الجمعـة 16 ذو الحجـة 1425 هـ 28 يناير 2005 العدد 9558
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

زوجة فائق عبد الجليل تكشف لأول مرة لـ «الشرق الأوسط» حقائق عن أشهر أسير كويتي:

ضابط كويتي التقى بشخصية عراقية في دمشق يقول إنه تحدث مع فائق في «السجن»

حوار : عبد الله مخارش
كشفت زوجة الشاعر فائق عبد الجليل سلمى أحمد العبدي، اشهر أسير كويتي منذ غزو النظام العراقي للكويت عام 1990، عن حقائق لم تتحدث عنها من قبل. حيث قالت إن زوجها بعث برسالة شفهية مع شخص عراقي مجهول الهوية قبل الحرب الأخيرة على العراق بفترة قليلة.

واكدت زوجة فائق عبد الجليل والتي خرجت عن صمتها لاول مرة في حديث مطول لـ «الشرق الأوسط» منذ اسر زوجها في عام1990م، حيث قالت: «تلقيت اتصالا دوليا من مجهول يدعي أنه يمتلك معلومات خطيرة عن فائق عبد الجليل، وكان ذلك قبل الحرب الأخيرة على العراق بفترة بسيطة، ويريد مقابلة أحد أفراد عائلته بهذا الخصوص، حقيقة لم اعر الموضوع أي اهتمام بحكم اني تلقيت العشرات مثل تلك المكالمات التي تحمل نفس المحتوى وتكون في نهاية المطاف متاجرة بتلك القضية وتلاعب بالعاطفة لاهداف مادية بحتة، لكن هذا الشخص بقي يتصل بي محاولا إقناعي بما يملك من معلومات فقمت بالاتصال بالعقيد فيصل مساعد الجزاف من وزارة الداخلية الكويتية الذي التقى بالشخص المجهول بعد أن حدد موعدا معه في دمشق، حيث رافقه الأخ عبد العزيز الرشيد وكان ذلك في اواخر ديسمبر 2002م. وتحدث الشخص المرسل من العراق عن زوجي فائق عبد الجليل وكيف شاهده وتحدث معه في أكتوبر 2002م أي قبل شهرين من لقائه مع العقيد فيصل الجزاف».

وتروي زوجة عبد الجليل اثناء لقائنا معها في مدينة جدة ـ غرب السعودية ـ تفاصيل هذه القصة حيث تقول «بدأ الرجل العراقي يحكي للعقيد الجزاف كيف التقى بفائق عبد الجليل، حيث كان يقول ان له صديقا مقربا يعمل ضابط برتبه رائد في جهاز الأمن الخاص التابع لقصي صدام حسين حدثني ذات يوم طالبا مني مساعدته في أمر مهم وسري للغاية وممكن ان يخسر حياته لو افتضح أمره، وهذا الضابط واحدا من المكلفين بحماية ومتابعة شؤون ماتبقى من الأسرى الكويتيين، حيث قال هذا الضابط للمرسل » هناك شخص من ضمن هؤلاء الأسرى أتعاطف معه بشكل غير معتاد لدرجة أني فكرت أن أطلب انتقال من مكان عملي هذا لكي لا أخسر حياتي بسبب تعاطفي لكني لا استطيع ذلك لاني سوف أكون محل شك، فهذا الشخص ـ ويقصد هنا فائق عبد الجليل ـ دائما يحدثني عن أهله في الكويت ويريد أن يعرف مصيرهم وإبلاغهم أو ابلاغ الحكومة الكويتيه أنه مازال على قيد الحياة ومعه مجموعة صغيرة من الكويتيين».

وتمضي أم فارس قائلة، جاء اختيار هذا الشخص العراقي من قبل الضابط لعلاقة هذا الشخص مع تجار الماشية وهم ما يسمون «بالأهواز» بين الحدود العراقية الايرانيه وهم يبيعون الماشية للكويتيين بشكل مباشر، وطلب هذا الضابط من هذا الشخص توصيل رسالة فائق عبد الجليل للتجار الإيرانيين لكي يبلغوا من يشتري منهم الماشية في الكويت بتلك الرسالة لتوصيلها قبل حدوث الحرب التي باتت وشيكة وقال له الضابط سوف أخذك له لتراه لكي يطمئن هو بأنك الرسول الذي سوف يبلغ الرسالة للكويت وتتحدث معه لدقائق معدودة وبالفعل أخذه الى السجن الموجود في جنوب العراق، حيث قال الضابط للمرسل ان سبب اختيارهم لهذا السجن لان العاصمة بغداد وضواحيها تخضع منذ فترة لتفتيش مستمر من قبل فرق الأمم المتحدة التي تبحث عن أسلحة الدمار الشامل فأتينا بهم الى هنا الى ان يستقر الوضع ويهدأ، وبالفعل دخل الرسول الى السجن الذي كان على مقربة من منزل علي حسن المجيد في الجنوب في منطقة «البرجسية» وهي منطقة تقع ما بين مدينة البصرة ومدينة الزبير حيث كان علي مجيد يتردد على هذا السجن بشكل أسبوعي ـ حسب ما يرويه المرسل للعقيد الجزاف ـ وقال له الضابط التزم الصمت الى ان يمر هذا الطابور من المساجين الذين يرتدون زيا موحدا وسوف يستوقف الشخص الذي كان من ضمن الطابور (ويقصد هنا فائق عبد الجليل) وسوف يبلغك هذا الشخص ما يريد أن توصله لاهله لدقائق معدودة، وبالفعل توقف شخص طويل القامة نحيل ومنهك الجسد متعب صحيا حليق الراس وكانت رسالته (الرجاء ابلاغ حكومتي واهلي وأخص اخي جاسم باني مازلت على قيد الحياة ومعي مجموعة من الكويتيين.. وكان فائق يتمنى أن يعرف مصير عائلته مازالوا على قيد الحياة ام لا) وكرر هذا السؤال اكثر من مرة وقبله على خذه قبل ان يلتحق بطابور المساجين. وتضيف ام فارس قائلة» ذهب المرسول للتفاهم مع التجار الإيرانيين في «منطقة الأهواز» لإرسال الرسالة الى الكويت لكنهم رفضوا معتبرين ان هذه امور سياسية لا يودون الدخول بها لانها سوف تسحبهم الى تحقيقات ومتاهات مع السلطات الكويتية للتحقق من صحة المعلومة ـ حسب وصفهم ـ فعاد الى مدينة البصرة وعلم من احد الأصدقاء بان هناك قرص «سي دي» يحتوي على جميع ارقام الهواتف في مدينة الكويت وقد تم جلب السي دي عن طريق الاردن الى البصرة والشخص الذي بحوزته السي دي يخرج الرقم المطلوب بمقابل مادي كل ما هو عليك ذكر اسم الشخص الذي تود الحصول على رقمه في الكويت وبالفعل حصل على ارقام عائلتنا.

وعن كيفية التأكد بشكل قاطع من مصداقية هذا الرسول، قالت ام فارس «خلال هذا اللقاء المطول الذي وثقه العقيد الجزاف صوت وصورة مع هذا الشخص اتصل بي العقيد اثناء ذلك وطلب مني توجيه أي سؤال خاص لا يعرفه الا زوجي للتأكد من مصداقية هذا الشخص الذي عرض امكانية توجيه أي سؤال لفائق وسوف يأتي بالإجابة في غصون أسبوعين أو ثلاثه أسابيع على ان يتم اللقاء في دمشق وبالفعل أعطيت العقيد سؤالا خاصا اذا تم توجيه هذا السؤال لفائق سوف يعرف فائق أن الرسول وصل الى اقرب المقربين له، وإجابة هذا السؤال لا يعرفه سوى فائق وانا واحد أقربائنا الذي كان موجودا معي أثناء اتصال العقيد الجزاف، وبعد مرور شهر اتصل الرسول بالعقيد الجزاف من مدينة البصرة عن طريق ربط الاتصال من الاردن واخبره انه يعتذر عن المجيء الى دمشق حسب الموعد المتفق عليه لان هناك قرارا صدر بعدم سفر العراقيين خارج العراق وهذا منع صارم بسبب قرب اندلاع الحرب ولا تقبل الكفالات المالية للسماح بالسفر لكني احمل الإجابة ـ والحديث للرسول ـ لسؤالك وكانت الإجابة صحيحة مائة في المائة.

ومع ان الجواب الصحيح أثبت وجود فائق عبد الجليل على قيد الحياة طيلة 13عاما الا ان هذا الجواب قلب حياة أسرة فائق عبد الجليل بين فرحتهم لتأكدهم التام انه لازال على قيد الحياة وبين خوفهم لوجوده في سجون نظام صدام حسين وعدم معرفة مصيره خاصة وان الحرب كانت لم يبق عليها سوى أيام. تقول ام فارس» أندلعت الحرب ودخلت القوات الأميركية والبريطانية الى العراق وكانوا على علم عن طريق العقيد فيصل الجزاف عن موقع السجن وبالفعل وجدوا كل ماذكره المرسول لكن لم يكن احد في المكان،وبعد أربعة أيام من سقوط بغداد اتصل ذلك المرسول من العراق على الجزاف فاخبره العقيد بأنهم ذهبوا لذلك المكان الذي وصفه لهم لكنهم لم يجدوا فيه احد، فقال ان صديقة الرائد العراقي جاء الى منزله قبل الحرب بأربعة أيام وقال بأن هناك أمرا من صدام حسين بترحيل الأسرى الكويتيين فورا باتجاه مدينة بغداد وهو سيكون احد المرافقين معهم لكنه لا يعرف أكثر من ذلك شيئا وهذا الترحيل سيتم خلال ساعات تحت إشراف اللواء مهدي مدير عام أمن البصرة، ومن ذلك الحين اختفى الضابط بعد الحرب حيث حاول المرسول الاستفسار عنه لكن جميع أفراد عائلة الضابط هجروا البيت خوفا من انتقام احد أفراد الشعب العراقي بحكم ان ابنهم يعمل برتبة ضابط في جهاز الأمن الخاص بقصي صدام حسين». مضيفة «لا يزال الرسول يتصل بي وبالعقيد فيصل الجزاف بين فترة وأخرى لانه مازال يبحث عن صديقة الضابط الذي اختفى منذ مرافقته لترحيل الأسرى الكويتيين قبل الحرب بأربعة أيام الى هذه اللحظة من دون أي أثر له لمعرفة مصير ما تبقى من الأسرى أو على الأقل مكان دفنهم اذا تم اعدامهم بعد ذلك».

«فائق ساكن بي وسيبقى كذلك الى آخر يوم في عمري» تلك هي عبارة زوجة فائق عبد الجليل قالتها بصوت خانق معتبرة أن زوجها اصبح رمزا لقضية دولة وهي قضية الأسرى، وتطالب الحكومة العراقية الجديدة بتطبيق أقصى العقوبات على كل فرد كان له دور وراء اعتقال أو إعدام الأسرى الكويتيين في العراق وتقول «إن صدام حسين أجرم ليس بحق الكويت فقط بل بحق الإنسانية جمعاء». العودة الى الماضي، وبالتحديد عام 1990م بعد الغزو العراقي كانت رحلة خروج العائلات من الكويت صعبة ومريرة، حديثنا عن خروجك من الكويت ولماذا بقي فائق عبد الجليل في وطنه؟

عندما قررت الخروج من الكويت أنا وابنتي الصغرى نوف وكان عمرها آنداك اربع سنوات كان فائق متأثرا لرغبتي في الخروج من الكويت حيث كان لا يود على الإطلاق خروجي من الكويت لكني لم استطع ذلك بسبب ابنتي نوف التي كانت تصاب بالرعب عند سماعها صوت إطلاق الرصاص إضافة الى وجود بقية ابنائي خارج الكويت حيث كانوا يقضون إجازتهم ولا اعلم عنهم شيئا. ليلة خروجنا من الكويت اذكرها بأدق تفاصيلها كأنها امس، حيث خرجنا برفقة فائق لإيصالي الى الحدود الكويتيه السعودية رحلنا من المنزل الساعة الثالثة فجرا وكانت احدى ليالي الشتاء الباردة تجنبا للزحام الذي كان يسببه الناس الهاربون من الكويت باتجاه السعودية خوفا من الحرب المرتقبة واثناء التوجه نحو الحدود السعودية طلب مني فائق أن امسك القلم واكتب اثناء ماكان هو يقود السيارة واذ به يملي علي قصيدة كنت اكتبها وانا ابكي واذكر أن بدايتها كانت «عند الحدود» وكانت تتحدث عني وعن ابنتنا نوف وعن وداعنا في الحدود رغم أننا الروح التي تسكن به.. وفي الطريق صادفنا نقطة تفتيش لكنها كانت خاوية من الجنود العراقيين وكذلك هناك نقطة تفتيش أخرى خاوية ايضا، النقطة الثالثة والأخيرة والتي تعقبها السعودية خرج لنا منها جنود مسلحون حاصرونا وأمرونا بالنزول من السيارة ورفع الأيادي ووجه الضابط كلاما قاسيا لفائق واتهمه بقتل الجنود الذين هم في نقاط التفتيش التي هي قبلهم لانهم لم يتلقوا بلاغا بان هناك احدا مقبلا من تلك النقاط، فأمر الضابط بحبسنا أنا وابنتي نوف وكان معنا احد الأصدقاء وبالفعل دخلنا السجن وعلى ان ينظر في امرنا من ان الجنود لم يقم بقتلهم فائق وبالفعل تم التأكد من ان الجنود لم يقتلهم فائق حيث اكتشف الضابط ان الجنود كانوا نائمين لحظة مرورنا على نقاط التفتيش وتم إطلاق سراحنا بعد قضاء ليلة كاملة في السجن وبعد تفتيش السيارات بالكامل واخذ كل ما نملك من مال وأشياء ثمنيؤ بحجج واهية. وبعد ما حصل توسلت لفائق بأن يترك الكويت ويأتي معي وقلت له حرفيا «اذا كانت روحك رخيصة لديك.. فكر في أولادك الخمسة»، ووعدني بأن يتبعني الى الرياض بعد ثلاثة أيام لان هناك أمورا يريد ان ينهيها في الكويت، وبقيت بانتظاره أنا وابنتي نوف في مدينة الرياض أسبوعا لكنه لم يأت ولم اسمع صوته منذ تلك اللحظة. لم أفهم عدم وفائه بوعده لي الا عندما وجدت رسالته في منزلنا بعد انتهاء حرب تحرير الكويت حيث كانت الرسالة على طاولة الطعام في المطبخ بجانب كوب شاي بارد وقلم جف حبره، أنا فخورة به وفخورة باختياره البقاء والصمود في الكويت.

* هل حاول أصدقاؤه من خارج الكويت إقناعه بالخروج من الكويت؟

ـ في أول أيام الغزو العراقي اتصل به صديقه المقرب عيسى بن سلطان الجابر من لندن محاولا نصحه بمغادرة الكويت لخطر الظروف وخطر وجوده في الكويت كونه ايضا شخص معروف وكنت اقف قريبة منه واستمع لما يقوله عن عدم خروجه من الكويت. حيث قال لعيسى «لدي ثلاث أشياء أن فقدتها لا أستطيع تعويضها.. وطني.. وقليل من الكتب.. وكثير من الذكريات..» فأيقنت هنا أن خروجه من الكويت أشبه بالمستحيل.

* كيف التقيت بأبنائك اللذين كانوا خارج الكويت لقضاء الإجازة.. وماذا كان دورهم منذ تحرير الكويت ؟

ـ بعد أن فقدت الأمل بخروج فائق من الكويت التقيت مع جميع ابنائي في الإمارات حيث أقمت خلال فترة الاحتلال العراقي بعد أن قام مشكورا الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان بتوفير جميع سبل الراحة لي ولابنائي الصغار بعد ان علم بوجودنا عن طريق الأخ العزيز عيسى الجابر، وكان حمدان بن زايد حريصا على السؤال عنا قبل وبعد تحرير الكويت. ولا أنسى ان هناك إنسانا له دور في حياتنا منذ الغزو العراقي على الكويت منذ هذه اللحظة وهو الأمير خالد بن فهد بن عبد العزيز هذا الانسان أعجز ويعجز ابنائي عن شكره للسؤال الدائم عنا وعن أحوالنا حيث يهتم بأدق التفاصيل من دون كلل او ملل لولا هذا الرجل لما كانت أمور كثيرة في حياتنا. أما بالنسبة لابنائي فقد ساهموا بشكل او باخر في توصيل قضية الأسرى الكويتيين للعالم فابنتي سارة تشرفت بمرافقة صاحب السمو الأمير الشيخ جابر الاحمد الصباح حفظه الله في رحلة الى عدة دول منها تركيا وإيطاليا وروسيا والصين، وقد قامت بقراءة رسالة على جميع هذه الدول تطالب بالمساعدة للإفراج عن أسرى الكويت لدى العراق، كذلك ابنتي الكبرى غادة كانت من اوائل من تطوعوا للعمل في اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين، وأيضا ابنتي رجاء ذهبت ضمن وفد طلابي الى جنيف حيث مقر منظمة الصليب الأحمر وسلمتهم رسالة تشرح فيها معاناتها بسبب فقدان والدها، وكذلك ابني فارس كان من ضمن أول فريق يدخل العراق للبحث عن الأسرى هناك وكان برئاسة العقيد فيصل الجزاف وذلك بعد سقوط بغداد بأيام معدودة ومكث ما يقارب شهرين من دون جدوى في العثور على والده حيا او ميتا وأمور كثيرة أسهمنا بها كأسرة صغيرة فقدت رب أسرتها محاولة إطلاق سراحه أو العثور على رفاته. وللعلم فائق نمى الحس الوطني لدى ابنائي بحيث أصبح لديهم إحساس بالمسؤولية تجاه الوطن في مراحل مبكرة من أعمارهم بالرغم من انه لم يتعاط السياسة بمعناها الفئوي أو الحزبي إنما كان يتعاطاها بحس وطني عال.

* تردد في الأوساط الخليجية ان هناك وساطات مكثفة جرت لفائق عبد الجليل منذ تحرير الكويت من شخصيات خليجية وعربية بحكم معرفتهم الشخصية به، ولكن تلك وساطات لم تخدم فائق بل لفتت النظر له من قبل النظام العراقي السابق حتى ان صدام حسين كان بنفسه يتابع ملف أشهر أسير كويتي؟

ـ أنا مثلك سمعت هذا الكلام كثيرا. ولكن ثق تماما ان هناك شخصيات عربية سعت في السؤال عن فائق لدى النظام السابق وكان السؤال بشكل شخصي بحكم علاقة الصداقة التي تربطهم بفائق لكن محاولاتهم وصلت إلى طريق مسدود مع النظام العراقي السابق.

* منذ سقوط نظام صدام خرجت الصحف بأخبار متناقضة عن مصير زوجك، فالبعض يقول ـ انه حي واخرون يعتقدون انه قتل في مقابر جماعية، كزوجه انتظرت زوجها 14عاما كيف كنت تشعرين اثناء قراءة مثل تلك الإخبار؟

شيء محزن أن اقرأ الصحف في الصباح لأجد أخبارا تمس زوجي تتداول بشكل متناقض ومؤلم. فكنت تارة أقرا خبر العثور على رفاته في مقبرة جماعية وتارة أخرى وجود ثلاثين كويتيا أحياء من ضمنهم زوجي، وغيرها من الأخبار التي نشرت ولم تكن لها مصداقية وهذا الشيء يسبب الم مبرح ان يتم النشر من دون التأكد من صحة الخبر وزج اسم فائق والأسرى الكويتيين للإثارة وهذا ان دل على شيء إنما يدل على احترام قيمة الانسان في الوطن العربي.

* هل صبرك نفد أم لا زلت امرأة قوية مثل ما يقال عنك منذ 14عاما؟

ـ تستطيع تصنيفي بالمرأة القوية منذ فترة غياب زوجي حيث استطعت إتمام واجباتي كأم في تربية أولادي بما يرضي رب العالمين محاولة دائما سد الفراغ الذي تركه زوجي وهذه القوة كنت استمدها من الله والأمل في إطلاق سراح الأسرى الكويتيين وعودة رب الآسرة والفرح الى منزلنا وبعد ان زال نظام صدام حسين ولم ينكشف مصير زوجي بشكل ملحوظ أحسست بان تعب 14عاما تراكم علي فجأة خلال العام والنصف بعد سقوط النظام لان العائق قد زال وفائق ومن معه لم يعودوا الى الكويت.

* حديثنا عن فائق عبد الجليل الشاعر ؟

ـ القصيدة بالنسبة لفائق عبارة عن ركام من الحزن والترقب والانفعال والدهشة ومزج بين الماضي والمستقبل، وقد قال لي ذات مرة «القصيدة يجب ان تسابق الريح وتسبق الزمن وإلا فهي قصيدة محنطة». كان يحمل فصيلة هم مختلفة ومميزة وقد تلمس هذا الشيء في العديد من قصائده وتجد أيضا في بعض قصائده استقراء وتنبؤا لما هو عليه الان من وضع أو حال. واجمل قصائده كان يكتبها على الأرض، فكان اذا جلس على الأرض وطلب كوبا من الشاي الساخن اعرف ان إحساسه الشعري تحرك وهناك قصيدة مقبلة، انتظرها بشغف لكي أكون أول من يقرأها.

* وما هي اقرب قصيدة الى قلبك ؟

ـ لا توجد قصائد او قصيدة مقربة لنفسي بقدر ما هناك قصائد تحمل ذكريات فكل قصيدة لها طابع خاص لانها تعبر عن مراحل عمريه مختلفة في حياتي وحياة فائق ففي كل فترة زمنية يختلف الطرح والرؤية واذكر بهذا الصدد عندما كان يسأل عن اجمل قصيدة له كان يقول بأن «اجمل قصائدي لم اكتبها بعد» وكان يشبه القصيدة بالضيف الذي يأتي من دون موعد مسبق وينسحب من الجلسة حينما يشاء.

* أخيرا.. وبعد كل تلك السنوات هل زال لديك أمل في عودة زوجك؟

ـ تمنيت أن يكون معي الان بعد أن كبروا أولادنا الصغار واصبحت أصغر بناته في المرحلة الجامعية وهذا شيء من أحلأمنا المشتركة التي لم ينعم برؤيتها وتمنيته معي أيضا لكي يلمس مثل ما لمست محبة الناس له وتقديرهم لعطائه وأستطيع أن أقول بأن غياب فائق أثبت لي أن الجميع أجمع على محبة هذا الانسان من دون خلاف أو استثناء.

ولكن نافذة الأمل بالنسبة لي لا تطل الا على الضباب.. فالرؤية بالنسبة لي في موضوع مصير زوجي ضبابية لانه منطقيا لم تعد هناك أي مؤشرات على وجود أسرى أحياء في العراق وفي نفس الوقت اذا رجعت للتاريخ تجد دائما جميع الحروب التي قامت في العالم تعقبها مفاجآت قد تكون سارة ومحزنة، وكل ما هو علينا الان هو الصبر والدعاء ولن يصيبنا الا ما كتبه الله لنا.

* قالوا عن فائق عبد الجليل:

* الأسر والروح

الأسر يكسر الروح فكيف حين يكون لشاعر؟! فائق عبد الجليل شاعرا واسيرا. هذه شهادة له. الشعر يملا قلوب الطغاة بالرعب، فليبق شاعرنا أسيرا حتى ينفجر قلب الطاغية فتكون للشاعر ولنا الحرية.

الدكتورة سعاد الصباح

* التصميم وعدم الانسلاخ

التصميم على عدم الانسلاخ من الأرض القديمة التي تتلوى في عروقها جذور حنين الشعراء وعواطفهم، هو أشد بروزا لدى أصغر شعراء الكويت ( فائق عبد الجليل) واكثر ما يتمثل صدقه في تعابير هي مزيج من العامية والفصحى.

البروفيسور: سيمون جارجي الأستاذ في كليه الآداب ـ جامعة جنيف

ملحق صحيفة «لوموند» الفرنسية (1970)

* الى الشاعر فائق عبد الجليل

أيا طائرا الشعر!.. طال الغياب وجف على مقلتينا البكاء ولكننا نتحدى القيود ونحيا على حلمنا باللقاء

الدكتور: غازي القصيبي

* «الصمت صافحني..ونطق»

هكذا قال فائق عبد الجليل في قصيدة قديمة لا زلت أحتفظ بمخطوطتها منذ اوائل السبعينات. لا احب أن أتذكر فائق عبد الجليل بصيغة الماضي ربما لان هذا النوع من الماضي لا يليق بشاعر دخل غموضه بصورة تبالغ في طبيعته الشعرية. الشاعر عموما قادر على أن يحضر حتى في غيابه، فما بالك بشاعر لم يترك مجالا للزعم بحقيقة واضحة تتصل بدرجة الحضور والغياب الماديين. لذلك يليق بنا أن نبعث لفائق عبد الجليل التحية ان كان حيا بسجن أو كان (حيا) بقبر على ان الشاعر لا يذهب به الموت اذا مات. رجاء أن لا يكون فائق عبد الجليل قد تعرض لذلك.

الشاعر قاسم حداد مجلة الكويت/ فبراير1990

* فائق.. هذا الاسم الفاعل

نادرا ما يكون اسم على مسمى.. الا على عبد الجليل الذي هو فعلا عندما نستمع لاسم «فائق» يتبادر الى الذهن صديقنا المعني فائق عبد الجليل.

والذي يتمتع بهذا الاسم تمتعا مطلقا لما له من تفوق ملموس في اعشاب حياته، سواء ان كانت فنية.. اجتماعية..عاطفية.. وطنية محسوسة.

ورغم هذه «الفوقية» فهو عبد للجليل جل وعلا.

آخر نغمة وجدانية دارت بيني وبينه ايام الايام النكراء في احتلال «كويته» الغالي، وعندما كلمني هاتفيا من الحدود يوصيني بأولاده الذين بعثهم من تلك المنطقة. وقد حاولت اقناعة بالانضمام معهم الينا بالرياض فلم أفلح آنداك.. وآل على نفسه إلا أن يعود هو الى الوطن اداركا منه للواجب الذي يقتضي منه المشاركة فيه.

وقد تفوق فعلا على ما سمي به: شعرا، وفاء، وطنية، وإباء.

حتى على نفسه..

أبو بكر سالم

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال