الجمعـة 27 ذو القعـدة 1423 هـ 31 يناير 2003 العدد 8830
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

المخرج الكردي الحائز جائزة كاميرا «كان» الذهبية: لم يعد الشباب يحلمون أن يصبحوا أطباء بل مخرجي أفلام

لندن: علي المندلاوي
سينما كردية، سينمائيون اكراد، مهرجان فيلم كردي، مفردات بدت قبل سنوات قليلة نوعا من فنتازيا الخيال العلمي، فأين للكرد وهم ممنوعون عن الكلام بلغتهم، والتصريح بكرديتهم من صناعة السينما؟! كسر يلماز غونيه القاعدة عندما ادار خلال الثمانينات من القرن الماضي دفة اخراج فيلمه «يول» من السجن.

حاز غونيه بذلك الفيلم جائزة مهرجان «كان» السينمائي، ومن خلاله عرف العالم الكثير عن القمع الذي يتعرض له شعب يزيد تعداده على 12 مليون نسمة في تركيا وحدها.

الطريق الذي عبده غونيه سلكه من بعده جيل شاب من السينمائيين الموزعين في ارجاء كردستان (تركيا ـ ايران ـ العراق ـ سورية)، وعلى المنافي الاوروبية والاميركية.

وفي خريف عام 2000 حقق مخرج كردي شاب من كردستان ايران فيلمه الروائي الاول، وعندما شارك به في مهرجان «كان» حقق الاختراق الثاني بفوزه بجائزة الكاميرا الذهبية. وكان هذا المخرج بهمن قوبادي.

«كان» وفي دورتها لهذا العام دعت قوبادي للمشاركة في مهرجانها بشريطه الثاني «تقطعت به السبل في العراق» وليكون عضوا في لجنة التحكيم.

شارك قوبادي بـ«تقطعت به السبل في العراق» في الكثير من المهرجانات الدولية كمهرجان ساو باولو، ومهرجان شيكاغو الذي اعاد جائزته الكبرى احتجاجا على تلكؤ الحكومة الاميركية في منحه تأشيرة الدخول لحضور المهرجان.

حضر قوبادي الى العاصمة البريطانية اخيرا للمشاركة في مهرجانها السينمائي، ويشارك زملاءه من السينمائيين الكرد مهرجانهم الثاني الذي صادفت ايامه ايام مهرجان لندن.

زار قوبادي خلال ايام المهرجانين مكتب «الشرق الأوسط» حيث جرى هذا اللقاء:

* هل لك ان تدلنا على الباب السحري الذي دلف منه بهمن قوبادي الى السينما؟

ـ قد يكون الجواب هو الحظ! لكن هناك مؤثرات مهمة في حياتي دفعتني الى عالم السينما لعل اهمها شخصية والدي العجيبة.

كان والدي شرطيا، وكانت له شخصية غير عادية، اذ لم يكن مثل الآباء الآخرين، لذا كان شكل تربيتي مع هذا الاب مختلفا جدا. وكذلك المأساة الكردية، وولعي بقاموس الحياة الكردية التي تشكل خامة سينمائية فعالة وملىئة بالتفاصيل السينمائية، كما ان الصعوبات والآلام، وحالة التشرد التي عشتها خلال الحرب العراقية ـ الايرانية كانت عاملا اخر في دفعي الى السينما.

* وكيف كانت بداياتك الاولى مع السينما؟

ـ كانت عائلتي تسكن مدينة «بانة» في كردستان ايران، وعندما بلغت السابعة عشرة من عمري رحلنا الى مدينة «سنندج»، وكنت وقتها طالبا، واثناء دراستي وجدت عند احد الاصدقاء مجموعة من الكتب عن السينما.

طلبت تلك الكتب من صديقي، وقرأتها بنهم، ثم حصلت على كاميرا 8 مم، ومع والدتي صورت فيلما، كما اتجهت الى التصوير الفوتوغرافي.

وعندما بلغت الواحدة والعشرين قررت ان التحق باحدى الجامعات في طهران لدراسة السينما. بيد اني لم اتعلم فيها شيئاً وكل الذي تعلمته كان من عملي الدؤوب في اخراج الافلام القصيرة التي بلغ عددها 36 فيلما.

* وماذا عن موضوعات تلك الافلام، واين موقعها من الانتاج السينمائي الايراني؟

ـ موضوعاتها كانت محصورة بطفولتي وذكرياتي مع عائلتي، وايضا موضوعات اكثر عمومية تدور في غالبها حول حياة المرأة الكردية، والشعب الكردي. تكفي الاشارة الى فيلم «الحياة قديما» الذي كسر الرقم القياسي في عدد الجوائز التي حصل عليها اي فيلم ايراني آخر، اذ حاز سبع عشرة جائزة عالمية!

* وكيف بدأت التفكير والاعداد لفيلمك الروائي الاول «زمن الجياد الثملة»؟

ـ دعني اقول لك بأني اتجول كثيرا في كردستان، واثناء تجوالي اصور كل شيء: المقاهي، الجوامع، الأرض، الناس، كما اني اتحدث كثيرا مع كل من التقيه.

عدت الى مدينة طفولتي «بانة» لاستعيد ذكريات التشرد فيها. وزرت القرى والارياف المحيطة بها، فوجدت الحياة لا تزال قاسية، فكتبت مجموعة كبيرة من السيناريوهات التي تستحضر تلك المواجع، ووقع اختياري اخيرا على «زمن الجياد الثملة».

* كيف كان صدى نجاح «زمن الجياد الثملة» على مواطنيك من الاكراد؟

ـ ايجابي جدا، اذ نشأت حيوية كبيرة لانتاج الافلام السينمائية في كردستان ايران، فالانسان الكردي يتمتع بجرأة عالية ولديه روحية اقتحام تدفعه للتوغل في التجارب الجديدة.

استطيع ان اصف الحالة بالانقلاب، فلم يعد الشباب يفكرون ويخططون ليصبحوا اطباء. الكل يريدون ان يصبحوا مخرجي افلام، ويوجد في كردستان حاليا ما يقارب المائتي مخرج وربما اكثر ينجزون سنويا بين 50 إلى 60 فيلما قصيرا، وارى بأن الاعوام المقبلة ستشهد ولادة 20 قوباديا جديدا.

كانت الايدي في كردستان ايران تشتاق البندقية في السابق، لكن الصورة تبدلت، فالايدي بدأت تتناقل الكاميرات. الكاميرات اصبحت اعظم سلاح ثقافي في عصرنا.

* وماذا عن النقد السينمائي في كردستان ايران، وفي ايران عموما؟

ـ ليس هناك نقاد سينما على صعيد الصحافة الكردية، والذين يكتبون ليسوا محترفين بالتأكيد، ومع هذا هناك واحد او اثنان فقط يكتبان في هذا المجال، اما على الصعيد الاوسع ـ ايران ـ فإن هناك نقادا على درجة عالية من المصداقية، وهم يتحدثون بشكل جيد عن افلامي، وهم بالاضافة الى الجمهور الواسع يترقبون ويرحبون بأي انتاج جديد لي.

ورغم ان افلامي ناطقة بالكردية، الا ان كثيرا من الناس في عموم ايران يذهبون لمشاهدتها، واستطيع ان اقول باني خلقت جمهوري الذي يترقب افلامي.

* وما هو طموح قوبادي؟

ـ من الاهمية بمكان وجود معهد سينمائي في كردستان ايران، آمل في تأسيس مثل هذا المعهد، لكن المشكلة ان وقتي لا يتسع الآن لغير عملي في السينما.

اريد ان اركز على اخراج افلامي الى النور، ويمكن للشباب ان يتعلموا هذا الفن من خلال التطبيق العملي، وهذه فرصة ثمينة اتيحها لهم، ففي وقتي لم يكن هناك «قوبادي» اتعلم منه، اشركت 22 شابا في فيلمي الجديد، والامر متروك لهم للاستفادة والتعلم من هذه التجربة، لكن بالنتيجة ارى بأن من سيبدع من هذا الكم اثنين او ثلاثة.. لا اكثر. ففي بلاد مثل بريطانيا يوجد خمسة الى ستة آلاف مخرج، لكن المبدعين منهم لا يتجاوزون اصابع اليد الواحدة.

* حصدت افلامك جوائز كثيرة، كما رأينا، ومنها الجائزة الكبرى لمهرجان شيكاغو التي سمعنا بأنك اعدتها، كيف تقيّم هذه المهرجانات وجوائزها، ولماذا رفضت الجائزة الاميركية؟

ـ لا شك ان في الجوائز جوانب ايجابية، والأهم في كل هذه الجوانب الاعلان للفيلم، فكلما حاز الفيلم جوائز اكبر وأهم كثر الاعلان عنه، وزادت مصداقيته الفنية، وبالتالي كبر اهتمام الناس به وكثر مشاهدوه. وفي ما يخص جائزة مهرجان شيكاغو، فإن رفضي للجائزة هو رفض للعنجهية والغرور الاميركي وممارساتها غير الديمقراطية. عندما الح الاميركان في طلب فيلمي لبيت دعوتهم للمشاركة، لكن عندما ادعى من قبل ادارة المهرجان ويرفض طلبي بالدخول الى بلادهم، فإني لا اقيم وزنا لهذه البلاد، ولا لجائزتها، وباعتقادي فإن اميركا تثبت بهذا بأنها اكثر تخلفا من البلدان التي تنعت بالتخلف. لست عاشقا لاميركا، انا عاشق لبلادي وكتبت اليهم انصحهم باعطاء الجائزة لرؤسائهم عسى ان يتوقفوا عن ايذاء مشاعر المخرجين من عالمنا، ويعرفوا كيف يعاملوننا كبشر!

* ما هو تقييمك لمهرجان لندن السينمائي، وكذلك مهرجان الفيلم الكردي اللذين تحضرهما؟

ـ مهرجان لندن تجاري، ولا اعتقد باني سأشارك في دوراته المقبلة.

احترم مهرجان ادنبره وأرى انه افضل بكثير من مهرجان لندن، لانهم في ادنبره يقيمون الفيلم فنيا، ويحترمون الابداع وعلى هذا الاساس يجيء التقييم الحقيقي.

اما بالنسبة للمهرجان الكردي، فينبغي ان ننظر اليه بمقياس مختلف، فالافلام المتوفرة قليلة بالتأكيد والصالة صغيرة والجمهور يقتصر تقريبا على جاليتنا الكردية. لكنه بالقياس الى المهرجانات الكردية السابقة جيد، وكذلك كان مهرجان برلين للفيلم الكردي. اقترح ان يصار الى اقامة المهرجان كل سنتين لكي نعرض انتاجا سينمائيا افضل، ولكي يتمكن المخرجون من ادامة المهرجان وامداده بافلام اكثر وافضل. وربما يكون من الافضل لو يصار الى توحيد كل هذه المهرجانات في مهرجان واحد يتنقل بين العواصم العالمية، فمرة يكون في لندن واخرى في برلين وثالثة في عاصمة اخرى وهكذا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال