قصر الريسوني.. تحفة بنيت بفدية أميرة إنجليزية اختطفها قرصان مغربي

جمال بنائه وبهاء عمرانه ونقوشه تذكر بالفن العربي الإسلامي الأصيل

ينتظم الزليج هنا كقطع هندسية ملونة بأشكال لا حصر لها،تزين جدرانه الداخلية وأرضياته
TT

تتحول زيارة «قصر الثقافة» بأصيلة المغربية إلى متعة مضاعفة، حيث تتيه العين في محاولة القبض على تفاصيل الجمال الذي تتوزعه البناية. وعرف «قصر الثقافة»، الذي يزين حاضر المدينة، عبر أحداث التاريخ وعند الساكنة، بـ «قصر الريسوني»، نسبة إلى أحمد الريسوني، المتحدر من أصول ريفية، والذي تنقل كتب التاريخ أنه بسط نفوذه على أصيلة والمناطق المجاورة، مع بدايات القرن الماضي.

ولعل من الحكايات المثيرة بخصوص الريسوني هناك من يزعم أنه كان متخصصاً ومعروفاً باختطافه للأجانب، الذين كان يطلب منهم فدية مقابل إطلاق سراحهم، لاحقاً. وفي هذا السياق، يقال إنه كان من بين ضحاياه صحافيون بريطانيون وأميركيون.

وتختلف الآراء ووجهات النظر بصدد شخصية الريسوني المليئة بالألغاز، هل كان مجاهدًا أم قرصاناً.

وتبدو علاقة «قصر الثقافة» بالمهنة التي عرف بها الريسوني ضرورية، أولاً، من جهة أن اختيار تشييد البناية عام 1905، جعله مطلاً على زرقة وظلام الأطلسي، بمحاذاة الأسوار البرتغالية، كما يتردد كثيراً، ثانياً، ان تمويل بنائه كان نتيجة فدية قدمت لفك أسر أميرة إنجليزية كان اختطفها القرصان المغربي.

ويبدو أن الذي يختطف أميرة إنجليزية ليبني بمقابل إطلاق سراحها تحفة فنية لا يمكن أن يسمى خاطفاً من دون إضافات ترتبط بلقبه واسمه، تجعل منه شخصية استثنائية، فيما تجعلنا، بعد قرن من الزمان، نرسم له صورة رومانسية وبورتريها له من ألوان الرقي الفني نصيب وافر، خصوصاً وأن الجانب الملغز لشخصية الريسوني يذهب حد القول بأن الأميرة الإنجليزية قد أغرمت به. ولا شك أنه لو عرف أحفاد تلك الأميرة الانجليزية، اليوم، بأن ثمن إطلاق سراح جدتهم من أسر القرصان المغربي قد خلف وراءه معلمة وتحفة فنية على مستوى المعمار، لكانوا جعلوا من القصر مزاراً دائماً لعائلتهم، أو، ربما، طالبوا باسترداد البناية ما دامت بنيت بأموال دفعها أجدادهم لتحرير أميرتهم الجميلة.

ويذكر المؤرخون أن الريسوني كان جلب أمهر الصناع التقليديين في مختلف تخصصات الصنعة التقليدية، كالنقش على الخشب والجبس وصناعة الزليج الأندلسي لبناء قصره، الذي انتهى لوحة فنية معمارية جميلة تثير إعجاب الناظرين.

ويتميز «قصر الثقافة» بالأسقف الرائعة والأعمدة الرخامية، كما يشكل الفناء، الذي يتوسطه محوراً مركزياً للبناية، حيث تنفتح على فضاء مريح، يتحول، في نفس الآن، إلى مصدر إضاءة بالنسبة لباقي مرافق البناية، بحيث يلعب دور المتنفس للمكان، مع استخدامه لاستقبال العديد من الأنشطة الثقافية. وينفتح الفناء على صالات مزينة بالزليج الذي يتناسق مع سقف مزين بخشب منقوش وفق تقاليد الصنعة والمعمار التقليدي المغربي الأندلسي، والذي يجعلنا، دون كبير عناء، نتذكر قصور الأندلس ودور الضيافة، التي ما زالت تزين مدنا مغربية عديدة كمراكش وفاس والرباط. ويبدو الجانب الزخرفي للقصر، والذي يعد من أبرز سمات فن المعمار المغربي، هو الأكثر جمالاً، بحيث ينعكس عبر شكل الأبواب والشرفات المنفتحة على الفناء، وكذا زليجه (فسيفساؤه) وطريقة نقشه، تطبيقاً مرهفاً ونقلاً باذخاً للذاكرة الحضارية للبلد. وينتظم الزليج، في قصر الريسوني، كقطع هندسية ملونة بأشكال لا حصر لها، تزين جدرانه الداخلية وأرضياته، في تناسق مع الجبس والخشب المنقوش.

ورغم أن القصر، صار معداً لاستقبال شتى التظاهرات الفنية والثقافية، فقد تمت المحافظة له على دفء الأثاث وجمالية الديكور التي تجعله عامراً كما كل القصور والبنايات الباذخة، من خلال صالونات مؤثثة وفق تقاليد التأثيث المغربي، وفي تناسق تام مع الإطار المعماري للبناية، حتى أن الحدود بين الأغطية وزليج الحيطان تصير معدومة في بعض لحظات المشاهدة، خصوصا وأن الحرص على التناسق في التأثيث للصالونات وسائر بيوت القصر مع شكل الجبس والزليج الذي يزين البناية يبدو واضحاً بشكل كبير. كما تكتمل دائرة المتعة وجمالية التنسيق في الديكور، من خلال الطابق العلوي حيث الصالة الكبرى التي تنفتح على زرقة المحيط اللامتناهية. أما موائد الأكل فتتراص بشكل يلائم فخامة البناية بفخامة الجلوس على كراس تفتح شهية الأكل والحديث، مع الحرص على وضع ورود طرية تلائم طبيعة الجلسة، عبر ألوانها وتناسقها. وربما، يكون هذا الحرص على التناسق، هو ما يجعل زائر القصر يقف منبهراً بجمال بنائه وبهاء عمرانه ورونق نقوشه التي تذكر بالفن العربي الإسلامي الأصيل.

أما الأرضيات فتركت في الغالب عارية إلا من جمالية وألوان زليجها، مع بعض الزرابي (السجاد) الصغيرة التي تظل وفية للإطار العام للبناية.

ورغبة في إعطاء القصر دوره كاملاً، في حاضر المدينة الغارق في فعله الثقافي وجداريات مواسمه، فقد تم توسيعه ليتضمن أجنحة ينزل بها بعض الضيوف، في تناسق فني يرافق شكل ومضمون البناية. وقبل ولوج البناية، يقرأ الزائر في لوحة رخامية تزين الباب الرئيسي، أن «قصر الثقافة»، قد أعيد افتتاحه بتاريخ 7 أغسطس 1998، بعد أن أعيد ترميمه وتوسيع مرافقه، بأريحية من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود، ليكون ملتقى للثقافات العربية والإسلامية مع ثقافات الشعوب والحضارات الأخرى، ومنبراً للرأي الحر والحوار الخلاق ومقراً يستضيف رجال الفكر والعلم والإبداع، وذلك إسهاماً من «مؤسسة منتدى أصيلة» في تعزيز قواعد التعارف والتبادل والتسامح.