الجمعـة 28 رمضـان 1422 هـ 14 ديسمبر 2001 العدد 8417
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

«الأرواح المهاجرة» .. هل تصبح الأعمال المقتبسة بديلا للمسلسلات المدبلجة؟

دمشق: جان الكسان
ظاهرة جديدة اصبحت تتفاقم مؤخرا في الدراما السورية، حيث يقوم بعض الكتاب باقتباس عمل ادبي شهير لكبار الكتاب العالميين من خلال عملية تعريب مفتعلة وتحويل المناخ الاوروبي الى مناخ عربي على الرغم من الاختلاف الكبير بين المناخين، ويظهر العمل على الشاشة من تأليف وسيناريو «فلان» من دون اية اشارة الى الكاتب الاصلي، او الاسم الاصلي للرواية التي تم عنها الاقتباس، وهذه مخالفة قانونية في احكام قانون حماية الملكية الادبية الذي صدر اخيرا في سورية. وفي مثل هذه الاعمال اتكاء غير معلن من هؤلاء الكتاب على شهرة ونصوص كتاب عالميين، ومحاولة للهروب من التأليف المحلي الى الاقتباس، كما فعل من قبل جماعة الفانتازيا عندما هربوا اليها من التاريخ بحجة تحاشي الرقابة.

* الأرواح المهاجرة

* ما اثار هذا الموضوع هو بث مسلسل سوري من انتاج «الشام الدولية للانتاج التلفزيوني والسينمائي» بعنوان «الأرواح المهاجرة» من اخراج المخرج التونسي شوقي الماجري.. وقبل هذا المسلسل قدمت الشاشة السورية عدة أعمال مقتبسة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ مسلسل «ليل المسافرين» المأخوذ عن رواية «البؤساء» من اخراج ايمن زيدان.

ـ مسلسل «جواد الليل» المأخوذ عن رواية «احدب نوتردام» اخراج باسل الخطيب.

ـ «نساء صغيرات» عن رواية شهيرة بالاسم نفسه من اخراج باسل الخطيب.

والغريب في الامر ان عناوين هذه المسلسلات التي تظهر على الشاشة لا تشير من قريب او بعيد الى الاصل الذي تم الاقتباس منه. تماما كما حدث في المسلسل الذي نقدمه كمثال، وهو «الأرواح المهاجرة» المأخوذ عن رواية ايزابيل الليندي الشهيرة «بيت الأرواح»، وقد كتب على الكراس الذي يلخص العمل: «مسلسل اجتماعي تاريخي حديث، تأليف وسيناريو قمر الزمان علوش ـ اخراج شوقي الماجري ـ انتاج 2001».

ثم يقول ملخص العمل وهو يناقض التعريف الاول: «بانوراما تاريخية لمصير عائلة ارستقراطية عاشت في منطقتنا العربية بين 1900 ـ 1950.. تلك الفترة الغنية بالاحداث الشيقة، والانقلابات الاجتماعية والسياسية، من رحيل السلطنة العثمانية وقدوم الفرنسيين، ثم رحيلهم، الى مرحلة الانقلابات العسكرية المثيرة نهاية اربعينات القرن الماضي، مرورا بالحربين العالميتين الاولى والثانية، وانعكاس تلك الاحداث على مصير هذه العائلة».

وواضح لدى قارئ رواية «بيت الأرواح» لايزابيل الليندي الانقلاب الذي احدثه السيناريست الذي ادعى ان العمل من تأليفه، في الاحداث والاشخاص بحيث لم تعد للعمل الجديد صلة بالرواية الاصل على الرغم من ان اقتباس نماذج الشخوص وتعريبها غير مقنع ونذكر مثلا دور الفتاة القروية ياسمين (اماني الحكيم)، الفتاة (الجريئة) التي تهرب من ذويها، وتقتحم ـ بدون سابق معرفة ـ قصر مهران بك الاشهب «عباس النوري» للخروج من بؤسها وفقرها، وذلك بصورة فيهاالكثير من حركات الاغراء، وتفرض نفسها عليه، وتعيش في قصره بدون ان يمسها رغم كل محاولاتها المغرية، وعندما تيأس منه تغادر القصر الى المدينة لتفتتح فيها ملهى ليليا هو واحد من علب الليل، تديره بنفسها، وتصبح في ما بعد ملاذ البيك الذي يأتيها الى الملهى ويقضي معها اياما في المدينة ليبثها لواعجه وهمومه.

والمعروف ان مثل هذا النموذج، وبالطريقة التي قدمها المسلسل يمكن ان يوجد في المجتمع الغربي، لكنه ليس موجود في المجتمع العربي لا سيما في مطلع القرن العشرين.. وقد ذكرنا هذا النموذج كمثال عن مشاهد كثيرة غريبة عن المجتمع العربي تضمنها المسلسل بصورة غير مقنعة فبدت كأنها حشرت حشرا.

* لماذا الاقتباس والتعريب؟

* والمعروف ان عملية الاقتباس من الروايات الغربية والافلام الغربية بدأت في مصر منذ بداية القرن العشرين، في المسرح اولا، ثم في السينما.. وبعد ذلك وصل الامر الى التلفزيون، حتى ان نصف ما كان يقدمه المسرح او السينما كان إما عن الاعمال الادبية الغربية او من الاعمال الفنية الغربية، المسرحيات والافلام. وكان هناك دائما حوار حول هذه العملية ذو اتجاهين:

1 ـ الاتجاه الاول يقوم بتقديم الاعمال الغربية نفسها بالاحداث والاسماء، لكن باللغة العربية وباخراج محلي، وهذا النوع من المثاقفة المقبولة في مجال الاطلاع على آداب وفنون الامم والشعوب الاخرى.

2 ـ الاتجاه الثاني، يقوم بتعريب الاعمال الغربية والاجنبية الاخرى ليس بطريقة الترجمة فقط، بل باستبدال الاماكن والاحداث والاسماء والمواقع، وكانت العملية تسمى في مصر «تمصيرا» وفي بلاد الشام «تشويما».. وعلى الرغم من اهمية تلك الاعمال العالمية التي يتم تمصيرها او تشويمها، ألا انها كانت تبدو غريبة، او هجينة بالنسبة للمتلقي العربي. وفي السنوات الاخيرة ظهر اتجاه ثالث وهو «الدبلجة» بحيث تقدم الاعمال الاجنبية بأحداثها وشخوصها واماكنها واسماء ابطالها، ولكن باللغة العربية الفصحى.. وقد لقي هذا النوع من الاعمال اقبالا جماهيريا واسعا على الرغم من ان عدد حلقات كل مسلسل تصل الى العشرات.

اما عملية الاقتباس التي تقدم بها الاعمال الفنية فهي الاكثر خطورة اذ ان المقتبس، وهو في اكثر الاحيان كاتب السيناريو يتصرف بالنص على مزاجه، فيستوحي منه ما يشاء من مواقف وافكار ومشاهد.. وقد يشوهه.. او يقلبه رأسا على عقب.. او يستوحي منه عملا جديدا لا علاقة مشتركة بينه وبين العمل الاول سوى اقتباس الفكرة. ونحن نعلم ان الروايات العالمية الشهيرة دخلت تاريخ الادب واصبحت لها مكانة مرموقة ومتميزة في مجال الادب العالمي، وليس من حق احد ان يشوهها بالاقتباس العشوائي، مستغلا عدم وجود من يمكن ان يحاسبه او يقاضيه على هذا العمل، خاصة اذا كان منشورة من مائة او مائتي عام.

وعندما تسأل احد هؤلاء الكتاب عن اقدامه على مثل هذا النوع من الاقتباس، يتذرع بعدم توفر نصوص عربية او محلية مناسبة، بدون ان يكلف نفسه الاتصال بالكتاب وبحث امر التعاون معه.. ونذكر على سبيل المثال ان في اتحاد الكتاب العرب بسورية اكثر من مائة وخمسين قاصا وروائيا يصدرون كل عام حوالى مائة كتاب في القصة والرواية، لم تقم الجهات الانتاجية بأية محاولة لاستكتابهم او التعاون معهم.. بل ان المخرجين لا يكلفون انفسهم قراءة ما يصدر من قصص وروايات محلية وعربية لاختيار المناسب منها وتحويله الى اعمال درامية بدل هذا النوع من الاقتباس بطريقة الاتكاء على شهرة الغير.. او السطو على تركة الغير بدون رادع شخصي او قانوني.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال