط الوحي ومنطلق الرسالة ومهد العروبة وأحد أبرز الدول المؤثرة على مختلف الصعد»، مشددا على أن توجهات وسياسات السعودية على الساحات العربية والإسلامية والدولية نهج متواصل مستمر، وقال: «نحن عازمون على مواصلة العمل الجاد الدؤوب من أجل خدمة الإسلام وتحقيق كل الخير لشعبنا النبيل ودعم القضايا العربية والإسلامية وترسيخ الأمن والسلم الدوليين والنمو الاقتصادي العالمي».

وعودة إلى المنجزات التي تحققت في عهد خادم الحرمين الشريفين، بمناسبة ذكرى توحيدها، فقد شهدت هذه البلاد في عهده المزيد من المنجزات التنموية العملاقة على امتداد الوطن في مختلف القطاعات التعليمية والصحية والنقل والمواصلات والصناعة والكهرباء والمياه والزراعة والاقتصاد، حيث أظهرت تقارير المتابعة للسنوات التي مضت من خطة التنمية الثامنة 1425 إلى 1430هـ إنجازات حققت المعدلات المستهدفة في الخطة. وفي بعض الحالات فاق النمو المعدلات المستهدفة.

وتجاوزت المملكة العربية السعودية في مجال التنمية السقف المعتمد لإنجاز الكثير من الأهداف التنموية التي حددها «إعلان الألفية» للأمم المتحدة عام 2000، كما أنها على طريق تحقيق عدد آخر منها قبل المواعيد المقترحة.

ومما يميز الرؤية السعودية في السعي نحو تحقيق الأهداف التنموية للألفية زخم الجهود المتميزة بالنجاح في الوصول إلى الأهداف المرسومة، قبل سقفها الزمني المقرر والنجاح بإدماج الأهداف التنموية للألفية، ضمن أهداف خطة التنمية الثامنة، وجعل الأهداف التنموية للألفية جزءا من الخطاب التنموي والسياسات المرحلية وبعيدة المدى للبلاد.

واعتُمد عدد من البرامج والمشاريع التنموية إضافة لما هو وارد في الخطة الخمسية الثامنة وفي ميزانية الدولة، وشملت هذه البرامج والمشاريع مشاريع المسجد الحرام والمشاعر المقدسة وتحسين البنية التحتية والرعاية الصحية الأولية والتعليم العام والعالي والفني والإسكان الشعبي ورفع رؤوس أموال صناديق التنمية، كما عزّزت احتياطيات الدولة، ودُعم صندوق الاستثمارات العامة، بينما يتواصل العمل حاليا في إنشاء مدن اقتصادية منها «مدينة الملك عبد الله الاقتصادية» في رابغ، و«مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية» في حائل، و«مدينة جازان الاقتصادية»، و«مدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة»، إلى جانب «مركز الملك عبد الله المالي بمدينة الرياض»، وإعلان مطار المدينة المنورة مطارا دوليا، وتوسعة مطار الملك عبد العزيز بجدة وإنشاء مطار المدينة الاقتصادية برابغ. وفي مجال التعليم العالي تضاعفت أعداد جامعات السعودية من ثماني جامعات إلى 25 جامعة، إلى جانب افتتاح كثير من الكليات والمعاهد التقنية والصحية وكليات تعليم البنات.

وتتابعت في عهد الملك عبد الله المنجزات التنموية على امتداد أنحاء الوطن في كل مناطقه، وتوالت القرارات التي اتخذها في سبل تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، ودعم المخصصات للقطاعات الخدمية، فضلا عن دوره الرائد في خدمة القضايا العربية والإسلامية، وإرساء دعائم العمل السياسي الخليجي والعربي والإسلامي والدولي، وصياغة تصوراته والتخطيط لمستقبله ، ودوره في تأسيس الحوار العالمي بين أتباع الديانات والثقافات والحضارات المعتبرة.

أما استتباب الأمن في البلاد فهو من الأمور التي أولاها خادم الحرمين الشريفين جلّ اهتمامه ورعايته منذ وقت طويل، وكان تركيزه الدائم على أن الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية من أهم المرتكزات التي يجب أن يقوم عليها البناء الأمني للمملكة العربية السعودية.

وصدر في عهده كثير من الأنظمة المهمة في بناء الدولة، منها نظام هيئة البيعة لتعزيز البعد المؤسسي في تداول الحكم، إضافة إلى مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم، ومشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير مرفق القضاء، بينما واصلت المجالس البلدية ممارسة مسؤولياتها المحلية، وزاد عدد مؤسسات المجتمع المدني في الإسهام بمدخلات القرارات ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية مع تشكيل هيئة حقوق الإنسان وإصدار تنظيم لها وتعيين أعضاء مجلسها، كما أُنشئت جمعية أهلية تسمى جمعية حماية المستهلك، وقام مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بدوره في نشر ثقافة الحوار في المجتمع وأسهم في تشكيل مفاهيم مشتركة بشأن النظرة إلى التحديات التي تواجه المجتمع وكيفية التعامل معها.

وحظي قطاع البحث العلمي بنصيب وافر من الدعم والمساندة في وقت تشهد فيه المملكة نهضة شاملة في مختلف المجالات، حيث تعد تقنية «النانو» فتحا علميا جديدا تنتظره البشرية بكثير من الترقب والآمال العريضة في استثمار هذه التقنية في كثير من المجالات العلمية والاقتصادية المهمة، التي تتصل اتصالا مباشرا بحياة الإنسان الذي تتعقد احتياجاته الحياتية وتتزايد بحكم التطور الحضاري الكبير الذي شمل مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية.

ولأهمية هذه التقنية والطفرة التي ستحققها للعالم خلال القرن الحادي والعشرين تبرع خادم الحرمين الشريفين في شهر ذي القعدة 1427هـ بمبلغ 36 مليون ريال من حسابه الخاص لتمويل استكمال التجهيزات الأساسية لمعامل متخصصة في مجال التقنية متناهية الصغر، المعروفة بتقنية «النانو»، في ثلاث جامعات؛ «جامعة الملك عبد العزيز» و«جامعة الملك سعود» و«جامعة الملك فهد للبترول والمعادن»، وبنصيب 12 مليون ريال لكل جامعة.

واستمرت مبادرات السعودية في الأعمال الإنسانية وحضورها داعما مساعدا للمنكوبين والمحتاجين، في إطار حرص الملك عبد الله على أن تكون بلاده دوما سبّاقة في مد يد العون لنجدة أشقائها في كل القارات في أوقات الكوارث التي تلم بهم.

وفي جانب آخر من الاهتمام بالإسلام والمسلمين، تواصل المملكة، بقيادة الملك عبد الله، عنايتها بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما بكل ما تستطيع؛ فأنفقت أكثر من 70 مليار ريال خلال السنوات الأخيرة فقط على المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة بما في ذلك توسعة الحرمين الشريفين، وتتضمن نزع‌ الملكيات وتطوير المناطق المحيطة بهما وتطوير شبكات الخدمات والأنفاق والطرق‌.

وفي المجال السياسي، حافظت السعودية على نهجها الذي انتهجته منذ عهد مؤسسها الراحل الملك عبد العزيز (رحمه الله) القائم على سياسة الاعتدال والاتزان والحكمة، وبعد النظر على الصعد كافة، ومنها الصعيد الخارجي الذي يهدف لخدمة الإسلام والمسلمين وقضاياهم ونصرتهم ومدّ يد العون والدعم لهم، في ظل نظرة متوازنة مع مقتضيات العصر وظروف المجتمع الدولي وأسس العلاقات الدولية المرعية المعمول بها بين دول العالم كافة، منطلقة من القاعدة الأساس التي أرساها المؤسس الباني، وهي العقيدة الإسلامية الصحيحة.

وفي ذلك قال الملك عبد الله بن عبد العزيز في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى في الثالث من ربيع الأول 1427هـ: «إن منهجنا الإسلامي يفرض علينا نشر العدل بين الناس لا نفرّق بين قوي وضعيف، وأن نعطي كل ذي حق حقه ولا نحتجب عن حاجة أحد؛ فالناس سواسية، فلا يكبر من يكبر إلا بعمله ولا يصغر من يصغر إلا بذنبه».

وما برحت السياسة الخارجية للسعودية تعبر بصدق ووضوح مقرونين بالشفافية عن نهج ثابت ملتزم تجاه قضايا الأمة العربية وشؤونها ومصالحها المشتركة ومشكلاتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية واستعادة المسجد الأقصى المبارك، والعمل من أجل تحقيق المصالح المشتركة، مع التمسك بميثاق الجامعة العربية وتثبيت دعائم التضامن العربي على أسس تكفل استمراره لخير الشعوب العربية، وقد جاءت زيارات خادم الحرمين الشريفين الكثيرة للدول العربية والإسلامية والصديقة لتشكل رافدا آخر من روافد اتزان السياسة الخارجية للمملكة، وحرصها على السلام والأمن الدوليين، ‌حيث قام (حفظه الله) بزيارة عدد من الدول الشقيقة، وأجرى محادثات مطولة مع القادة والمسؤولين في هذه الدول استهدفت وحدة الأمة العربية، إضافة إلى دعم علاقات المملكة مع الدول الصديقة وكانت زيارات ناجحة انعكست نتائجها بشكل إيجابي على مسيرة التضامن العربي والأمن والسلام الدوليين.

وتصدّرت قضايا الاقتصاد والتعاون التنموي مواضيع زياراته، ‌وفتحت آفاقا جديدة ورحبة من التعاون بين المملكة وتلك الدول‌، كما بحث الملك عبد الله بن عبد العزيز مع قادة ورؤساء الدول الشقيقة والصديقة، الذين زاروا المملكة العربية السعودية، القضايا والمشكلات الإقليمية والدولية للوصول إلى قرارات ونتائج فاعلة لما يشغل الرأي العام.

ولخادم الحرمين الشريفين أيادٍ بيضاء ومواقف عربية وإسلامية نبيلة تجاه القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث استمر على نهج والده الملك عبد العزيز (رحمه الله) في دعم القضية سياسيا وماديا ومعنويا، بالسعي الجاد والمتواصل لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وتبني قضية القدس ومناصرتها بكل الوسائل.

ويبرز في هذا السياق الموقف التاريخي للملك عبد الله بن عبد العزيز في مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية (قمة التضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة)، التي عقدت في الكويت في شهر يناير (كانون الثاني) 2009، حيث أعلن عن تجاوز مرحلة الخلافات بين العرب، وأسس لبداية مرحلة جديدة في مسيرة العمل العربي المشترك تقوم على قيم الوضوح والمصارحة والحرص على العمل الجماعي في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، وقال مخاطبا القادة والزعماء في تلك القمة: «اسمحوا لي أعلن باسمنا جميعا أننا تجاوزنا مرحلة الخلاف وفتحنا باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب دون استثناء أو تحفظ، وأننا سنواجه المستقبل بإذن الله نابذين خلافاتنا، صفا واحدا كالبنيان المرصوص، مستشهدين بقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، كما أعلن في ذات القمة عن تبرع المملكة العربية السعودية بمبلغ ألف مليون دولار لإعادة إعمار غزة، وشدد على أهمية وحدة الفلسطينيين في هذه المرحلة المهمة، وقال: «تقضي الأمانة هنا أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين أن فرقتهم أخطر على قضيتهم من عدوان إسرائيل، وأذكرهم بأن الله عزّ وجل ربط النصر بالوحدة وربط الهزيمة بالخلاف، مستذكرا معهم قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)».

ونبّه الملك عبد الله في ذلك اليوم الكيان الإسرائيلي إلى أن الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحا في كل وقت، وأن مبادرة السلام العربية المطروحة لن تبقى على الطاولة إلى الأبد، وقال محذرا: «إن على إسرائيل أن تدرك أن الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحا في كل وقت، وأن مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة إلى الأبد».

وفي هذا الإطار، قدم خادم الحرمين الشريفين عندما كان وليا للعهد، لمؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002، تصورا للتسوية الشاملة العادلة للقضية الفلسطينية من ثمانية مبادئ، عُرف باسم «مشروع الأمير عبد الله بن عبد العزيز للسلام»، وقد لاقت هذه ‌المقترحات قبولا عربيا ودوليا، وتبنتها تلك القمة، وأكدتها القمم العربية اللاحقة، خاصة قمة الرياض الأخيرة، وأضحت مبادرة سلام عربية، وكان قد اقترح في مناسبة سابقة، خلال المؤتمر العربي الذي عقد في القاهرة، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2000م، إنشاء صندوق يحمل اسم «انتفاضة القدس» برأسمال قدره 200 مليون دولار، ويخصص للإنفاق على أسر الشهداء الفلسطينيين، الذين سقطوا في الانتفاضة، وإنشاء صندوق آخر يحمل اسم صندوق الأقصى يخصص له 800 مليون دولار لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس، والحيلولة دون طمسها، وأعلن عن إسهام بلاده بربع المبلغ المخصص لهذين الصندوقين، وكان أيضا قد وجّه في يوليو (تموز) عام 2006م بتخصيص منحة قدرها 250 مليون دولار للشعب الفلسطيني، لتكون بدورها نواة لصندوق عربي دولي لإعمار فلسطين.

وعندما حدث خلاف بين الفلسطينيين، سارع خادم الحرمين الشريفين بتوجيه الدعوة «لأشقائه» قادة الشعب الفلسطيني لعقد لقاء في رحاب بيت الله الحرام بمكة المكرمة، لبحث أمور الخلاف بينهم بكل حيادية، ودون تدخل من أي طرف، والوصول إلى حلول عاجلة لما يجري على الساحة الفلسطينية، واستجاب القادة الفلسطينيون لهذه الدعوة، وعقد كل من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، ورئيس الوزراء الفلسطيني (آنذاك) إسماعيل هنية، اجتماعات في قصر الضيافة في مكة المكرمة، بحضور عدد من المسؤولين في حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين، وتوجت تلك الاجتماعات باتفاق مكة الذي أُعلن بحضور خادم الحرمين الشريفين في قصر الصفا بجوار بيت الله الحرام، في العشرين من شهر محرم 1428هـ.

وفيما يتعلق بلبنان عندما حدث الاعتداء الإسرائيلي السافر على بيروت وعلى الجنوب اللبناني في شهر يوليو من عام 2006، أدانت المملكة بشدة تلك العمليات العسكرية، وحذرت المجتمع الدولي من خطورة الوضع في المنطقة وانزلاقه نحو أجواء حرب ودائرة عنف جديدة من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة في ظل التراخي الدولي في التعاطي مع السياسات الإسرائيلية، ودعت المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته الشرعية والإنسانية لإيقاف العدوان الإسرائيلي السافر، وحماية الشعب اللبناني الشقيق وبنيته التحتية، ودعم جهود الحكومة اللبنانية الشرعية للحفاظ على لبنان وصون سيادته وبسط سلطته على كامل ترابه الوطني.

وبادرت السعودية بتوجيهات من الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى الاتصال بالمجتمع الدولي، وسعت من خلال علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول العالم الأخرى، ومن خلال الأمم المتحدة، إلى رفع ما وقع على لبنان، وتوصّل إلى وقف الغارات الإسرائيلية البشعة على العاصمة اللبنانية، والهجوم البري على الجنوب اللبناني.

ولم تكتفِ السعودية بالتحرك السياسي، بل شعرت بالمأساة الإنسانية التي خلفها العدوان الإسرائيلي على لبنان، ومن هذا المنطلق وجه خادم الحرمين الشريفين الدعوة لحملة تبرعات شعبية، كما وجه بإيداع وديعة بـ«ألف مليون دولار» في المصرف اللبناني المركزي، دعما للاقتصاد اللبناني.

واستجابة لنداء رئيس وزراء لبنان (حينها) فؤاد السنيورة، وجّه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، بتحويل مبلغ 50 مليون دولار بشكل فوري، ليكون تحت تصرف رئيس الوزراء لصرفه على الاحتياجات الإغاثية العاجلة، وتوفير الخدمات اللازمة للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون جراء الاعتداء الإسرائيلي الذي مسّ الشعب اللبناني بأسره، وعرّض الأبرياء لأسوأ الظروف الإنسانية، كما وجّه بتخصيص منحة قدرها 500 مليون دولار للشعب اللبناني لتكون نواة صندوق عربي دولي لإعمار لبنان.

وفي مؤتمر «باريس 3»، الذي عقد في شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2007، قدمت السعودية للبنان مساعدات بلغت مليار دولار لدعم مشاريع التنمية في لبنان، من خلال الصندوق السعودي للتنمية بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، إضافة إلى تقديم منحة بمبلغ 100 مليون دولار للحكومة اللبنانية لدعم الميزانية العامة لديها.

وفيما يتعلق بالعراق، فقد أكدت المملكة الحاجة الماسة إلى التعاون الدولي، من أجل أن يعود العراق إلى الساحة العربية والدولية دولة ذات سيادة كاملة تنعم بالأمن والاستقرار.

وضاعفت الدبلوماسية السعودية جهودها على الساحتين الإقليمية والدولية، لما تمر به المنطقة من أزمات وصراعات، وذلك عقب انتهاج الحوار والتشاور وتغليب صوت العقل والحكمة في سبيل درء التهديدات والأخطار، والحيلولة دون تفاقمها، والعمل على تهدئة الأوضاع، وتجنب الصراعات المدمرة وحل المشكلات بالوسائل السلمية، وذلك وفقا لما تفرضه تعاليم الدين الحنيف ويمليه ضمير السعودية وقيادتها وشعورها بالمسؤولية.

واضطلعت السعودية خلال هذه الفترة الحرجة بمسؤوليتها، خاصة أنها كانت استضافت القمة الاستثنائية التي عقدت في مكة المكرمة، وتسلمت رئاسة قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي عقدت في الرياض، ورئاسة الدورة الحالية للقمة العربية التي عقدت في الرياض كذلك، وأضحى من واجبها، وهي تحرص على إصلاح أحوال العرب والمسلمين، وجمع كلمتهم، أن تبادر قبل غيرها إلى صياغة دور فاعل خليجيا وعربيا وإسلاميا، لكي تتمكن من تفعيل أسس التعاون في سبيل الحفاظ على هوية الأمة العربية والإسلامية والدفاع عن قضاياها وصيانة مصالحها، والتصدي لأخطار الفتنة والانقسام والصراع التي تهدد كيانها، ويأتي في مقدمتها تصاعد الفتنة بين المذاهب الإسلامية، وإشعال فتيل النزاع الطائفي في أماكن مختلفة من عالمنا الإسلامي، وخاصة ما يحدث في العراق ولبنان.

كذلك استشعارا من السعودية لأهمية مكانتها ودورها في العالم الإسلامي والعربي، فقد حرصت دوما على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية الأخرى، ووقفت دوما على مسافة واحدة من جميع المذاهب والفرق والطوائف التي تتشكل منها مجتمعات الدول الأخرى، وكانت دوما داعية إلى الحوار والتفاهم والمصالحة ورأب الصدع ولمّ الشمل في أي منطقة تظهر فيها بذور الفتنة والانقسام»، ففي الثاني من شهر مايو (أيار) من عام 2007، تم في الرياض التوقيع على اتفاق ثنائي لتطوير وتعزيز العلاقات بين جمهورية السودان وجمهورية تشاد برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث وقع كل من الرئيس السوداني عمر حسن البشير، ونظيره التشادي إدريس ديبي أتنو على الاتفاق الثنائي، لتطوير وتعزيز العلاقات بين بلديهما.

وفي الإطار نفسه، عُقدت في جدة في الـ16 سبتمبر (أيلول) 2007، برعاية خادم الحرمين الشريفين، الجلسة الختامية لمؤتمر المصالحة الوطنية الصومالية التي شارك فيها الرئيس الصومالي (حينها) عبد الله يوسف أحمد، ورئيس البرلمان آدم محمد نور، ورئيس الوزراء علي محمد جيدي، ورئيس لجنة المصالحة الوطنية علي مهدي محمد، ومشايخ القبائل وممثلو الفصائل وكبار الشخصيات الصومالية.

وقال خادم الحرمين الشريفين، في كلمة ألقاها خلال الجلسة: «إن الوصول إلى الاتفاق خطوة أولى، ولا بد أن يعقبها التزام كامل ببنوده وأحكامه، وعمل جاد لوضعها موضع التنفيذ، وإنني متفائل بأنكم قادرون بعون الله على أن تجعلوا الاتفاق فجرا لعهد جديد يحمل الأمن والازدهار لأبناء الصومال الشقيق ويعزز السلام والمودة بين الصومال وجيرانه».

ويبرهن خادم الحرمين الشريفين في هذه المصالحة وفي غيرها من المصالحات على أنه رجل السلام الأول، كما يبرهن على مدى حرصه على لمّ شمل هذه الأمة، وتجنيبها ويلات الفتن والخلافات والصراعات الجانبية.

كما أن للمملكة إسهاماتها الواضحة والملموسة في الساحة الدولية عبر الدفاع عن مبادئ الأمن والسلام والعدل وصيانة حقوق الإنسان ونبذ العنف والتمييز العنصري وعملها الدؤوب لمكافحة الإرهاب والجريمة، طبقا لما جاء به الدين الإسلامي الحنيف الذي اتخذت منه السعودية منهجا في سياساتها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى جهودها في تعزيز دور المنظمات العالمية، والدعوة إلى تحقيق التعاون الدولي في سبيل النهوض بالمجتمعات النامية ومساعدتها على الحصول على متطلباتها الأساسية لتحقيق نمائها واستقرارها.

ففي مجال الحوار بين أتباع الأديان والثقافات أثمرت جهود خادم الحرمين الشريفين ودعوته في أكثر من مناسبة تعزيز الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة، وضرورة تعميق المعرفة بالآخر وبتاريخه وقيمه، وتأسيس علاقات على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع الثقافي والحضاري بانعقاد المؤتمر العالمي للحوار في العاصمة الإسبانية مدريد، في شهر يوليو (تموز) عام 2008، ليؤسس بذلك منتدى عالميا للحوار بدأت ملامحه تتشكل، من خلال تأسيس لجنة المتابعة لحوار أتباع الأديان، عقدت أول اجتماع لها في العاصمة النمساوية فيينا في شهر يوليو الماضي، لمتابعة سبل تنفيذ مبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات التي أطلقها في افتتاح المؤتمر العالمي للحوار.

وفي ظل معاناة كثير من الدول من الإرهاب، ومنها السعودية والمزاعم التي ترددها وسائل الإعلام الغربية أن الإسلام دين عنف وإرهاب. في محاولة لإلصاق الإرهاب بالإسلام، فقد دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى عقد المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، وذلك في مدينة الرياض، وعقد المؤتمر في الخامس من شهر فبراير (شباط) 2005، برعاية خادم الحرمين الشريفين بمشاركة أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية وأجنبية، إلى جانب عدد من المنظمات الدولية والإقليمية والعربية، ودعا في كلمة افتتح بها المؤتمر إلى إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب، وقال: «أملي كبير في أن هذا المؤتمر سوف يبدأ صفحة جديدة من التعاون الدولي الفعال لإنشاء مجتمع دولي خالٍ من الإرهاب، وفي هذا الجانب أدعو جميع الدول إلى إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب يكون العاملون فيه من المتخصصين في هذا المجال، والهدف من ذلك تبادل وتمرير المعلومات بشكل فوري يتفق مع سرعة الأحداث وتجنبها إن شاء الله قبل وقوعها».