الجمعـة 06 ذو الحجـة 1421 هـ 2 مارس 2001 العدد 8130
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
 

نقيب الممثلين اللبنانيين رفيق علي أحمد: الفنان في لبنان «آرتيست» بالمفهوم العثماني

بيروت: منال جوهر
يطمح الفنان المسرحي والسينمائي ونقيب الممثلين اللبنانيين رفيق علي احمد الى استصدار قانون لتنظيم المهنة يوفر الحماية اللازمة للفنانين اللبنانيين اسوة بنظرائهم في البلدان الاخرى، مؤكداً لـ «الشرق الأوسط» عدم وجود مشاكل مع نقابة الفنانين المحترفين «فهمنا واحد وتوجهنا واحد ولسنا احزاباً حتى نتصارع»، مبدياً اسفه لان حقوق الفنان اللبناني مهدورة «فالقانون ينظر اليه على انه «آرتيست» بالمعنى العثماني للكلمة ويفرضون عليه ضريبة مماثلة لما تدفعه الراقصة».

ويتطرق علي احمد الى وضع الانتاج المحلي المتردي ليلقي اللوم على المعلنين في «تحول التلفزيونات الى محطات اعلانية استهلاكية تقدم صورة مشوهة عن البلد» مشيراً الى ان اكثر ممثلات اليوم هن «عارضات ازياء ليس اكثر». ويتحدث عن مسيرته المسرحية والسينمائية والاسباب التي دفعته الى ان يصبح «رجل العرض الواحد» فيكتب ويمثل، لاسيما مع تحول المسرحيين الى مستهلكين للثقافة الغربية. ويدعو الى «بناء مسارح الجيب للمساهمة في اعلاء الحركة المسرحية اللبنانية»، وفي ما يأتي نص الحديث:

* يشكو الفنانون اللبنانيون كثيراً من عدم حصولهم على كامل حقوقهم كالضمان الاجتماعي والصحي وغيره... الآن بعد انتخابك نقيباً للممثلين ماذا ستفعل وكيف ستحل الوضع؟

ـ يجب ان نفهم في البداية ان وضع الفنان في البلد ينبع من وضع الشأن الثقافي المرتبط بدوره مع السياسة. فالثقافة هي نتيجة عيش، تزدهر بازدهار العيش وتتردى بترديه، وبالنسبة الى لبنان فقد كان مميزاً وحاضراً على مستوى الثقافة العربية وكانت بيروت عاصمة الثقافة تاريخياً. وبعد سنوات الحرب انحسرت الصورة ودخلنا مرحلة الثقافة الاستهلاكية فتحول المسرح الى ما صار اليه من مسرح استهلاكي تجاري.

ووضع الفنان اللبناني ينبع من هذه الحالة، فلبنان هو البلد الوحيد الذي ليس لنقابة الممثلين فيه قانون مهني، اذ لا يزال الفنان في القانون اللبناني «ارتيست» بالمفهوم العثماني لهذه الكلمة، وحتى الآن يدفع ضريبة الملاهي وبنفس القيمة التي تدفعها الراقصة في اي حانة. لذلك نطمح في العهد الجديد الى تحقيق امرين:

1 ـ الحصول على القانون المهني الذي يضمن للفنان حقوقه المادية والمعنوية وضمانه الصحي والاجتماعي. 2 ـ المساهمة في اتخاذ القرار وتفعيل الانتاج الفني الثقافي في البلد والعودة من هامشيته الى واجهته الثقافية

* وكيف ستعملون على تحقيق ذلك؟

ـ نحن نعمل بالتنسيق بين المجلس الوطني للاعلام والمنتجين على الصعيد الفني والفكري. اذ ان تلفزيوناتنا اليوم هي تلفزيونات اعلانية استهلاكية تقدم صورة مشوهة عن لبنان كأنه معرض دائم للازياء لا غير. ولا يعني ذلك اننا نرفض هذه الاعمال بالمطلق، فنحن مع التنويع في الصورة ونرغب في وجود اعمال جدية موازية لها، تقدم صورة حقيقية للواقع. وهذا لا يتحقق الا عبر تشجيع وتنشيط الكتاب التلفزيونيين وايجاد الجهات الانتاجية المثقفة، اذ ان النهوض بهذا المجال يؤمن ايضاً امكانية عمل لمجموعة كبيرة من المواطنين. فأي مسلسل سوري يعمل فيه بين 1000 و1500 شخص على مدى 4 الى 5 اشهر وينشط جميع ميادين العمل.

هذه رغبة اكيدة لدى كل الفنانين يعلقون عليها الآمال الجسام، وهم انتخبوني ايمانآً منهم انني استطيع معهم ومن خلالهم تحقيق قفزة في هذا المجال.

* ولكن الدولة تتعلل بانقسام الفنانين الى نقابتين كعقبة في وجه تحقيق القانون وتدعو الى الوحدة كي يتحقق هذا الامل؟

ـ اساساً نقابة الممثلين موجودة منذ العام 1948 لكن سياسة معنية اوجدت نقابة موازية لها، حتى ان الاتحاد العمالي شق الى اكثر من اتحاد. ونحن نريد ان نكون مواطنين منتجين، وليخجل المسؤولون من عدم اجابتهم لمطلبنا. وبالنسبة الينا لا توجد مشكلة مع زملائنا في نقابة الفنانين المحترفين، الا ان نقابتنا متخصصة تضم حوالي 700 عضو بينما نقابة الفنانين تحتوي على 7 مجالات فنية تختلف ظروف كل منها عن الاخرى. لذلك حين نحصل على قانون التنظيم المهني للممثلين لن تعود هناك مشكلة في التوحيد، لا سيما ان لنا هماً واحداً وتوجهاً واحداً في العمل ولسنا احزاباً حتى نتصارع ما بين هذا وذاك.

* وهل تعتقدون ان حصولكم على قانون تنظيم المهنة سيسمح لكم بالتحكم في الاعمال المنتجة وفرض رؤيتكم الثقافية عليها؟

ـ قصة الانتاج المحلي مفروضة على التلفزيونات من قبل المجلس الوطني للاعلام بنسبة 40 في المائة، ان المعلن هو الذي يتحكم في الانتاج لأنه يطمح الى الربح السريع، فيقدم صورة مشوهة تظهر لبنان مقتصراً على الاشكال الجميلة الراقصة والفارغة من المضمون. صحيح ان الاخوة العرب يتفرجون على هذه البرامج ولكنهم مستاؤون من هذه الصورة، لأن عندهم وحدة وجدان وقيم هي ذاتها عند اللبنانيين. ولو كان لدينا قانون مهني لاستطعنا ان نؤثر ونرفض المشاركة في المقابلات التلفزيونية السخيفة.

* تتحدث وكأن الانتاج المحلي اللبناني يقتصر فقط على برامج الحوار. ماذا عن المسلسلات والاعمال الدرامية؟

ـ حسب رأيي هناك مسلسل واحد في لبنان بدأ مع «العاصفة تهب مرتين» وتكرر في جميع الاعمال اللاحقة. ولكنني ضد احادية الرؤية التي تقدم صورة المرأة الخائنة التي ترتدي الملابس القصيرة والرجل المزواج. اين الريف اللبناني والمقاومة في الجنوب واين الصراعات الداخلية التي يتأثر بها المجتمع اللبناني وغيرها من المواضيع التي تمس وجدان اللبناني.

وبصراحة فإن اكثر الممثلات اليوم هن عارضات ازياء، اي سلعة للبيع والشراء، مع احترامي لعارضات الازياء ومهنتهن، الا ان مكانهن ليس في التمثيل. كما ان التلفزيونات العربية التي تنقل برامجها من بيروت تصر على ادراج مشاهد من المرابع الليلية بين المقابلة والمقابلة وكأن هذا هو نمط الحياة الوحيد المعروف في بيروت.

* اذاً انت تحلم بنقابة ممثلين فاعلة تستطيع الضغط على المنتجين كما فعلت نقابة الممثلين الاميركيين اخيراً من منع اعضائها من التمثيل في الاعلانات وغيرها؟

ـ لا نطمح الآن الى المستوى الذي سبقنا اليه غيرنا بل نريد الحد الادنى... انا ضد وجود جهة واحدة تملك القرار لأن الحرية هي بند اساسي للابداع الفكري، لكن يجب ان تكون هناك جهة معنية توجه هذه الامور وتعلم ان ما يعرض على السينما لا يجب عرضه على التلفزيون. فنحن ضد ان يكون هناك توجه وتوجيه لاستغلال صورتنا واجسادنا وتقديم صورة مشوهة عن مجتمعنا.

* وماذا عن مشكلة التمويل؟

ـ ان نقص المادة يؤثر على نوعية العمل لأنه يؤثر على الخيال ويضطر المخرج والكاتب الى الاختصار. واحب ان اقول هنا ومن دون تزلف انني شخصياً واكثر المثقفين لدينا امل بتحقيق شيء ما بوجود غسان سلامة وزيراً للثقافة لأنه يريد الوزارة منتجة ونحن ايضاً نحب ونريد ونتمنى انتاج فكر وثقافة حية معاصرة لكن لا بد من ايجاد وسائل لتنشيط هذه الطموحات.

* انستطيع ادراج العوامل المادية ضمن الاسباب التي جعلتك تحجم عن الاشتراك في الدراما التلفزيونية اللبنانية، فلا تطل الا عبر الدراما العربية وتحديداً السورية اخيراً في مسلسل «الزير سالم» الذي يعد اول تجاربك التلفزيونية؟

ـ صحيحة الاسباب التي ذكرتها، كنت منحسرا عن التلفزيوني ووجدت نفسي في المسرح، فاستنبطت اسلوبي الخاص عبر «غرض الرجل المنفرد» ووازنت بيني وبين فني ومجتمعي وناسي. اما مشاركتي في «الزير سالم» فقد جاءت بعد تأكدي من اكتمال عناصر الانتاج الحقيقية فيه. اذ ان الدراما السورية ورغم عمرها القصير نسبياً، اي سبع سنوات، حولت الدراما الى مشهدية، فانتقل المسلسل من مسلسل اذاعي مصور الى مشهدية تراها العين، وهذا كان يتطلب سخاء انتاجياً، ودخل الى العمل التلفزيوني العربي كبار الكتاب امثال ممدوح عدوان وهاني السعدي.

* تتحدث عن الدراما التلفزيونية اللبنانية بأسى وكأنك تنسى عصرها الذهبي في فترة ما قبل الحرب؟

ـ كلا، فهذه الفترة محفوظة في ذاكرتنا ونجومها كمحمود سعيد وعبد المجيد مجذوب وغيرهما هم ابطالنا، لكنني اتحدث عن تجربتي معها والتي تبدأ مع بداية الحرب وتفكك الانتاج. لذلك ادعو الى اعادة المجد الانتاجي الى لبنان، ولهذه الغاية نحتاج الى التربة الصالحة لكن بكل اسف هناك اقطاعيون يفرضون علينا زؤاناً معيناً لنشتغل، وينسون ان تراكمات التجربة تخلق مبدعين في كل المجالات وتحفز على التعلم.

* ولهذا السبب اصبح رفيق علي احمد رجل العرض الواحد على المسرح؟

ـ هذا احد العوامل المساهمة في انتهاجي هذا الاسلوب، اضافة الى ان ظروف الحرب التي مررنا بها حولت المجتمع الى افراد. وطبيعة المواطن اللبناني تجعله ناجحاً كفرد وفاشلاً في العمل الجماعي. وبالنسبة الى اسلوبي فهو مرتبط بوجدان الريف اللبناني وعشت سنوات الحرب في الريف والمدينة، والمسرح بالنسبة الي ليس غاية بل وسيلة، وكان حاجة في داخلي للتعبير عن ما يختلج في نفسي. فوجعي كان بحاجة الى صراخ فكتبت النص الواقعي بالتقنيات التي تعلمتها من تجربتي في ظل غياب المنتج والمؤلف الذي يعبر عن فكرتي، اذ حتى الآن لم التق المؤلف الذي يفهمني ويقدمني بالشكل الذي اريده الى الجمهور. فالمثقفون مسلوبو الثقافة ومغرّبون ومقلدون للثقافة الغربية، التي لا انكرها، شرط ان يكون الهدف منها الاغتناء المعنوي الذي سيمكنني من تقديم حقيقتي وشخصيتي. اما ما يحدث اليوم فهو تحول اكثر المسرحيين الى مترجمين مستهلكين للثقافة الغربية، صحيح انني مع التقنيات الغربية لكنني ضد الافكار الغربية وتبنيها. فأنا اطمح الى ابهار المشاهد بعفويتي على مستوى النص والاداء، لا ان اقرأ عليه امثولة واتخمه بمسرح فلسفي معقد. ولا يعني ذلك انني ادعو الى بقاء الشروال والعباءة لكنني اطلب ان يتم استقاء المواضيع من مجتمعنا لنصوغها بطريقتنا.

* ألا تظن ان اسلوب «رجل العرض الواحد» سيؤثر على ادائك ويدخلك في التكرار؟

ـ هذا امر يحدده الجمهور والنقاد، وانا اكتفي برغبتي الدائمة في التجديد وايجاد طرق مختلفة في التعبير، لذلك استعين بمخرج يقدم لي رأيه في الصورة المقدمة. واعتقد ان اي مسرحية اقدمها بهذا الاسلوب تستقطب الجماهير فلا تضطرني الى ايقافها الا عندما اقرر انا ذلك. فأنا اعتمد طريقة كتابة السير الشعبية بأسلوب معاصر، بمعنى انني حولت مسرح الحكواتي الى مسرح شعبي، وآمل ان اكون ساهمت في تراكمات الثقافة وأجد ان لا ضرورة لتغيير هذا الأسلوب ما دام ناجحاً يرضي النقاد والجمهور في آن.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال