الجمعـة 08 شـوال 1423 هـ 13 ديسمبر 2002 العدد 8781
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

الذائقة الجماهيرية للغناء العربي من عبده الحامولي.. إلى يوري مرقدي

هجوم كاسح من الفنانين العرب على الاغنية الخليجية * لماذا ترفض أصالة وميادة الحناوي الغناء باللهجة السورية؟ * من المسؤول: الفضائيات.. أم تجار الكاسيت.. أم العولمة؟ عبد الله بالخير يتسابق على الشاشة في فريق الصبايا

دمشق: جان الكسان
* نال محمد عبده لقب فنان العرب بجدارة ورفض الغناء إلا بلهجة بلده * عبد الله الرويشد يرطن باللهجة اللبنانية في «ميوزيكانا».

* بدا المطرب الكبير عبد الله الرويشد ضائعا عن قامته الغنائية السامقة وهو «يرطن» باللهجة اللبنانية اثناء ادائه اغنية «مش حرام عليك» في برنامج «ميوزيكانا» على محطة الـ m.b.c، وهو يقول لحبيبه فيها: «محاكيك ما بتسمع.. بتروح ما بترجع».. وعلى الرغم من ان كلمات الاغنية، وهي من نوع «اللغو اللبناني الدارج» تعاتب الحبيب القاسي الغائب، فقد اضطر الرويشد ليؤديها وهو يضحك، ولا نعرف ان كان يضحك على نفسه او على الجمهور.

وقبله بأيام شارك المطرب عبد الله بالخير في برنامج منوعات تبثه الـ L. B. C، اللبنانية بعنوان «يا ليل يا عين» وكانت مشاركته نوعا من الحركات التهريجية التي لا تليق بمطرب مثله، حتى انه لم يجد اي غضاضة في ان يشارك في مسابقة البرنامج في فريق «الصبايا» ويردد الاغاني اللبنانية والازجال الهابطة التي وصل مستواها الى الدعوة لشرب الخمرة من خلال هذا المطلع:

حبيني شوية شوية عالموضة اللبنانية فنجان قهوة عابكرا وكاس زغيرة عشية وقد ادى اغانيه في البرنامج محاطا بشلة من الصبايا اللواتي يقدمن الرقصات المثيرة التي لا تخاطب الا الغرائز.

* من أجل حفنة من الدولارات * هاتان الحادثتان جئنا على ذكرهما على سبيل المثال لا الحصر، ففي كل يوم تتكرر مثل هذه المشاهد التي تستضيف نجوم الغناء والتمثيل لقاء «جعالة» هي حفنة من الدولارات، وتبدأ عمليات التنازل باسم التعاون بين الفنانين العرب، ومن هنا كان تسابق جميع المطربين للغناء باللهجة المصرية، ثم باللهجة الخليجية طمعا في تحقيق الشهرة والكسب المادي حتى لو جاء الاداء بهاتين اللهجتين بعيدا عن الاتقان والاصالة والنطق السليم.. وهذه ظاهرة بدأت بالتفاقم لدرجة ان اصالة وميادة الحناوي، افضل مطربتين في سورية ترفضان باصرار الغناء باللهجة السورية، وبالمقابل فهناك مطربون يرفضون الغناء الا بلهجة بلدهم التي يجيدونها، وتألقوا بها على ساح الغناء، ويأتي في مقدمتهم محمد عبده، ومع ذلك فقد نال لقب «فنان العرب» بجدارة.. ومثله فعل الفنان الكبير الراحل طلال المداح.

واذا كانت بداية القرن العشرين قد شهدت انبعاث الاغنية الشرقية ـ العربية بصورة خاصة ـ بعد مرحلة التتريك الطويلة التي فرضها الحكم العثماني، وذلك مع مجموعة الرواد امثال سيد درويش وعبده الحامولي، وابو العلا محمد وسلامة حجازي وداود حسني وغيرهم، فإن مرحلة الاربعينات هي التي كانت بداية حقبة التجديد في الموسيقى العربية والغناء العربي.

واستطاعت الاغنية العربية في اطارها الاقليمي، ان تستقطب مقومات الصيغة اللحنية الجديدة وتستأثر بالمناخات الشرقية الزاخرة بالاصالة، واصبح لهذه الاغنية حضور باد في مصر اولا، ثم في لبنان والعراق وسورية بعد ذلك. كان في مصر عمالقة التأليف والتلحين والغناء من الفنانين المصريين ومن الفنانين العرب الذين شدتهم اضواء القاهرة واستقطبتهم من سورية ولبنان بشكل خاص. ولم تتوقف عملية التطوير التي بدأت مع مطلع القرن العشرين، حيث ايقظ الملحنون الحس الفني العربي من سباته وسدوره في احضان الالحان البدائية التي كانت مزيجا من تأثيرات موسيقى الفرس والاتراك واليونانيين والهنود، ليصحوا على موسيقى مستمدة من صميم التجويد العربي الاصيل، والمقامات الشرقية السليمة.

كان هناك محمد عبد الوهاب وأم كلثوم واسمهان وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ (في بداياته) ومحمد فوزي وليلى مراد وسعاد محمد ووردة ونجاح سلام ونور الهدى وصباح وشادية وفايزة احمد، وكان هناك احمد ناجي واحمد رامي ومرسي جميل عزيز وبيرم التونسي وغيرهم.. وكان هناك رياض السنباطي ومحمد القصبجي وزكريا احمد وسيد مكاوي وغيرهم. وتعرفت الاذن العربية على التوزيع الموسيقي المرافق للاغنية، وكانت مرحلة رفع «التخت» الى مرحلة الاوركسترا بعد ادخال الطبل الكبير والترومبيت والماندولين وغيرها.

ثم كانت مرحلة الاناشيد الوطنية التي مهدت لاستقلال الدول العربية ولما بعده، وبدأ نشاط جديد ومتطور في لبنان مع فيلمون وهبي ونجيب اللبابيدي وعمر الزعنّي وسامي الصيداوي وحليم الرومي.. ثم ظهر الرحابنة الذين كسروا التطريبية التقليدية الطويلة وقدموا مع فيروز اغنية جديدة شكلت هواء جديدا للذائقة العربية لم تسلم رئة عربية من انفاسه، حيث عمل الرحابنة على التراث الفولكلوري والتراث الحضاري.

وفي جميع هذه المراحل، كانت هناك اغان متميزة، واغان ضعيفة، ولكن لم يكن هناك ما يمكن ان نسميه الاغاني الهابطة، باستثناء ما كان يؤلف ويلحن ويغنى لبعض رواد الدرجة الثالثة في علب الليل.

من المسؤول؟

اليوم.. وصلنا الى درجة يمكن ان نطرح معها هذا السؤال: من المسؤول عن تدني مستوى الاغنية العربية الحديثة؟

ـ هل هي الفضائيات التي تروج لها في برامجها؟

ـ هل هي شركات انتاج الكاسيت والـ C. D واشرطة الفيديو؟

ـ هل هو تقاعس اتحاد اذاعات الدول العربية عن القيام بواجباته؟

ـ هل هي محطات البث الخاصة، الفضائية والارضية؟

ـ هل هي العولمة التي بدأت عملية الغزو الثقافي والفني؟

ـ هل هي بعض المعاهد الفنية التجارية التي تخرج لنا مطربين بالجملة من دون تأهيل كاف؟

ـ هل هم الفنانون الذين صرعوا بالصرعات الحديثة وحاولوا تقليدها؟

ـ أم هذه الاسباب مجتمعة؟

لقد لاحظنا تباين الآراء حتى في تعريف اغنية اليوم، هل هي اغنية الحداثة والتطوير؟ ام اغنية الايقاع السريع؟ ام الاغنية الشبابية؟ ام الاغنية التي افرزها «الفلتان» المسيطر على ميادين الفن والاعلام؟

لقد اصبح عدد المطربين العرب اليوم بالآلاف، وتتفاقم الظاهرة يوما بعد آخر لدرجة اصبحوا معها يطلقون على الطرب «مهنة من لا مهنة له».

سنعترف بهبوط المستوى العام للفن في مجتمعنا الاستهلاكي، فالمطربة تغني بخصرها، والمستمع لاه عما تقول إما باستعراض سرب الصبايا الراقصات حولها وقد كشفن اكثر مما سترن من اجسادهن، او مشغول بالطعام الذي يلتهمه وهو يأكل ويشرب ويخاطب جلساءه ويتحدث في الموبايل.

هذا هو الواقع مع الاسف، والا فماذا نسمي هذا الذي يرجمنا به يوري مرقدي وامثاله وهو يتاجر بالعروبة ليقول انه يحب امرأة عربية (امرأتي انا عربية وام ابيها عربية).

ولو كان الامر يقتصر على هذا المطرب لهان الامر، ولكننا نفاجأ كل يوم بـ«يوري» جديد يخرج علينا بصرعة لا علاقة لها بالفن، وكل هؤلاء دمى في ايدي تجار كاسيت الصوت والصورة، يستغلون طموحاتهم ماديا، ويعمدون الى طرق متعددة وملتوية في تسويق اعمالهم حيث يجدون قبولا لدى الفضائيات التي تتزاحم وتتنافس على تقديم «الوجوه الشابة الجديدة» حيث تلعب الوساطات والعلاقات الشخصية والشللية دورها في مجال التسويق والانتشار. ولم يعد غريبا ـ بعد هذا ـ ان يصور المطربون اغانيهم في الملاهي، وان تصور المطربات اغنياتهن على الاسرة في غرف النوم وان يقدمن اعلانات الصابون والمساحيق والطناجر، وان يعمل الجميع في الملاهي الليلية حيث ينشغل عنهم الحضور بالحوارات الجانبية، ليعلن كل منهم انه سيطرح قريبا «البومه» الجديد، كما يعلن فخره بأنه الاول في كمية النقوط الذي يرميه فوق رأسه سهارى آخر الليل.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال